الرقم
بقلم : حمدى عبدالظاهر أحمد
لم يزل هذا الرقم يؤذينى منذ أن اقتربت منه على هذه الآلة الكئيبة الرابضة
أمامى فى استكانة شديدة تستسلم لأصابعى
تنقر أحرفها تلك النقرات المتتابعة لتعطينى ما أريد و هى برغم ذلك لا تتردد أبدا
فى اجابتى عما أريد ، ولكن هذا الرقم يعاندنى كثيرا ويفوت على الفرص فى استراحة من
كم الأرقام الهائل الذى أتعامل معه يوميا على نفس الآلة لأنه يضطرنى إلى إعادة ما
أحسب من حسابات للتأكد من أن هذا الرقم بالذات قد استجاب لى فيستهلك وقتى فى
الحسبة و فى إعادة الحسبة وقد يختلف الناتج و غالبا ما يحدث ذلك فيضطرنى الأمر إلى
إعادة الكرة من جديد للتأكد من أى من الناتجين يستحق الإثبات .
ومما يصعب الأمر على أحيانا أن أجد الإختلاف فى كسر العملة أى فيما لا
يستحق من الأشياء ولكننى مضطر لأن أرجع إليه ليس لحبى فى التدقيق و قدرتى على
التحدى ولكن لأن الأمر يتعلق بحسابات الحكومة أما أنه لو رجع الأمر لى شخصيا
لتنازلت عن كثير من هذه العملة الخبيثة فى مقابل أن يستريح ذهنى من التفكير فى غير
ما أرغب من الأشياء .
والحقيقة أننى ولأكثر من مرة فككت الآلة ومسحت ما تحت لوحة المفاتيح من
تراب و أوساخ قد تكون تعوق استجابة الحرف للنقر وقد استجابت بعض الأرقام بالفعل
ومنها هو ولكن كلما عاد حرف للحرون عاد معه و سقانى علقما فى السير خلفه و تدليله
و الضغط الرفيق مرة و القاسى مرات بل و الدق دقا يشبه عمل المطرقة على رأسه و هو لا
يستجيب حتى إذا ما بدأت أداعبه مداعبة رفيقة و أحركه حركات راقصة جهة اليمين و جهة
الشمال إذا به يعطينى كثيرا من الطبعات له و كأنه يتخيل أنى أحبه فيريد أن يستنسخ
لى نفسه كى أملِّى عينى من كل أشكاله فإذا به حرون جديد و خطأ مزدوج فمالى أنا
وتكرار الرقم خاصة و أن الآلة إذا قبلته فستقبل وضعه الجديد آحاد وعشرات ومئات وآلاف
وبدلا من رقم واحد سيكون الأمر عسيرا .
وأعود للفك و التنظيف و التركيب و يعطينى بعضا من الوقت استريح من بعض
الجنون الذى يذيقنيه ثم لا يلبث أن يعود
لما هو فيه من تنكر لى وأعود للطرق على رأسه بيد من حديد عله يستجيب و يستمر الأمر
بينى وبينه سجال و ومناورة وألعن الحرف واشكو الآلة و أطلب غيرها و تذكرنى بمركوب
أبى القاسم الذى لم يستطع منه فكاكا فقبله ، وقبلتُها ولكن هذا الرقم ... آه من
هذا الرقم سوف يقتلنى .
ترى هل تستخدم هذه الآلة النكدة ذلك الرقم كى تُمِلُّنى منها و تزهدنى فيها
لحنين تكنه لحبيبها الأول ، فلعلها مثل المراة لا تزال تحن إلى أول رجل لمس يدها
وحرك أشجانها حتى إذا ما ملها انتقلت إلى غيره من الرجال و هى تحمله فى قلبها و
جوانحها فلا تزال تحيا فى كنف الآخر بينما ترى الأول فى حركاته وسكناته فإذا ما تغير منه
شئ تغيرت له فكأنها لا تعرفه ثم لا تلبث أن تترحم على أيام خلون كانت فيها مع إلف
لا تدانيه المثالية فما بالها وهذا الغر الأبله وليس فيه من ذلك شئ وهكذا يصور
لها قلبها رجلها ناقصا حتى ولو كان الكمال
كله لأنه لم يكن ذاك الرجل الأول الذى
عرفت عن طريقه الأنثى و الذكر .
وهل ينطبق عليها حقيقة ما يقال من أن "المال الذى لا يشبه صاحبه حرام
"بمعنى أنها تحمل طبائع أهل الشرق بما أنها شرقية ، ولكنها ليست من هذا الشرق
الذى يقيم وزنا لمثل ما نعرف من علاقات بين الرجل و المرأة ، إنها من شرق تَغَرَّب
منذ زمن بعيد ، وترك ما نفكر فيه من تلك المعانى القديمة عن الحب و الزواج و
الطلاق و الغيرة و الغضب وأشياء كثيرة أخرى لا نزال نعتقدها .
فليكن و لتشبه أصحابها أو تتشبه بهم لا يعنينى الأمر ، غير أن ما يعنينى هو
أن يعمل هذا الرقم التافه فهو لا يساوى شيئا كثيرا غير أنه يساوى غيظا كبيرا لم
أعد أحتمله ، وما يعنينى فقط هو أن يمثل لى رقما سهل القياد مستجيبا للنقر .
