الجمعة، 29 يناير 2016

وتشحذى فى ذهنىَ المكدودِ يا بنيتى

وتشحذى فى ذهنىَ المكدودِ يا بنيتى
مقاطعَ السجود
وتنتشى مع القيامِ والقعود
وتقذفى الكَرَى من المُقل
لتوقظى فى أمتى النهوض
الليلُ لن يعود
والقاتلُ الجبانُ لن يقود
وبحرنا ستعتلى سفينهُ أسود
للحق لن تعود
بغير نصر دينِنِا الذى
تنصرهُ الأسود
والثائرُ الذى فى أرضنا يقود
وينحنى لمَّا يرى السلاح والحشود
والجيشَ والجنود
فرعونَ والنمرود
ليلتقط لنفسه حجر
يصير فى يديه لعنة القدر
وأنت يا ابنتى
فى حومةِ الميدانِ قائدٌ
شجاعةٌ قويةٌ مغامرة
اخجلتِ فى الرجالِ جبنَهم
اشعلتِ فى المجاهدِ الثقة
رأيتُ فيكِ يا ابنةَ الخنساءِ ما رأيت
خنساءنا فى الثُكلِ صابرة
نسيبةَ التقيةَ المقاتلة
غزالةً على الحجاج ثائرة
فى قلبك الإيمان والتقى
وفى جنانِك اليقين والمثابرة
عفيفة وطاهرة
برغم كل ما تُشيع العاهرة
فإنها والحق رامية
ترمى بدائها الحرائرَ المهاجرة
على رصاص المجزرة
وتشحذى فى ذهنى المكدود يا ابنتى
مقاطع السجود
لأرفعَ الدعاءَ فى السجود
ويلهجَ اللسانُ فى القيام والقعود
ويرسخَ اليقينُ فى انتصارنا المشهود
سينصر الإلهُ جندَه
ويأخذ الشهيدُ ثأرَه
وتندمل جراح ُعرضِنا

وتندمل جراحُ عرضِنا .

