الأحد، 18 يونيو 2017
الحلقة الحادية عشرة من سلسلة مقالاتى ( عن رواد المنابر اتحدث )
- وأما الخطبة فحدث ولا حرج فقد روى مسلم في "صحيحه" عن واصل بن حيان قال: قال أبو وائل - وهو شقيق بن سلمة - خطبنا عمار رضي الله عنه فأوجز وأبلغ، فلما نزل قلنا: يا أبا اليقظان لقد أبلغت وأوجزت، فلو كنت تنفست - أي: أطلت - فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته مَئِنَّةٌ - أي: علامة - من فقهه، فأطيلوا الصلاة، واقصروا الخطبة، وإن من البيان لسحرًا ، ولعلك لو تابعت كثيرا من متسلقى المنابر لوجدت عجبا ......
أعرف من تصل خطبته إلى الساعة طولا دون أن يكون فيها موضوع محدد تستطيع أن تبنى عليه .
وأعرف من جعل خطبة الجمعة ثلاث خطب ثابتة فهو يخطب الأولى والثانية ثم يصلى وفى كل جمعة يستأذن الناس فى الثالثة لتصل جمعته مع الناس إلى ساعة ونصف الساعة .
وأما إحكام العبارة ففن من فنون الأدب لا يصل إليه إلا من تدرب على يد شيخ وحوى سليقة وملكة ولعلى لو اردت ضرب المثل فى إحكام العبارة ووحدة الموضوع فلن أجد أجمل ولا أعظم من خطبة واصل بن عطاء الذى كان صاحب لثغة فى حرف الراء فكان لا يتكلم بكلام إلا وينزع ما يوجب الراء منه حتى إن له خطبة جزلة اللفظ محكمة العبارة جميلة الموعظة ليس فيها كلمة واحدة تحوى حرف الراء قال فيها :
" الحمد لله القديم بلا غاية, والباقي بلا نهاية, الذي علا في دنوه, ودنا في علوه, فلا يحويه زمان, ولا يحيط به مكان, ولايؤوده حفظ ما خلق, ولم يخلقه على مثال سبق, بل أنشأه ابتداعاً, وعد له اصطناعاً, فأحسن كل شيء خلقه وتمم مشيئته, وأوضح حكمته, فدل على ألوهيته, فسبحانه لا معقب لحكمه, ولا دافع لقضائه, تواضع كل شيء لعظمته, وذل كل شيء لسلطانه, ووسع كل شيء فضله, لايعزب عنه مثقال حبة وهو السميع العليم, وأشهد أن لا إله إلا وحده لا مثيل له, إلهاً تقدست أسماؤه وعظمت آلاؤه, علا عن صفات كل مخلوق, وتنزه عن شبه كل مصنوع, فلا تبلغه الأوهام, ولا تحيط به العقول ولا الأفهام, يُعطي فيحلم, ويدعى فيسمع, ويقبل التوبة عن عباده, ويعفو عن السيئات ويعلم ما يفعلون. وأشهد شهادة حق, وقول صدق, بإخلاص نية, وصدق طوية, أن محمد بن عبد الله عبده ونبيه, وخاصته وصفيه, ابتعثه إلى خلقه بالبينات والهدى ودين الحق, فبلغ مألكته, ونصح لأمته, وجاهد في سبيله, لا تأخذه في الله لومة لائم, ولا يصده عنه زعم زاعم, ماضياً على سنته, موفياً على قصده, حتى أتاه اليقين. فصلى الله على محمد وعلى آل محمد أفضل وأزكى, وأتم وأنمى, وأجل وأعلى صلاة صلاها على صفوة أنبيائه, وخالصة ملائكته, وأضعاف ذلك, إنه حميد مجيد.
أوصيكم عباد الله مع نفسي بتقوى الله والعمل بطاعته, والمجانبة لمعصيته, فأحضكم على ما يدنيكم منه, ويزلفكم لديه, فإن تقوى الله أفضل زاد, وأحسن عاقبة في معاد. ولا تلهينكم الحياة الدنيا بزينتها وخدعها, وفوائن لذاتها, وشهوات آمالها, فإنها متاع قليل, ومدة إلى حين, وكل شيء منها يزول, فكم عاينتم من أعاجيبها, وكم نصبت لكم من حبائلها, وأهلكت ممن جنح إليها واعتمد عليها, أذاقتهم حلواً, ومزجت لهم سماً. أين الملوك الذين بنوا المدائن, وشيدوا المصانع, وأوثقوا الأبواب, وكاثفوا الحجاب, وأعدوا الجياد, وملكوا البلاد, واستخدموا التلاد , قبضتهم بمخلبها , وطحنتهم بكلكلها , وعضتهم بأنيابها , وعاضتهم من السعة ضيقا , ومن العز ذلاً , ومن الحيلة فناء , فسكنوا اللحود , وأكلهم الدود , وأصبحوا لاتعاينُ إلا مساكنهم , ولا تجد إلا معالمهم , ولا تحسس منهم أحد ولا تسمع لهم نَبساً .
