لعلى لم ابتعد كثيرا عما قصد ابن عطاء الله
(الناس يمدحونك لما يظنونه فيك ، فكن أنت ذاما لنفسك لما تعلمه منها)
نعم الناس يمدحونك لما يظنونه فيك خاصة لو كان حالك مستورا وأمرك الظاهر على ما يحب الناس من رؤية المؤمن ، فظاهرك وأنت رائح وغاد على المسجد ومنه ومظهرك الزاهد في الحياة وإحسانك المرئى وغير المرئى وانصرافك عن اللهو المباح إلى العبادة ، وتركك الملذات والشهوات إلى الاخشوشان في الملبس والمأكول، وانصرافك إلى رعاية الأرملة والمسح على رأس اليتيم ، وحضورك مجالس الذكر مع حسن العبادة ، والتزامك كل يأمر به الدين في الكتاب والسنة ، ومشاركتك في الإصلاح بين الناس وعمارة المساجد، وكل ما يمكن أن تصل إليه يداك من أعمال الخير.
يشاهد الناس منك كل ذلك فيغبطوك ويمدحوك ويقصدوا مجلسك ويأرزوا إلى أنسك ، ويحبون صحبتك ، ويستملحون حديثك، ويعشقون قربك، ويرون فيك من تحيى به السنة وينتصر به الدين، فتسير بسيرتك الركبان وتلهج بذكرك الألسن ، وتقتدى بك الأنفس، فما يرون مثلك جديرا بحبهم، ولا لغيرك استحقاق المدح.
وهم يظنونك ممن يتحقق فيهم قول الله عز وجل( إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35)
أما أنت فإنك لو أحكمت النقد، وأحسنت الوزن، وأجدت التقدير فسوف ترى غير ما يرون وتعلم من نفسك ما لا يعلمون، فقد قال أحدهم ( فظللت أعطى عطاء لا مثيل له ورأيت في منامى كل ذلك طاش في الميزان إلا رغيفين كنت أعطيتهما لامرأة وولدها على جوع منى واستحقاق لم أكن أملك غيرهما) .
نعم طاش كل عمله لأن الرياء كان يدخله أو حسب من نفسه ذلك بينما بقى الرغيفان لأنهما خرجا من نفسه على حاجتها وهى طيبة بهما لا يخالجها رياء ولا شبهة منٍّ.
ولك أن تذم نفسك لأنك ربما تعلم منها في كل أعمالك تلك الشبهة، ولعلك وقد كنت رواحا إلى المسجد أصابك الخوف من تنقيص الناس لك أن مكثت في الدار والأذان يناديك، وللعل مظهرك الزاهد هو مظهر ثعلب شوقى الذى خرج يعظ، وإن من أشد الأمور مراودة للنفس أمرأ بالسوء لهو الإحسان المرئى ، كما أن في ترك الملذات والاخشوشان شبهة بخل وتقتير، أو شبهة جهل وعَيًّا ، وأما رعاية الأرملة واليتيم ففيها ما فيها من مناكر لمن لا يتقى الله عز وجل فربما خالط إحسانك إليهما إعجاب بالمرأة وميلا لها فأنت تقدم إحسانا يتبعه طلب.
كل هذا ما يدخل في النفس ما يشوب إيمانها بدخل وينقص ثوابها أو يمنعه بسبب حاجات النفس تلك للمدح والجاه والشهوة الخفية وكل ذلك يصاحب كل أعمال الخير إن لم يحسن صاحبها تنقيتها وتهذيبها وإرغامها على الصفاء لله والإخلاص له.
لهذا ولأنه علم أن المرء لا ينجو بمجرد عمل الخير وإظهار الصلاح لأن الكثيرين يفعلونه وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104).
ولأنه علم أن تلبيس الشيطان على ابن آدم قد يحرمه من أجركل عمل الخير الذى عمله .