الاثنين، 18 يناير 2016

الأدب بين دور الأديب الأدبى و دوره الإجتماعى .......... من ارشيف مقالاتى

الأدب
بين دور الأديب الأدبى و دوره الإجتماعى

من الأديب ؟
                  لا نستطيع أن نطلق هذا المصطلح على كل من استطاع أن يكتب أو أن يستخدم الدواة والمحبرة وإنما هو ذلك الشخص الذى يستطيع أن يوظف ملكاته اللغوية  والفكرية والخيالية ليستطيع أن يصيغ منها مركبا فنيا يمتع المتلقى سواء أكان هذا المبدع يستخدم الدواة و المحبرة أم لا ، وبذلك يندرج تحت هذا المسمى كل من يستطيع أن يبدع عملا فنيا لغويا بصرف النظر عن قيمته الأخلاقية أو بعده أو قربه من قيم المجتمع المقدم إليه .
                  وبالتالى يمكننا ادراج من يؤدى  الشعر و الزجل و الشعر العامى  والقصة القصيرة و الرواية وكل ما يمكن أن يقوم مقام واحدة من هذه المفردات ضمن الأدباء لأنها جميعا أعمالا لغوية فنية و تختلف  باقى الفنون التى تستخدم اللغة عن مثل هذه التى نتحدث عنها ولا يدخل صاحبها ضمن التصنيف مثل المقال و الرسالة و التقرير والتحليل والبحث وغيرها كثير .
ما أدوات الأديب ؟
أولا : اللغة
                 حيث هى أول مطلوبات الأديب و التى بدونها لا يمكن أن يخرج عملا مؤثرا ، وإن كانت اللغة تتأثر سلبا وإيجابا بالتأثيرات المجمتعية المختلفة و التى منها على سبيل المثال حالات الضعف والقوة التى تنتاب الشعوب و كذلك القرب و البعد عن المأخذ الأصلى للغة والذى يتسبب فى قوة اللفظ وجزالته أو ضعفه وركاكته ، بل ويتغير شكلها حسب الذوق الإجتماعى وإذا ضربنا مثالا باللغة العربية فقد استخدمها الشعراء قديما باللفظ الغريب الوحشى ثم البسيط  المألوف ثم السجع وأنماطه حتى وصل حال اللغة إلى ما هى عليه الآن من اختلاط بالألفاظ الأعجمية  بل وتدنى الحال بها إلى استحداث مصطلحات عامية ركيكة أصبحت تستخدم بصورة فجة فى الأدب .
ثانيا : الخيال الخصب
               وهو تلك القدرة على التركيز الذهنى لتخليق نماذج و أنماط تركيبية يمزجها الأديب ببعضها لتخرج فى صورة نص أدبى سواء كان هذا النص يمثل الواقع أو لا يمت إلى الحقيقة بصلة ولعل أصدق ما ورد فى ذلك ما جاء عن جرير بن عطية صاحب الفرذدق والذى سأله إحد معاصرية عن قدرته الشعرية
قال له : قُم حتى أعرّفك الجواب، فأخذ بيده وجاء به الى أبيه
وقد أخذ عنزاً له فاعتقلها وجعل يمّص ضرعها، فصاح به: اخرج ياأبت، فخرج شيخ دميم رث الهيئة ، وقد سال لبن العنز على لحيته ، فقال : الا ترى هذا ؟ قال: نعم .قال: او تعرفه ؟ قال: لا.
قال :
هذا أبي . أفتدري لم كان يشرب من ضرع العنز؟ قلت : لا . قال : مخافة أن يسمع صوتُ الحلب فيطلب منه لبن .
ثم قال: أشعر الناس من فاخر بمثل هذا الاب ثمانين شاعراً وقارعهم به فغلبهم جميعاً.
              وهى المعين الإجتماعى الذى تتأثر به نفس الأديب سلبا أو إيجابا فيميل إلى التغيير أو التمكين لما يعايشه داخله ولعل قول عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه فى ذلك ( الشعر ديوان العرب ) يعبر تعبيرا صادقا عن علاقة الأديب بالمجتمع الذى يعيش فيه ، وكل إديب يتأثر تأكيدا بالمجتمع الذى يعيش فيه بكل سلبياته وإيجابياته وقضاياه إذا استثنينا بعض أنواع الأدب كأدب الخيال العلمى والعبثى .
هل يمكن للأديب أن يغير فى المجتمع ؟
                قبيلة جديس قبيلة عربية وكان إذا تزوجت فتياتهم يبدأ بها إلى الملك وهو أحد العماليق ليفتضها فلم تقبل غفيرة بنت غفار ذلك وعادت إلى مجلس قومها فرفعت ثيابها ودمها ينزف وهى تقول :
أيصلح ما يؤتى إلى فتيـــــــــانكم     وأنتم رجـــــــــالٌ كثرةً عدد الرمل
وترضون هذا يالقومي لأخــــتكم     عشية زفت في النســـاء إلى البعل
فإن أنتم لم تغضبوا بعد هــــــــذه      فكونوا نسـاءً في المنازل والحجل
ودونكم طيب النساء وإنمـــــــــا       خلقتم جميعاً للـتزين والكــــــــحـل
فلو أننا كنا رجالاً وكنتـــــــــــــم      نسـاءً لكــنا لا نقيـــم على ذحــــل
فقبحاً لبعلٍ ليس فيه حمــــــــــيةٌ      ويختال يمشي بيننا مشيــة الفحل
فموتوا ضراماً أو أصيبوا عدوكم      بداهيةٍ توري ضـــراماً من الجزل
وإلا فخــــــلوا داركــم وترحـــلوا     إلى بلـــدٍ قفرٍ خــلاءٍ من الأهــــــل
ولا تخرجـوا للحـرب يا قوم إنها      تقوم بأقوامٍ شــدادٍ علـــى رجـــــل
فيهلك فيها كل وغـــدٍ مــــــواكلٍ     ويسلـــم فيها ذو الطعان وذو القتل
                     ـ  فمن ذلك التأثير  ما يكون فوريا كما في مسرح ( الوقعة ) الذي ظهر في انجلترا عقب الحرب العالمية الثانية بزعامة أرطو؛ إذ كانت عروض هذا النوع من المسرح تنتهي بمظاهرة يتحمس لها الجمهور، فتنطلق شرارتها من الصالة وتنتهي إلى الشارع ، تأييدا للمضطهدين  والمستعمرين (بالفتح) في بقاع العالم.( من مدونة أدب ونقد )
                          - ومنه ما يأتى أثره بالتراكم القيمى و الذى يؤدى الإلحاح فيه على قيم معينة باتخاذها منحى فى الأدب بأنواعه مما يؤدى إلى هدم معارضتها النفسية فى عقل المتلقى ثم بعد ذلك العمل على تعويده عليها ثم الإقناع فالتفاعل و التبنى ولعل الإلحاح على البار و السيجارة و المرأة فى ألأدب الروائى فيما قبل السبعينات و وكذلك على قيم التفلت الإخلاقى فى أدب الحاضر ولعل الجوائز العالمية لها دور كبير فى ذلك الإتجاه  مثل تلك التى نالتها روايتى  عمارة يعقوبيان و شيكاغو رغم أن كل ما فيهما ضد قيم المجتمع المسلم .
                     والحقيقة أن للأدب العربى وخاصة الشعر موقعه الكبير فى مسألة تغيير المجتمع ولعل الأسواق الأدبية القديمة حيث قامت بالدور الإعلامى الذى يعلى قيم المجتمع ويذيع الدعوات و المذاهب ولا شك أن حسان بن ثابت وباقى شعراء الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا مثالا على ذلك بل ولقد كان الشعر يقود المعارك ويحمس الجنود وهذه هند بنت عتبة فى أحد ترتجز
إن تقبلوا نعانق ونفرش النمارق .. أو تدبروا نفارق فراق غير وامق
                    كذلك فقد ساهم الأدب بدور اعلامى فعال فى فى مساندة الخلفاء أو التحريض عليهم ولعل علاقة المتنبى و سيف الدولة الحمدانى لا تخفى على أحد كما أن فتنة البرامكة و القضاء عليهم كان بعض من وقودها الشعر و الأدب وإن لم يظهر فن القصة و الرواية فى هذا الوقت بصورته الراهنة وبالتالى لم يكن له تأثير يذكر برغم تداول الخبار فى صورة قصص وانتشار القصاص فى ذلك الوقت  .