فتزودوا عافاكم الله فإن أفضل الزاد التقوى, واتقوا الله يا أولى الألباب لغلكم تفلحون. جعلنا الله وإياكم ممن ينتفع بمواعظه, ويعمل لحظه وسعادته, وممن يستمع القول فيتبع أحسنه, أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب. إن أحسن قصص المؤمنين, وأبلغ مواعظ المتقين كتاب الله, الزكية آياته, الواضحة بيناته, فإذا تلي عليكم فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم تهتدون.
أعوذ بالله القوي, من الشيطان الغوي, إن الله هو السميع العليم. بسم الله الفتاح المنان. قل هو الله أحد, الله الصمد, لم يلد ولم يولد, ولم يكن له كفواً أحد.
نفعنا الله وإياكم بالكتاب الحكيم, وبالآيات والوحي المبين, وأعاذنا وإياكم من العذاب الأليم. وأدخلنا جنات النعيم. وأقول ما به أعظكم, وأستعتبُ الله لي ولكم."
فمن يا ترى ذاك الذى يستطيع مضاهاة هذه الخطبة ؟ أم يا ترى أقول من يستطيع أن يقلدها ؟ بل هل هناك من الخطباء من يقوى على نسبة مما فى هذه الخطبة ؟ ربما استطيع أن أقول رحم الله الشيخ عبدالحميد كشك كان للمنبر فى زمننا مصل واصل بن عطاء فى زمنه وأما من جاء بعده فنخالة الخطباء إلا من رحم ربى .
بل إنى لأستحى من ذكر أن كثيرا من هؤلاء لا يستشهد بآية كاملة عجزا ولا يذكر الحديث إلا بالمعنى وحتى المعنى يغلط فيه فأين حمرة الخجل ؟
ولو تحدثنا عن وحدة الموضوع ومتن الخطبة ( أى جسمها ) فيجب أن نعرف أن وحدة الموضوع تأتى من ترتيب الخطبة نفسها من حيث أنها يجب أن تكون ذات مقدمة وموضوع وخاتمة ففى المقدمة من الصواب أن يشير إلى موضوع خطبته وليس بالضرورة أن يقول أننى سأتكلم عن كذا وكيت ولكن لو قدم بحديث يتصل بالموضوع فى نهاية الإفتتاح فسيعلم المستمع ما هو مقبل عليه فإن لم يكن يستطيع إلا أن يعلن صراحة عما هو مقبل على الحديث فيه فلا بأس ثم وهو يتناول الموضوع يجب أن يفرش له من الوصف ما يمكنه من الحديث عنه ثم يناقش المقدمات التى وضعها ثم يقترح الحلول ليصل إلى ما يريد من نتائج موثقا كل ذلك بكتاب الله عز وجل وسنة النبى صلى الله عليه وسلم وما يمكن أن يتصل به من علوم على ألا يدخل فى تفاصيل العلوم مما يعرفه المختصون حتى لا يخطئ فينفى الصواب عما يريد أن يصل إلى الناس به ثم بعد ذلك يوجه الناس إلى الصواب ولكن لو استخدم العلوم المادية فى خطبته فعليه أن يراجع أهل الإختصاص قبل العرض حتى لا يقع فى الخطأ .
هذا ما يجب أن يكون فهل كل رواد المنابر يفعل ذلك ؟ لا ....أقولها جازما.... لا ولكن متسلقى المنابر يفعلون بالخطبة ما يعانى منه من يستمع إليهم حتى أن الناس تخرج بعدما يستمعون دون أن يستفيدوا مما استمعوا إليه شيئا فكأنه الهباء تناثر فوق رؤوسهم فسرعان ما ينفضه الهواء عند خروجهم ولولا أن حديثا يلصق فى أذهان بعضهم لكانت الخطبة مجرد عناء لا طائل تحته .
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
مسرحية شعرية
عن حادثة اتهام هند بنت عتبة بالزنا نظم : حمدى عبدالظاهر المشهد الأول (على المسرح يبدو رجلان يتحدثان مع خلفية كأنها رمل ممتد بخلفي...
-
- وأما الخطبة فحدث ولا حرج فقد روى مسلم في "صحيحه" عن واصل بن حيان قال: قال أبو وائل - وهو شقيق بن سلمة - خطبنا عمار رضي ا...
-
تعيين انتصبت فارعة فريدة فى موقعها إلا من مبنى آخر يلاصقها يبدو أنه تابع لإحدى المن...
-
سأصبح ذكرى إذا ما قفلت إلى بطنها ذات يـــوم قريب ويصبح أمسى عبئـــا على و أندم عند ح...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق