كثيرة هى تلك
النصوص التى تأمر بصون اللسان عن الزلل بفضول الكلام أو تجريح الأنام يترجمها
المثل السائر " لسانك حصانك إن صنته صانك و إن هِنته هانك " ويطرح إحدى
قضاياها الشاعر :
فإياك إياك المزاح فإنه
يجرئ
عليك الطفل و الرجل النذلا
وأما النصوص فحدث ولا حرج :
-
" ...والذين هم
عن اللغو معرضون ...."
-
"
...واغضض من صوتك ..."
-
" .....وهل يكب
الناس فى النار إلا حصائد ألسنتهم ....."
-
الغيبة أن تذكر أخاك
فى غيبته بما يكره ...."
-
" أمسك
عليك لسانك ..."
ولعل
جوانب النصح هذه جميعا تعلى فضيلة الصمت وتنهى عن الكلام البذئ السئ الفاحش غير أن
هناك من الكلام ما يفعل بصاحبه الأفاعيل وهو يظن أنه إنما يلقى دررا للناس وينحت
لهم من عيون الكلام بينما هو يحفر لنفسه بلسانه رمسا من نار و حفرة من جهنم ليس
منه السعى بين الناس بالنميمة ولا الإعانة على قتل مسلم "
... بشطر كلمة .. " وهو كلام يرى صاحبه فى نفسه الخير وهو غير ذلك .
ومن هذا النوع
من الكلام كلام المتعالم فى غير ما يقتضى الأمر وفى موضوع كان أحرى به الصمت فيه .
جلست فى بداية حياتى فى مجلس فقه
موضوع درسه " التوبة " وقد تحدث الرجل فى هذا الباب فأجاد و أفاض فيما
يخص الموضوع وأحاطه من جميع جوانبه ثم أنهى حديثه فى انتظار أسئلة الحضور وهنا
جاءه سؤال من رجل يسأل عن رجل أطاع زوجته فى أن يزنى بحليلة جاره شفقة عليها لتنجب
ولدا ينقذها من طلاق يهددها به زوجها العقيم إن لم تنجب فتنجب المرأة ، والزانى
يريد أن يتوب فماذا يفعل ؟ وأجابه الرجل بأن يندم على ما قدم وأن يقلع عن هذا
الذنب وأن يستغفر الله كثيرا وأن يقدم من
الخير وأعمال البر ما يكفر الله به الذنوب .
وكنت قد قرأت سابقا حديثا عن النبى صلى الله عليه وسلم " ملعون من نسب إلى غير والديه " فكانت
الطامة .
سألته فماذا
يفعل فى هذا الحديث و قد خلف للرجل ولدا يدعى باسمه وهو ليس له وأين يذهب اللعن عن
الولد و اقترحت عليه أنه يجب أن يعترف بنسب الطفل إليه وارتج على الرجل لم تسعفه
بضاعته من الفقه فأيدنى وانفض المجلس وقام الرجل وقد صرفناه عن التوبة فما أظنه
إلا صاحب القضية .
ورجعت أراجع
نفسى فسألت عالما فنهرنى وسبنى بجهلى وذكر لى حديث "
الولد للفراش و للعاهر الحجر " و ظللت من وقتها نادما على وقوفى فى
وجه توبة الرجل بهذا الجهل فماذا كان علىّ لو تمسكت بفضيلة الصمت فنجوت ونجا
الرجلان ذلك المخطئ التائب و هذا الفقيه قليل البضاعة .
لقد كان هذا من
سقط الكلام ، تلك البضاعة الرديئة التى لا تنتج كثيرا بل يزدحم بها المكان بلا
طائل وكان الأولى بأصحابها التخلص منها و استغلال مكانها فيما هو أفضل .
ومثله هذا
الحديث الجانبى بين رجلين يشكو أحدهما فيه إلى صاحبه من ثالث له بهما علاقة وهو
متأكد تماما أن غاية ما سيصل إليه صاحبه بعد هذا الحديث أن يمصمص شفتيه أو يحفظ
وجدا على صاحبهما فى صدره لأنه لا يملك أن يذهب إلى الثالث ولا أن يحقق فى الأمر و
لا أن يأمر بمعروف أو ينهى عن المنكر لأن فى كليهما ضعف مشين بل ربما عرف منه قدرة
على إشاعة الأخبار ونشر الحديث بما يسبب له الحرج ورغم ذلك يحادثه غير مبال فينتشر
من أمره ما ينتشر ليعود الحرج عليه ويصفر وجه الإثنين وكان أولى به أن يذهب إلى
صاحبه الأول فيكاشفه بما أغضبه منه ويطلب إليه حقه فإن أعطاه إياه و إلا فاتجاه
شكواه يجب أن يكون رأسيا لا أفقيا بمعنى أن يذهب إلى صاحب سطوة و قدرة على التغيير
لا إلى ضعيف مثله وهذا خلق الصالحين أما ما يفعله واقعا فلا يسمو إلى أخلاق الرجال
ناهيك عن أصحاب الإيمان .
ومثلهما من
يمشى بالإشاعة ويقع فى الأعراض لمجرد أنه صاحب أذن كبيرة جمَّاعة وقلب لا يرعوى و
ضمير مريض يهتم بالسماع دون التثبت مما وصل إلى مسامعه وإنما هو حب التنقيص من
أخيه ذلك الذى ساقه إلى التصديق دون التثبت وقد كثر هذا فى مواكـب الدعاة لكثرة
الإداريات و غلبتها على الروحيات .
و صاحبنا يأخذ
من فم الأول إلى أذن الثالث فى متوالية عجيبة وكلهم يصدق القريب إلى قلبه خاصة إذا
سبق حديثه بالعبارة الشهيرة " رجاء .. هذا سر .. أرجو ألا يذاع " و هو يعلم أن سره ما
كان فى صدره فإن خرج على لسانه فشا لأن الألسن
متعددة ، و الآذان فى ظل نقص الإيمان تسمع ، فيتسع الخرق و تبعد الشقة و تزيد
الآلام و تكبر الجروح وتضيق الصدور و تزْوَرُّ الجُنُوب و تكثر المشاحنات وتقل
الثقةُ و تُجرحُ أعراضٌ ما كان لها أن تُجرح لو التزم الجميع التقوى و التثبت مع
العلم أن التحقيق فى كثير من هذه النقولات أثبت كذب الأغلبية الساحقة ووهم الكثير
من المتورطين .