                 ولعل دور الأدب فى نشر الوجودية فى العالم غير خاف حيث تبنى الفيلسوف الأديب سارتر هذا المذهب هو وعشيقته سارة برنار و وقفوا بقوة خلف هذا المذهب فى العالم .
                  وإذا ما رجعنا إلى العصر الحديث فقد ساهم أدب الثلاثينات حتى الستينات  بقوة فى تدعيم الهزة الأخلاقية فى المجتمع و التى تبناها أدب نجيب محفوظ و توفيق الحكيم و يوسف ادريس واحسان عبدالقدوس وثروت أباظة وغيرهم خاصة وأن المرحلة كانت تحمل زخما كبيرا فى اتجاه الفكر الشيوعى فالتقت السياسة مع الأدب فى تسويق الإنحلال الأخلاقى والبعد عن التدين والإلتزام الأخلاقى هذا إذا ما استثنينا بعض الأسماء ذات الخلفية الثقافية الإسلامية من أمثال الطاهر وطار ونجيب الكيلانى ومحمود المسعدى .
                   وبرغم أن الوضع تغير مع ظهور أدب الصحوة ليعود الأدب إلى التزامه وبالتالى ظهور اسماء جديدة فى عالم الأدب مثل نجيب الكيلانى والذى توارى دوره فى الستينات بسبب التوجهات السياسية فى ذلك الوقت وعماد الدين خليل ويوسف القرضاوى الشاعر ، محمد هاشم الرفاعى والذى راح شهيدا بسبب كلماته ، ويوسف العظم وكثير من شعراء الصحوة .
وبرغم أن ادب المقاومة ظهر بقوة ليقود المجتمعات وكانت بداية ظهوره الحديثة فى ثورة 19 حيث قاد الجماهير
قم يا مصرى مصر دايما بتناديك       خذ بنصرى نصرى دين واجب عليك
و الأمثلة ممتدة
                                       بلادى بلادى بلادى       لك حبى وفؤادى
إلا أنه كان يعتمد أيضا فى أغلبه على الشعر و الزجل ولم تظهر الرواية كأدب مقاومة إلا فى النادر مثل رواية فى بينتا رجل ورواية الأرض .
                  ثم ازداد أثره حديثا منذ ظهور الإعلام التكنولوجى ولعل أفغانستان ضد الإحتلال الروسى مثلت بداية جديدة كما أن فلسطين دائما محور أدب المقاومة والإصلاح الإجتماعى  و كذلك كل قضايا التحرر فى العالم الإسلامى كله والذى ظهر على صفحات الويب و الذى أصبح يستحوذ الآن على بعض الفضائيات ولعل من أهم الأسماء التى تبنت هذا النوع من ا|لأدب فى صوره المختلفة عبدالله البردونى اليمنى وعبدالرحمن العشماوى وأحمد مطر وأمل دنقل ومعظمهم شعراء بينما ندر وجود الروائيين بين الإسلاميين وإن ظهرت بعض الروايات مثل فى بيتنا رجل والرصاصة ما تزال فى جيبى و الأرض وكلها من منطلق قومى بحت وكذلك  القصص القصيرة التى تمثل محاولة لتغيير المجتمع وإن ظل الشعر على تميزه فى هذا الباب .
الدور الأدبى للأديب
                 أما الدور الأدبى للأديب فالحقيقة أن الأديب الملتزم هو أقدر الأدباء على خدمة الأدب بصورة جيدة و المقصود بالملتزم هنا هو صاحب الملكة الفنية العالية و الذى يسخرها للمحافظة على قواعد اللغة أى لغة فإذا ما تحدثنا عن الأديب العربى فهو مطالب بالكثير وقد كان هذا دوره منذ الأزل فقد استمر الشعر العربى حصنا قويا للمحافظة على اللغة وقواعدها و الذوق اللغوى الجيد ولعل اعجاب الأصمعى بالجارية لم يأت من فراغ ، تلك التى رآها تمسك بفم القربة وتهتف :
-          (يا أبت أدرك فاها ، غلبنى فوها ، لا طاقة لى بفيها .)فراح يهتف : جمعت العربية فى ثلاث .
                      ومن المؤسف أن اللغة كالبشر تتبع الأقوى ولذلك فإن اللغة العربية رغم صمودها على مدار الحقب الماضية من التاريخ إلا أنها اليوم بسبب الضعف القومى الشديد و الغزو الفكرى المستمر بدأت تتوزعها نزعات أثرت على صحتها وقوتها مثل استخدام اللهجات العامية كلغة أدب وكذلك دخول كثير من المصطلحات الغربية على اللغة خاصة مع استخدام اللغة الإنجليزية لغة أساسية فى شبكة الإنترنت وكذلك استخدام بعض المصطلحات التى يسمونها لغة شبابية الغريبة جدا و الهدامة أيضا مما أضعف العلاقة بين العربى و اللغة بشكل كبير انعكس على حياتنا كلها لدرجة أن المذيع العربى أصبح أعجمى اللسان إلا من عصم الله بل وأصبحنا نرى قنوات فضائية تتبنى اللهجة العامية حتى فى نشرات الأخبار بصور فجة ولا يخفى على أحد الغرض من ذلك  حيث أن لهذا أكبر الأثر على علاقة العربى بالقرآن الكريم وفهمه واستيعاب مراميه ومعانيه .
                     لذلك أصبح على عاتق الأديب أن يتبنى منهجا لغويا ملتزما يحمل قواعد اللغة العربية قراءة وكتابة و روحا بحيث لا بفقد اللغة صلتها بالأصول اللغوية السليمة وقواعدها الأساسية والتى تخلى عنها البعض لصالح البنيوية و الحداثة والتغريب والتى ولدت نتاجا فكريا ولغويا غاية فى الركاكة وعدم الفهم ومن العجيب أن  يرى هؤلاء النتاج اللغوى الأكثر غموضا وركاكة ليصبح أدونيس علما من أعلام اللغة برغم أنه أسوأ من أمسك قلما وورقا وتبنى كتابة الأدب .
وللمرء أن يتصور أن الآتى شعرا لواحد من أساطين الحداثة ...إنه الشاعر محمد عمران حيث يقول :
" مبتل بالفرح القدوس
جسدى يتفتح ما ، لغة زرقاء نهارا
أزرق أغنية
......
تخطفنى الزرقة ها جسدى يتقدم فى ملكوت
البحر .....
يا بحر يا قدوس كل الملك لك ."
وحاول يا عزيزى أن تفهم ثم يقال لك أن العبرة بالغموض و أن هذه هى الحداثة ..................
                           قصيدة بلا موسيقى ولا قافية و لا لغة ولا يفهمه القارئ  ، اظننى لو رأيتها دون أن ينسبها ناقد لهذا الشاعر فسأظن أنها ترجمة ركيكة لقصيدة بلغة أجنبية ولك الله أيتها اللغة .
                           لقد شبع الأدب العربى والإسلامى أخذا فى القوالب الفنية من الغريب و الغربى بالتحديد حتى قبح  شكله وشاه عوده و قد آن أن يستعيد الأديب العربى هويته وله مع ذلك أن يأخذ من الثقافات الأخرى لم يعترض أحد على ذلك ولكن يجب قبل الأخذ أن يقوم بعملية انتقاء وغربلة ليحصل على الجيد المفيد لا أن يغترف اغتراف الهيم فيأخذ الغث والثمين ثم لا يعود ينتفع إلا بالغث منه وكأنه أصيب بحول أدبى ضيع عليه الفائدة مما يحصل من ثروات الآخرين .
                        إن أهم ما يجب أن يحرص عليه أديب اليوم تجاه اللغة والأدب أن يعيد ربط الشارع بلغة القرآن لأنها المستهدفة بالتغيير البنائى للغة من قبل مجموعات الغزو الفكرى ورؤوس حراب المستعمر وبالتالى كلما عاد للشعر رونقه العربى الرائع وكلما عادت للكلمة العربية أصالتها و أصبحت تجرى على ألسن العامة و الخاصة وكلما حرص الأديب على الإستخدام الملتزم للتركيب اللفظى و الحركى و الأخلاقى داخل الرواية أو القصيدة حتى ما يتصل بالجنس منه مع عدم اعتراضنا على توظيفه داخل العمل الفنى بشرط ضرورة وجوده ومراعاة قيم المجتمع فى إيراده بمعنى عدم التحريض المستخدم الآن كلما كان ذلك أخدم للغة وأنجع للإصلاح وأقدر على الوصول إلى أكبر عدد من القراء  .

                                                                                                           حمدى عبدالظاهر أحمد

الأحد، 17 يناير 2016

إحسان >>>>>>>قصة قصيرة


                   إحسان 

هبط الليل بسواده و برده يلف الكون بكآبة عبقرية تهزم أكثر الناس تفاؤلا ولم يكن ليل صاحبتى هكذا وفقط ولكنه اصطحب معه ريحا ذات صفير أخذت تصم الآذان بصفيرها و سماء لبدتها غيوم كالحة وضبابا غطى الآفاق حتى لا يدع لإنسان فرصة يحلم فيها بانبلاج الفجر
                   كان شتاء هذا العام جله بهذه القسوة و الجبروت وزاد صعوبته أنه يمشى الهوينا مملا ينهش العظام و يأكل اللحم وكأنه السوس يقتات ما تبقى من حطام آدمية قابعة ها هنا متدثرة بغطاء تبدو عليه آثار نعمة غير أنه لا يكفى ليمنع هذا البرد وقد ظهر بجوارها من تحته أطراف صغيرة لزهرتين ذابلتين أضناهما الجوع و أمضهما الألم
                   ولأنه يبدو أن مفارقات الحياة توجب تضاد الأسماء و المسميات حين تريد السخرية فقد تمددت سعيدة – هذا اسمها – وقد تعلقت عيناها باللاشئ  عبر النافذة وكلما ضربها البرد بلسعاته شدت  عليها وعلى زهرتيها الدثار دونما فائدة ولعله لم يكن البرد فقط هو ما يضنيها ويشعرها بكل تلك المكابدة و إنما الجوع أيضا فلقد كان طعامها و ابنتيها فى هذه الأيام لا يزيد على كونه ما يشبه الطعام ولمرة واحدة طوال يومهن مكون من خبز و ماء لا يسد الرمق تقسمه بينها و طفلتيها ثم لا تلبث أن تعود ببقايا الخبز فى يدها على طفلتيها وتطوى راضية بما عللتهما به غير عابئة بجوعها الذى يفتت الحشا منتظرة أن يفتر قلب الليل عن ومض ورزق فى يومها الآتى
                   وهى كثيرا ما تناجى الليل وسكونه و أشباحه وتصاحب صرار الليل و تستعيد زمانها الذى كانت تسعد فيه بدفء الحبيب وروعة الحياة وهناءة البال ، ذلك الزمان الذى كانت تحيا أيامه يوما يوما ، كل يوم لذاته لا تفكر فى غده لإنشغالها  باهتبال ساعات اللذة مع حبيبها حتى ما كانت تظن أبدا أن أيامها تلك ستنقضى أو أن الزمان يمكن أن يعبس فى وجهها بعد أن أذاقها من سعادته، و  لم تعرف الدموع و لا الهموم فقد كانت ذراعاه دثارها فى البرد و إبهاماه مناديلا تكفكف عبراتها إذا تاهت فى الطريق فتحدرت من مقلتيها ، ولقد أسعدها و أبهجها وكان الملاذ و المأوى  إذا أحست من الناس بالغربة ، و المحارب  كلما خافت غوائل الدنيا ، وكان نبعا للسعادة اليومية لا ينضب تغترف منه اغترافا دون خوف من فناء رائعا روعة نسمات الربيع فى أحلى أيامه ، ساحرا سحر ليلة قمرية وقد تطلع البدر فيها إلى العشاق يصحبهم ويسامرهم ، حلو الشمائل  ، جميل الخلال  وآه عليه من حبيب !!!
                    أشهر قليلة تلك التى مرت على وفاته وهى على قصرها لدى عامة البشر كانت طويلة عليها ، ذاقت فيها ما أنساها كل نعيم عاينته معه لشدة مرارتها وقسوة الحرمان فيها ولعل ما زاد معاناتها أن زواجها ولد منذ يومه الأول ولادة قيصرية وخرج من رحم الدنيا بجراحة أماتت مشاعر أهله و قست بها قلوبهم  ورغمت أنوف فقطعوهما من شجرتهم ، ولذلك لم تنتظر أن تمتد أيديهم بالمواساة و لا أكفهم بالنعمة التى ترجى من أهل بهذا الجفاء فنزلت إلى الشارع تبحث عما تعول به نفسها و ابنتيها و لأنه غالبا ما يرش الطريق دروبه  بالوجل والخوف فقد أفاض معها الكيل فترددت بين أعمال كثيرة لم يزد دخلها من أكثرها غدقا عن جنيهات قليلة لا تسد الرمق ، و لأنها حيية فما استطاعت أن تمد يدها سائلة و لأنها عفيفة فما كانت بالتى تأكل بثديها فآثرت أن تتشرنق فى شقتها مع طفلتيها راضية بالجوع فى أحضان الوحشة و البؤس .
                   كانت ليلتها تلك كسابقاتها لذا فقد ظلت هكذا و نظرها معلق باللاشئ من النافذة حتى دحرت جحافل الفكر و الإنهاك و الجوع مقاومتها فنامت ونامت على خدها لؤلؤة يحرق مرآها قلوب أشد الناس قسوة ، ولم يوقظها من نومها إلا بكاء الطفلتين و نشيجهما الحزين شاكيتين ألم الجوع و يالهما من زهرتين لولا تلك الآلام 0
                   تناومت سعيدة لدقائق فى محاولة للتغافل عنهما لعلهما تنامان فتريحانها من هم التفكير فى تدبير طعام لهما ، ولكن ذلك لم يدم طويلا فقد احتد البكاء و اشتد مع اشتداد الجوع فقامت تبحث لهما عن بقايا طعام من خبز الأمس يخفف ما بهما فلما وجدت كسرتى خبز وبعضا من الجبن جاءتهما به ليخفف من بعض بكائهما ولقد آثرت أن تبقى بعد ذلك معهما فى السرير متدثرات فى فراشهن إذ منع الحاجة للقيام كون اليوم يوم راحة من العمل 0
                   ويبدو أنها غفت قليلا وتركت الطفلتين تلعبان لأنها استيقظت على يد إحداهما تهزها منادية إياها ففتحت عينيها بتكاسل اشتعل نشاطا وحيرة  عندما أخبرتها أن طارقا بالباب يريدها و ألح عليها التفكير كثيرا فى لحظات ، ترى من يكون ؟!! من زمن بعيد لم يطرق بابها أحد خاصة فى مثل هذا اليوم ثم إنها ليست على موعد مع مخلوق فقد انقطعت صلتها بالبشر إلا فى حدود العمل ، ومن ثم انطلقت إلى الباب فأدهشها ما رأت 00 لقد كان آخر من تنتظر أن تراه ، إنه الأخ الأكبر لزوجها بشحمه ولحمه وغلظته و جفاءه ، ترى ما أتى به ؟ ألتنغيص جديد ؟ أم لإظهار الشماتة ؟ أم أن دافعا قويا دفعه للمجئ ؟ أجاء يستكتبها تنازلا عن حقها فى ثروة زوجها لديهم ؟ أم ليأخذ أطفالها قسرا فيضمهم إليه بصفته عمهم أو لأبيه بصفته جدهم ؟
                   لم يفتر ثغرها عن ابتسامة تشجيع ولم تبش فى وجهه و إنما وقفت واجمة تنتظر ما يقول  وتنظر إليه 00 واجما كعادته 00 جافيا غليظا شمعى الوجه  ولما لم يجد منها ترحيبا بادر بالإستئذان للدخول فكان أن تنحت عن الباب مشيرة إلى حجرة الجلوس فولج خفيفا ناعما يتلوى كالثعبان إلى حيث أشارت ، وتركته وذهبت لتصنع له كوبا من الشاى فلما جاءته به كان كما تركته معتدلا فى جلسته متجهما عبوسا كعهدها به 0
                   قدمت له الشاى ثم لملمت جسدها إلى بعضه البعض وهى تصلح ما ترى أنه يبدى منها شيئا غير أن نحرها وبياضه غلبا حرصها  فبدا من تحت الإيشارب الأسود أبيضا غضا طريا كجمار نخل لم يتأثر حتما بالجوع ، ومضت إلى الأريكة فجلست منزوية عنه، وهى فى ازورارها هذا تبدو كهارب من سبع كاسر أو مرض معد 0
-        تفضل الشاى !!!!
                   كانت وكأنها خارجة من بئر عميق لا تكاد تسمع ، فتناول الكوب راشفا منه على مهل ثم وضعه ناظرا إليها ولكنها لم تر منه ذلك لأن بصرها كان منصرفا إلى الأرض و إن كان سمعها منصرف إلى كل ما يصدر من ناحيته من صوت مهما خفت وكأنما تركزت كل مراكز الحس عندها فى حاسة السمع وفقط  لأنها تتوقع منه أن يسمعها بعضا مما ينفث من سموم فقد كان أشد من وقف ضد حبيبها وأشدهم فتكا به و أمرّهم عودا فى التحريض عليه رغم احترام أخيه له 0
                   تنحنح لينبهها أنه يريد الحديث ومن ثم التفتت إليه فوجه إليها الخطاب وهو على ما هو عليه من تجهم و عبوس
-        لقد أرسلنى الحاج اليوم إليك من البلد 0
-        خير ا إن شاء الله ؟!
-        أرسل إليك أمانة معى 00 مبلغا من المال لأجل بنات ولده 0
-        شكرا يا أستاذ ماجد الحال مستورة و الحمد لله 0
-   هو يرى أنه حقهما وليس للماضى دخل فى ذلك وهما فى النهاية بنات ولده ولسوف آتيك كل شهر بمثله 0
                   أصرت  ألا تأخذ المال برغم ما هى فيه و أصر أن يتركه فلما اجتمعت عليها لهجته الآمرة وإصراره وضعفها وخوفها منه خاصة على ابنتيها فقد قبلت على مضض فلما طلب أن يراهما قدمتهما إليه و لأنهما لم تتعودا رؤية من سوى أمهما فقد كانتا متوجستين منكمشتين على بعضهما البعض 0 
-        سلما على  عمكما 00( ثم استأنفت دون أن تلتفت إليه ) 00 آمنة و إيمان وهما توأم  0
                   هبّ واقفا ، سلم عليهما ثم استأذن منصرفا مثلما دخل فى خفة ونعومة الثعبان ، وتساوى حالها فى الموقفين فكلاهما حمل إلى قلبها القلق و الوساوس و الظنون غير أن أولهما كان للمجهول أما الثانى فصار عظيما 00 ترى ماذا سوف تحمل الأيام لها ولهما ؟
                   عادت إلى حيث ترك المال تحصيه فإذا هو مبلغ جيد يكفى ليرد إليها بعضا مما فقدته من نضارتها و ينضو عنها سربال الجوع و الحرمان ، وبقدر قلقها مما ستكون الأيام الآتية حبالى به بقدر فرحها برزقها الذى ساقه الله إليها لتوسع به على طفلتيها اللتين لا ذنب لهما فيما هما فيه إلا قسوة الأهل ومن ثم احتضنت الطفلتين فألبستهما ثيابهما و التقطت بعضا من النقود وخرجت إلى السوق تشترى ما تدخل به السرور عليهما ورد ما هما فيه من سغب وهى واضعة نصب عينيها ألا تجرح المال كثيرا فالتروى مطلوب لتواجه الزمن 0
                   تكرر مجئ أخى زوجها وذهابه وتجهمه و عبوسه وكان كل ذلك لا يهم مادام يأتى الفرج معه فلا بأس من تحمل هذا ولكل شئ ضريبته لأنهما لا يبقيان إلا بقدر بقائه فإذا رحل رحلا معه ، غير أنها لاحظت فى المرة الأخيرة جديدا أخافها ، لمحت عينيه تتبعانها و تعريانها و تجولان فى جسدها فتوجست و ارتبكت وزاد ارتباكها  تكرار ذلك منه فيما تلاها من مرار ولم تدر ما تفعل وزاد  إلى  معاناتها فى مجيئه من تجهمه وعبوسه معاناتها من نظراته تلك المريبة فهى تعلم كامرأة كنهها وماذا تجر بعدها فكانت تفرح إذا ما انصرف و انصرفت معه أشياؤه تلك وتتنفس الصعداء و كأن كابوسا عظيما قد انزاح عن صدرها 0
                   راحت تجتهد فى المرات التالية أن تزيد من كثافة الثياب  لعلها ترد نظراته وأن تبادر إلى المطبخ تصنع الشاى كالريح فتأتيه به لتقصر وقت مكثه لديها ولكن الظنون لا زالت تدور برأسها ذاهبة آيبة وتصرفها فتلاحقها وتشمئز منه وتحدثها النفس ألا تقبل منه بعد الآن مالا وبالتالى ألا تدخله منزلها غير أن الحاجة تغلبها فتصرف أفكارها ممنية النفس أن يكون هذا منه منتهى إربه 0
                   جاء الربيع وكان له أحاسيسه التى طالما يسعد بها الناس و لأنه ربيع يحمل الراحة بعد بؤس الشتاء فقد كانت فَرٍحَةً به كما يفرح الناس لولا ما يمور فى صدرها من أفكار و أحاسيس نحو أخى زوجها ، و لأنه يحمل معه الجمال  كما أنه يكسو الحياة روعة ويزيد الأحاسيس عاطفة فلقد كسا الربيع من ثيابه وجهها نضارة وحلاوة إلى ما عندها أصلا خاصة مع عودة النعمة إليها فصارت كما كانت قطعة من الجمال تذيب المشاعر و تحرك الأحاسيس رغم أنها لا تتعمد أن تبدو كذلك .
                   لقد كان بدويا حسنها ، لم تضف له من عناصر الجمال سوى ماء الوضوء لكنه ذلك النوع من الحسن الذى تراه فتحسبه خالدا لا يزوى جليلا لا يقدر بثمن أخاذا تنحنى له الجباه وتسلم القلوب له أعنتها فإذا هى مقودة له سلسة القياد ، رائعا عندما تنظر إليه تندهش لروعة السحر فيه بل وتندهش اندهاش الوليد الذى يرى الدنيا لأول مرة ولا يغيب هذا السحر إلا عن صاحبته وهى التى كانت تتيه به دلالا على حبيبها فكأن البؤس يغطى بغشاواته كل تلك النضارة و الجمال 0  
                   جاء الزائر الثقيل فى أحد هذه الأيام كما اعتاد وتركت طفلتيها كما اعتادت فى حجرتهما تلعبان كسالف عهدها وخوفا عليهما منه و أدخلته الصالون ورجعت مسرعة هاربة إلى المطبخ تعد له الشاى لينزاح عن صدرها كابوس وجوده معها 0
                   وقفت  وظهرها لباب المطبخ تستحث البراد وكل تفكيرها فى الإنتهاء منه فلم تشعر بدخوله فى خفة و نعومة الثعبان ولكنها سرعان ما شعرت بفحيحه يتسرب إلى رقبتها وجسده وقد التف حولها يضغط ليصهرها ويداه تضمها إليه وبدأت معركة علا أوارها حماسا وهياجا ، هى تدفعه عنها وتتشبث بعفتها وهو يعصرها ليهزم مابقى من كرامتها وهما فى كل ذلك حريصان ألا يعلو صوتهما ليصل إلى الطفلتين لأنها لاتريد أن تريانها على هذا الحال وهو لأنه يريد أن يسرق دون أن يشهد على فعلته شاهد 0
                   ظلت تكابد كثيرا حتى تلبدت سماؤها و أظلمت الدنيا وتحطمت عظامها وهوت إلى جب عميق متصدعة الأركان كشجر نخر السوس جذوره  حتى إذا ما انتبهت وجدته قائما على رأسها يصلح هندامه فقامت مخذولة دون أن تنظر إليه أو ينظر إليها ولكن مشاعرهما كانت تتراوح بين لذة الظفر عنده و آلام الجرح والمهانة عندها وهيهات أن تلتقى مشاعر الوحش بمشاعر الفريسة 0
                   ما أن خرج حتى أسرعت إلى الحمام يغلبها الغثيان و الإشمئزاز محاولة أن تتقيأ عسى أن يخفف ذلك بعض ما تعانيه لكنها آبت خائبة فجلست حيث كانت حيرى مختلة التوازن كسيرة كسيفة البال حزينة مختلطة المشاعر بين جرح وألم على العرض المنهوش وغيظ المكلومة تصبو إلى الإنتقام على غير طبيعتها ، وتدور رأسها و يوسوس لها شيطان الخوف بحاجتها إليه من أجل الطفلتين وتصرف عنها هذا الهاجس لاعنة ذاك المال الذى يأتى من هذا الطريق ويصم أذنيها بقايا كلام مختلط ( تجوع الحرة و لا تأكل بثدييها ) وبين زخم المشاعر المتلاطمة كاد عقلها أن يختلط ، حاولت أن تصرف الأفكار فلم تستطع ، يالِعظَم الجرم وخسة الجانى ، يا لضعفها و حاجتها تلك المُذِلة ، ما أخسر و أفدح أن يصاب المرء فى أعز ما يملك ،  و ليُسقط رب العرش نقمته وليهلِك ذاك الوحش ولتفنى الدنيا بأجمعها مادامت لم تحفظ لها حبيبها ولا عرضها ، ماذا تفعل ؟ وماذا تقول ؟‍‍‍‍!!!
                   غلبها البكاء و النشيج فانكفأت برأسها على قبضتيها و استسلمت لهما ، بكت كما لم تبك من قبل ، بكاء الثكلى ولدها الفذ ، بكت عرضا وجسدا منتهكا و أياما لم ترض لها بفقد الحامى حتى انثنت تأتيها بالذئب ، لم تعرف فيها اللذة إلا ممزوجة بألم ، وبكت زوجا لم تشعر بجانبه بالخوف قط ، زوجا خانها واستسلم للموت فرحل معه دون حتى أن يودعها ، ودون أن يأخذها معه ، بكت ضيعتها مع هذا الخسيس الجبار وبكت ضعفها الذى لم يحمها منه0
                   ظل نحيبها يعلو حتى لفت انتباه إحدى الطفلتين فاندفعت إليها تربت ظهرها وتكفكف بكفها دمعها متسائلة عما بها فتزيد جرحها ، لقد كانت تستطيع أن تخبرها لو أن السبب غير السبب ، آه لو كان قد قطع ما يأتيها به ، لو كان قد ضربها ، أو حتى طعنها ، أو فعل أقصى ما يمكن أن يصنع من الأذى لها غير ما صنع لكانت وجدت ما تقوله لإبنتها ، أما ما فعل فكيف تنقله إليها وكيف تستوعب الصغيرة ؟  وكيف تنظر إليها ؟ بذلت جهدا خارقا لتوقف هذا السيل المنهمر من عيونها دون جدوى فقد تجرعت اليوم من الهوان ما هو أفدح وأعظم من أن تقاوم أحزانها معه واستمرت تنزف مشاعرها وتنهمر دموعها حتى مادت  بها الأرض  وهوت فى جب سحيق لا نهائى الفضاء نحو المطلق 0
                   فتحت عينها سعيدة على أيدى اينتيها تربت خديها و جسدها تناديانها  خائفتين باكيتين تتساقط لآلئ عيونهما على خدها ساخنة سخونة مشاعرهما الحائرة المهتاجة خوفا على الجسد الملقى على الأرض بلا حراك وهما تحاولان استعادتها مما يجهلان كنهه، وفتحت ذراعين واهنين لهما تضمهما إليها محاولة القيام غير أنها لم تستطع فى البداية أن تنهض من رقدتها ثم ما لبثت أن جلست متحاملة على نفسها تمسح دمعها وتحاول أن ترقأ جراحها وتتماسك 0
                   ولت سعادتها التى كادت أن تنسيها ما عانت فأصبحت غير سعيدة وتحولت ابتسامتها للحياة و إقبال الحياة عليها تكشيرة عظيمة وتغضن حزين وعادت تنتظر رأس الشهر بخوف بعدما كانت ترقبه بلهفة ، و أمضها التفكير فيما يجب عليها أن تفعل واستقرت فى النهاية على أن تفعل ما تفعله كل شريفة فى مثل هذه المواقف ، لن تفتح له الباب مرة أخرى ولا يهم أن تجوع أو تموت هى وبناتها ولكنها لن تركع ، كانت كل ذرة فى كيانها تدفع فى اتجاه واحد فلن يمس هذا النذل جسدها بعد الآن وليذهب بأموال الدنيا كلها و الموت أهون من هذا الجحيم و لا بد أن يأتى يوم تنكشف فيه غمة الفقر بعيدا عن هذا الدنس 0
                   جاء رأس الشهر ومعه جاء هذا الخسيس ، دق الباب ففتحت الشراعة تنظر من الطارق فكان هو ، و انبرى بصوته المعدنى الآمر 00
-        افتحى 00
-        لن أفتح لا نحتاج إلى شئ 0
وبنفس الصوت المعدنى الآمر ردد وقد زاد تجهمه وعبوسه 0000
-        قلت افتحى الباب 0
              ولم يجد صعوبة فى إزاحتها عن طريقه ليلج إلى الصالون فقد دخل لا تدرى كيف ، فتحت له كالمسلوب ، ربما الخوف هو الذى ساقها أو ربما الحاجة وعموما انفتح الباب ودخل وقبل أن تفيق من أفكارها كان قد تناولها ونهشها و المشاعر هى المشاعر مابين لذة الظفر و ألم الجرح وتكرر مجيئه و دخوله والمشاعر المختلطة وما يعقبها من ندم وتفكير وفى كل مرة لا تجد فى نفسها إلا الذهول و الخوار فى البداية و الندم و الكراهية والتصميم فى النهاية وبرغم كل ما يحدث فلم تر يوما أحاسيس المرأة و لا الرغبة حين يقع عليها ولم تشعر أبدا إلا بمشاعر المهانة و الذل و الحقارة ولم تكن تتضاءل مثلما تتضاءل فى تلك اللحظة التى يجرعها فيها العلقم و يزداد الأمر يوما بعد يوم ويكبر فى صدرها كرهه وتتضخم مرارتها و تقطع فى نفسها على نفسها عهدا ألا يرى منها بعد ذلك لينا و لا ضعفا ولسوف تدافع عن عرضها الذى استبيح بما يكفى والذى يجب أن يصان وعفتها التى امتهنت  ولسوف يكون اقترابه منها دونه خرط القتاد ، ولذلك فقد انتظرته هذه المرة انتظار النمرة المستنفرة  تحفزا لتدافع عن أشياء كثيرة 00 عفتها التى ضيعت ، وكرامتها المهانة ووفاءها المكسور ونفسها الجريحة وطفلتيها اليتيمتين ، وعرضها المكلوم ، وضعفها المقيت 0
              انتظرته متسلحة بعزيمة ما زالت تشحذها كل هذه الأيام الممزوجة بمرار الذل وحنظل الأذى ، وتزكي لهبها بحقدها عليه و بغضها إياه ، إنه انتظار القالى اليائس من كل ما فى الوجود ، فلسوف تريه من نفسها اليوم عزما لا يلين وعريكة لا تفل وصلابة لا يلينها قهر و لا ضعف وسيرى أنها ليست بذاك الضعف المر ولا بهذه المذلة المستكينة ، لن تسلمه اليوم شيئا ، لا ولن يرى منها ما رآه بالأمس فاليوم له أمره و له عدته 0

              و لأن اليوم غير عادى من ناحيتها فقد كان كذلك من ناحيته ، لقد غير وقت حضوره و بدلا من أن يصبحها فقد اختار أن يمسيها وكأنه فكر فى المبيت لكنه لم يجد ما كان يجد من الضعف ، كان الباب موصدا من الداخل ، ولم تزد عن أن تفتح كوة الباب تسأله أن يرجع من حيث أتى و هو لا ينى يأمرها أن تفتح دون جدوى فلما علم أنها اليوم تريد أن تحمى نفسها آثر الحيلة فانتهز اقترابها لتغلق الكوة ليمد يده الثعبانية فتلتف حول يدها ثم انثنى إلى شعرها يجذبها منه حتى إذا ما آلمها اضطرت أن تفتح الباب لكنها سرعان ما انطلقت إلى المطبخ 00 أقرب باب لها فولجت و تترست بالباب وهو يحاول أن يفتحه وقد ركب الشيطان رأسه و ألهب حماسه وتدافعا وتلاهثا كل إلى مبتغاه فلما وجدت أن قوته ستهزمها لا محالة أسرعت إلى الرتاج فثبتته فى موضعه ثم انثنت تبحث عما تدافع به عن نفسها وتراجع هو كالثور الهائج إلى الخلف يستجمع قواه ومن ثم انطلق إلى الباب يحطم مقاومتها  والباب يتضعضع وهى لا تكاد تبتلع لعابها من فرط التوتر و الخوف و الترقب حتى إذا ما هوى الباب تحت ضرباته هوى معه وهوت هى بساطور فى يدها على رأسه وسقطت فوقه رعبا وهلعا وقد أغشى عليها لتختلط دماؤه و بقايا مخه المتناثر على الأرض  فتصبغ ثيابها باللون القانى وعيون طفلتين واقفتين بجوار باب الشقة المفتوح ترقبانها بإشفاق وخوف وقد امتدت إليهما أيد تُرَبِّت وعيون تشاركهما الشهادة على امرأة تدافع عن نفسها 0 

السبت، 16 يناير 2016

الرقم ....قصة قصيرة

الرقم
بقلم : حمدى عبدالظاهر أحمد
                    لم يزل هذا الرقم يؤذينى منذ أن اقتربت منه على هذه الآلة الكئيبة الرابضة أمامى فى استكانة  شديدة تستسلم لأصابعى تنقر أحرفها تلك النقرات المتتابعة لتعطينى ما أريد و هى برغم ذلك لا تتردد أبدا فى اجابتى عما أريد ، ولكن هذا الرقم يعاندنى كثيرا ويفوت على الفرص فى استراحة من كم الأرقام الهائل الذى أتعامل معه يوميا على نفس الآلة لأنه يضطرنى إلى إعادة ما أحسب من حسابات للتأكد من أن هذا الرقم بالذات قد استجاب لى فيستهلك وقتى فى الحسبة و فى إعادة الحسبة وقد يختلف الناتج و غالبا ما يحدث ذلك فيضطرنى الأمر إلى إعادة الكرة من جديد للتأكد من أى من الناتجين يستحق الإثبات .
                    ومما يصعب الأمر على أحيانا أن أجد الإختلاف فى كسر العملة أى فيما لا يستحق من الأشياء ولكننى مضطر لأن أرجع إليه ليس لحبى فى التدقيق و قدرتى على التحدى ولكن لأن الأمر يتعلق بحسابات الحكومة أما أنه لو رجع الأمر لى شخصيا لتنازلت عن كثير من هذه العملة الخبيثة فى مقابل أن يستريح ذهنى من التفكير فى غير ما أرغب من الأشياء .
                    والحقيقة أننى ولأكثر من مرة فككت الآلة ومسحت ما تحت لوحة المفاتيح من تراب و أوساخ قد تكون تعوق استجابة الحرف للنقر وقد استجابت بعض الأرقام بالفعل ومنها هو ولكن كلما عاد حرف للحرون عاد معه و سقانى علقما فى السير خلفه و تدليله و الضغط الرفيق مرة و القاسى مرات بل و الدق دقا يشبه عمل المطرقة على رأسه و هو لا يستجيب حتى إذا ما بدأت أداعبه مداعبة رفيقة و أحركه حركات راقصة جهة اليمين و جهة الشمال إذا به يعطينى كثيرا من الطبعات له و كأنه يتخيل أنى أحبه فيريد أن يستنسخ لى نفسه كى أملِّى عينى من كل أشكاله فإذا به حرون جديد و خطأ مزدوج فمالى أنا وتكرار الرقم خاصة و أن الآلة إذا قبلته فستقبل وضعه الجديد آحاد وعشرات ومئات وآلاف وبدلا من رقم واحد سيكون الأمر عسيرا .
                    وأعود للفك و التنظيف و التركيب و يعطينى بعضا من الوقت استريح من بعض الجنون الذى يذيقنيه  ثم لا يلبث أن يعود لما هو فيه من تنكر لى وأعود للطرق على رأسه بيد من حديد عله يستجيب و يستمر الأمر بينى وبينه سجال و ومناورة وألعن الحرف واشكو الآلة و أطلب غيرها و تذكرنى بمركوب أبى القاسم الذى لم يستطع منه فكاكا فقبله ، وقبلتُها ولكن هذا الرقم ... آه من هذا الرقم سوف يقتلنى .
                    ترى هل تستخدم هذه الآلة النكدة ذلك الرقم كى تُمِلُّنى منها و تزهدنى فيها لحنين تكنه لحبيبها الأول ، فلعلها مثل المراة لا تزال تحن إلى أول رجل لمس يدها وحرك أشجانها حتى إذا ما ملها انتقلت إلى غيره من الرجال و هى تحمله فى قلبها و جوانحها فلا تزال تحيا فى كنف الآخر بينما  ترى الأول فى حركاته وسكناته فإذا ما تغير منه شئ تغيرت له فكأنها لا تعرفه ثم لا تلبث أن تترحم على أيام خلون كانت فيها مع إلف لا تدانيه المثالية فما بالها وهذا الغر الأبله وليس فيه من ذلك شئ وهكذا يصور لها  قلبها رجلها ناقصا حتى ولو كان الكمال كله  لأنه لم يكن ذاك الرجل الأول الذى عرفت عن طريقه الأنثى و الذكر .
                    وهل ينطبق عليها حقيقة ما يقال من أن "المال الذى لا يشبه صاحبه حرام "بمعنى أنها تحمل طبائع أهل الشرق بما أنها شرقية ، ولكنها ليست من هذا الشرق الذى يقيم وزنا لمثل ما نعرف من علاقات بين الرجل و المرأة ، إنها من شرق تَغَرَّب منذ زمن بعيد ، وترك ما نفكر فيه من تلك المعانى القديمة عن الحب و الزواج و الطلاق و الغيرة و الغضب وأشياء كثيرة أخرى لا نزال نعتقدها  .
                    فليكن و لتشبه أصحابها أو تتشبه بهم لا يعنينى الأمر ، غير أن ما يعنينى هو أن يعمل هذا الرقم التافه فهو لا يساوى شيئا كثيرا غير أنه يساوى غيظا كبيرا لم أعد أحتمله ، وما يعنينى فقط هو أن يمثل لى رقما سهل القياد مستجيبا للنقر .
                    لقد كان سابقى عليها لا ينظر إليها ولا يعيرها أدنى اهتمام ، فقط ينقر دون أن يرفع عينه عن الورق الذى أمامه و فى النهاية ينظر إلى عينيها فيرى فيهما ما يرجو من مطلوباته دون أن يكلف نفسه عناء أبعد من ذلك وهى تسلس له وتستجيب لأصابعه بل وكانت مع استمرار نقراته على كل أزرارها بما فيها هذا النافر تخرج له موسيقى عذبه يختمها فى النهاية بما يشبه آخر رفعة من رفعات قائد الأوركسترا لعصا القيادة كى ينزل بها مع تلك الحركة المتشنجة لينهى القطعة التى يقود الفريق إليها فإذا لها صوت مخصوص فيه نشوة لكليهما و أنا أحسده عليها و أحسدها عليه حتى إذا ما استغنى عنها ليستبدلها بأخرى جديدة بعد تلك السنوات العشر و آلت إلي تفعل معى هذا ؟!
                    ربما ولحساسيتى المفرطة تجاه التاء المربوطة فى أواخر الأسماء العربية حتى ولو كانت المؤنث المجازى من أسماء الرجال ، ربما يتسبب ذلك فى ربطى الآلة بالمرأة و تصرفات أنثاى تلك بالذات بتصرفات تلك الأنثى القاهرة فى الجزء الثانى من حياة كل منا أقصد الجزء الثانى بالذات لأن الجزء الأول يحمل الأم و الأخت وهى من هذا الجانب جياشة العاطفة على إطلاق أما الأخرى فهى التى تُضحك و تُبكى و تُقصى  وتُدنى و تفعل الأفاعيل خاصة إذا كانت عربية  .
                    لا أقصد الإهانة لا للعربية  لدلالها على رجلها الأوحد ولا للغربية التى تتنقل بين الرجال دون عقد يحميها أو رباط يضمن لها حباة هانئة عند انصراف ما يحتاجه الرجال فيها عنها ويتركها لأخاديد الزمن ونتوءات الألم التى تجترها ما بقيت فى الحياة .
                   كلاهما زهرة بجمالها ورقتها و نعومتها غير أنهما مختلفتان فى تناول الراعى لهما  فالأولى يحرص عليها صاحبها حرص الشحيح فيقوم عنها بكل ما تحتاج إليه صغيرة كانت إلى حد الطفولة التى تنضح احتياجا و ضعفا  أو كبيرة إلى حد الهرم الذى تذوب فيه الفوارق بين الأنوثة و الرجولة فيحييها فى كنفه ناعمة عزيزة تشير فتجاب و تدمع فتهتز لها السماء و تتزلزل الأرض و لا يرضى الراعى حتى يكفكف دموعها و يقتل سبب أساها ، وهو مع هذا يدثرها بدثار عفة لا يسمح لطامع أن يرنو بعينه إليه فدون ذلك خرط القتاد ، فجسدها و عقلها و نفسها لا يجرؤ امرؤ على جرحهم حتى إذا ما زارتها الكهولة ملًّكًتْها ناصية جميع الرجال عندها من أبناء و أحفاد عدا صاحبها و إن ظل على حمايته لها و رعايته لإشاراتها للبنين و البنات فهى الآمرة حتى آخر حياتها بينما هى فى المقابل شحيحة عليه بعواطفها وانفعالاتها وإنما هى صدى وصايا الأمهات و الجدات التى لا تزال تشحن عقلها بكل ما يقصر بها عن مكافأته أنسا و إمتاعا لخوف من انصراف الرجل عمن تنيله كل ما يطلبه ، ولخوف من ظن سئ يساوره عن سوء سلوكها إن هى فجرت أتون عواطفها أمامه .
                    وأما الثانية فراعيها على الطرف الآخر على النقيض تماما فالزهرة التى بين يديه لا يقيمها و لايرعاها إلا بقدر ما يجنى من رحيقها استهلاكا أو بيعا فهى له تجارة لا بد أن يكون لها عائد وإلا فلا داع لوجودها لديه ولذلك تجده يرعاها بقدر ما يحصل منها على المنفعة فيغذيها لتنمو وتثمر ويداويها حتى لا يقل نتاجها ويحميها لأنها مصدر نفعه حتى إذا ما راحت للذبول ألقى بها دون رحمة ولذا يسهل عليه بيعها و التخلى عنها عند أول مشتر إذا ما وجد الربح عنده أعلى و الغلة أكثر بينما هى تعطى و تسخو فى المنح و لا تمنع أبدا إما لخوف أو حاجة بل وترضى بالمذلة و الهوان و النخاسة على أمل أن يرضى عنها الذئب .
                     جربت يوما ألا أنظر إليها وأنا أضرب سلسلة الارقام التى أعمل عليها وأن ألعب بكل الأزرار دون أن إعيرها أى اهتمام ثم أتمم طاووسيتى بالنقرة الأخيرة لقائد الأوركسترا وركبت رأسى وصممت أن أعاندها فكنت كمن ينطح الصخر وأين أنا من هذا الوتد الموجود فى منتصف صفوف  الأرقام من الناحية اليسرى ، كلما أنهيت مجموعة من الأرقام ونظرت فى عيونها أبحث عن  بغيتى أجد صاحبى وقد أخرج لى لسانه مبتسما من عجزى عن هزيمته فأعود إلى ما كنت فيه من العناد ويعود إلى ما هو فيه من صلابة العزم ولا أملك فى نهاية المطاف إلا أن أرضخ له وأنظر إليه كلما احتجت  غير أنى أزيد من شدة لطماتى له لعل ذلك يفرغ غيظى ويزيل كمدى .
                    لا أدرى ما الذى أوحى إلى هذا الإيحاء الغريب ! شئ ما يؤزنى أن أفكر بطريقتى تلك ولكنه ملح حتى ما ينفك عنى ... لا لا .. لا أستطيع أن أحدث بما يدور فى خلدى ، لكنه يدور وحتما سيخرج عنى يوما ما رغم غرابته ..
                   أنظر إلى هذا الرقم العاق فأرى فيه ذلك الولد العاق ..لزوج الأم .. نعم ، تراه يغار عليها منى لرفيقها القديم ....  تراه ينقم عليها  أن رضيت بأن تكون لغير أولِّها أم أنه يحقد علىَّ لقبولى الإقتران بها بعدما تركها الأول ، فكأنه يخشى عليها التنقل بين الآحاد هكذا وقد تعود على ملمس أصابع صاحبهما ذاك بمشاعره جملة حسنها و سيئها ، أم تراه تعود أن يشم رائحة سيجارته فلما حرمها منى عكر الإدمان عليه مزاجه فركب رأسه ؟!!
                    ربما ولكنى لا أمثل له إزعاجا و لا أذى بل انتقل بانتقالها  إلى جو أجمل و حياة أفضل ، لقد انتقل إلى مكتب أكثر ترتيبا و نظافة وأصبح وجه صاحبته وجسدها ينظفان يوميا بمنشفة صفراء نظيفة مبللة بالماء فازداد وجهها بريقا ولمعانا وصارت أكثر جمالا ، حتى هو لقد كان اسمه المحفور على وجهه يمتلى ترابا مصابا بعرق يد صاحبه الأول فلم يعد يرى منه شيئا ، لقد أصبح يتمتع بنعمة الإهتمام وكما قلت بين الفينة و الفينة يجد متعة العلاج فماذا يريد ؟!!!
                     كم تمنيت اليوم أن يحمل هذا الرقم اللعين نفسية و ثقافة الغربيين فلا حساسية لدى الأولاد من الإنتقال مع الأم من منزل إلى منزل و من عشيق إلى آخر فيألف التنقل ويفقد العاطفة و الغيرة مما يسلس قياده ويسهل سياسته ليصبح لينا هينا غير معبأ بثقافة البغض و الحنين إلى القديم غير أنى كلما تماديت فى المنى وغرقت فى التخيل أرى فى نفسى نزقا و طيشا ... أستغفر الله ، وهل يحميه هذا اللين وتلك الألفة ؟ إنه إنما ينتقل إلى رجل فقد العاطفة قبلا مثله الآن وتمرس على هذا الفقد فهو اليوم بلا عاطفة تحجز ولا قلب يحن و إنما هو صاحب غريزة تقوده لمن يشبعها حتى إذا ما حصلت على ما تريد انصرفت إلى لذة جديدة و غريزة أخرى ولعله يقسو على الطفل بقدر ما يحرمه من التلذذ  بالمرأة حتى ليصل به الأمر إلى القتل .
                    لا .. لا أقبل بهذا وإن كان سيرقق لى هذا الرقم التافه ، أسهل على أن يغيظنى لعقوقه من أن يغيظنى لسوء أخلاقه و أخلاق أمه و أخلاقى ، الغيرة تقتلنى لمجرد التفكير فى نظرة الغريب إليها ثم أرضى بدياثة الإبن  ، لقد بدأ الأمر يختلط على ما بين الآلة و المرأة و الرقم و الإبن .. أوه .. اشعر بدوار قد لا ينتهى .
                    أعود فاتطلع إلى الآلة لعلها تبوح لى بما يصلح هذا الرقم فيستقيم لى وأتفرس فيها كثيرا بلا جدوى ثم لا ألبث أن احتاج إليها فأعود للنقر على أزرارها جميعا حتى إذا ما اقتربت منه حاولت أن أتجنبه فأجده يبتسم لى ابتسامة التشفى والظفر وكأن لسان حاله يقول ستأوب  إلىّ محبا أو كارها ، ويحدث حقا أن  تكون لى أوبة ويحمل قلبى له الكره و لا أستطيع فكاكا من سطوته وانقر الأرقام جميعا وأضربه ويزيد عناده و يزيد إصرارى وأفك الآلة مرة أخرى و أجمعها و أعيد ما بدأت من النقر و الضرب ويعيد ما كان فيه من الحرون و يشتعل غضبى و تزيد قسوة أصبعى ويفقد الوعى فلا يستجيب فينصرف غيظى إلى إخوته و إلى أمه وتتحول نقرات الأصابع إلى لطمات اليد و القبضة و ...أخيرا أمسكت بها ورفعتها إلى مستوى رأسى و نظرت من النافذة وطوحت ذراعى إلى الوراء فى حركة غاضبة شديدة العنف ثم .......
                    رجعت إلى الوراء مذهولا وقد تناولها منى زميلى بالمكتب و هو يهدئ من روعى ويذم فىّ قلة العشرة و سرعة الغضب و أنا أصيح وقد انتفخت أوداجى ولما يزل غضبى على ما هو عليه من الجنوح إلى قتلها أو كسرها أو التخلص منها بأى حال من الأحوال وعلى حين غرة سمعته يقول وهو يحاول التخفيف من أثر الغضب :
-       طلقها لى
استعدته فأكد ما قال ففتر غضبى وزال ما كان بى من الحنق إلى عجب شديد
-       طلقها لى
هذا المجنون ، رجعت من هذا الجموح المعربد بغشاوته على عينى إلى الرجل أنظر إليه ، أرمقه بعين المذهول المندهش ، أطلقها ؟!! كيف ؟! هل كنت تزوجتها ؟! ماذا يقول ؟! .. الآلة ..أكيد أن به مس جنون أو بعض حمق فالرجال يصيبهم الحمق أحيانا لما تمضى بهم سفينة العمر إلى منتهاها .
-       تريدنى أن أطلق الآلة لك ؟
-       ماذا تقول ؟
-       تريدنى أن أطلق الآلة لك ؟!
-       لم أقل ذلك يا صاحبى !
-       فمه إذن ؟
-       قلت لك أتركها لى ، أقصد أنى سأصلحها لك
-       لقد سمعتك تذكر الطلاق
-       أبدا
-       على أى حال سأحتفظ بها ، لن أطلقها أقصد لن أعطيها لك .
                    يبدو أن خيالى صور لى أن الرجل يذكر الطلاق ، لست بخير يجب أن أذهب إلى الدار أنا محتاج إلى راحة وحين أعود سأشترى أخرى جديدة .

            لففت الآلة بالسلك الكهربائى الذى يوصلها بالتيار ووضعتها فى علبة كارتونية صغيرة ومن ثم فى كيس يفى بغرض حمل هذه الناشز إلى الدار ، فمهما كانت لن أتخلى عنها لغيرى .                     

مسرحية شعرية

  عن حادثة اتهام هند بنت عتبة بالزنا نظم : حمدى عبدالظاهر  المشهد الأول (على المسرح يبدو رجلان يتحدثان مع خلفية كأنها رمل ممتد بخلفي...