لقد كان سابقى عليها لا ينظر إليها ولا يعيرها أدنى اهتمام ، فقط ينقر دون
أن يرفع عينه عن الورق الذى أمامه و فى النهاية ينظر إلى عينيها فيرى فيهما ما
يرجو من مطلوباته دون أن يكلف نفسه عناء أبعد من ذلك وهى تسلس له وتستجيب لأصابعه
بل وكانت مع استمرار نقراته على كل أزرارها بما فيها هذا النافر تخرج له موسيقى
عذبه يختمها فى النهاية بما يشبه آخر رفعة من رفعات قائد الأوركسترا لعصا القيادة
كى ينزل بها مع تلك الحركة المتشنجة لينهى القطعة التى يقود الفريق إليها فإذا لها
صوت مخصوص فيه نشوة لكليهما و أنا أحسده عليها و أحسدها عليه حتى إذا ما استغنى
عنها ليستبدلها بأخرى جديدة بعد تلك السنوات العشر و آلت إلي تفعل معى هذا ؟!
ربما ولحساسيتى المفرطة تجاه التاء المربوطة فى أواخر الأسماء العربية حتى
ولو كانت المؤنث المجازى من أسماء الرجال ، ربما يتسبب ذلك فى ربطى الآلة بالمرأة
و تصرفات أنثاى تلك بالذات بتصرفات تلك الأنثى القاهرة فى الجزء الثانى من حياة كل
منا أقصد الجزء الثانى بالذات لأن الجزء الأول يحمل الأم و الأخت وهى من هذا
الجانب جياشة العاطفة على إطلاق أما الأخرى فهى التى تُضحك و تُبكى و تُقصى وتُدنى و تفعل الأفاعيل خاصة إذا كانت
عربية .
لا أقصد الإهانة لا للعربية لدلالها على رجلها الأوحد ولا للغربية التى
تتنقل بين الرجال دون عقد يحميها أو رباط يضمن لها حباة هانئة عند انصراف ما
يحتاجه الرجال فيها عنها ويتركها لأخاديد الزمن ونتوءات الألم التى تجترها ما بقيت
فى الحياة .
كلاهما زهرة بجمالها ورقتها و
نعومتها غير أنهما مختلفتان فى تناول الراعى لهما فالأولى يحرص عليها صاحبها حرص الشحيح فيقوم
عنها بكل ما تحتاج إليه صغيرة كانت إلى حد الطفولة التى تنضح احتياجا و ضعفا أو كبيرة إلى حد الهرم الذى تذوب فيه الفوارق
بين الأنوثة و الرجولة فيحييها فى كنفه ناعمة عزيزة تشير فتجاب و تدمع فتهتز لها
السماء و تتزلزل الأرض و لا يرضى الراعى حتى يكفكف دموعها و يقتل سبب أساها ، وهو
مع هذا يدثرها بدثار عفة لا يسمح لطامع أن يرنو بعينه إليه فدون ذلك خرط القتاد ،
فجسدها و عقلها و نفسها لا يجرؤ امرؤ على جرحهم حتى إذا ما زارتها الكهولة ملًّكًتْها
ناصية جميع الرجال عندها من أبناء و أحفاد عدا صاحبها و إن ظل على حمايته لها و
رعايته لإشاراتها للبنين و البنات فهى الآمرة حتى آخر حياتها بينما هى فى المقابل
شحيحة عليه بعواطفها وانفعالاتها وإنما هى صدى وصايا الأمهات و الجدات التى لا
تزال تشحن عقلها بكل ما يقصر بها عن مكافأته أنسا و إمتاعا لخوف من انصراف الرجل
عمن تنيله كل ما يطلبه ، ولخوف من ظن سئ يساوره عن سوء سلوكها إن هى فجرت أتون
عواطفها أمامه .
وأما الثانية فراعيها على الطرف الآخر على النقيض تماما فالزهرة التى بين
يديه لا يقيمها و لايرعاها إلا بقدر ما يجنى من رحيقها استهلاكا أو بيعا فهى له تجارة
لا بد أن يكون لها عائد وإلا فلا داع لوجودها لديه ولذلك تجده يرعاها بقدر ما يحصل
منها على المنفعة فيغذيها لتنمو وتثمر ويداويها حتى لا يقل نتاجها ويحميها لأنها
مصدر نفعه حتى إذا ما راحت للذبول ألقى بها دون رحمة ولذا يسهل عليه بيعها و
التخلى عنها عند أول مشتر إذا ما وجد الربح عنده أعلى و الغلة أكثر بينما هى تعطى
و تسخو فى المنح و لا تمنع أبدا إما لخوف أو حاجة بل وترضى بالمذلة و الهوان و
النخاسة على أمل أن يرضى عنها الذئب .
جربت يوما ألا أنظر إليها وأنا أضرب سلسلة الارقام التى أعمل عليها وأن ألعب
بكل الأزرار دون أن إعيرها أى اهتمام ثم أتمم طاووسيتى بالنقرة الأخيرة لقائد
الأوركسترا وركبت رأسى وصممت أن أعاندها فكنت كمن ينطح الصخر وأين أنا من هذا
الوتد الموجود فى منتصف صفوف الأرقام من
الناحية اليسرى ، كلما أنهيت مجموعة من الأرقام ونظرت فى عيونها أبحث عن بغيتى أجد صاحبى وقد أخرج لى لسانه مبتسما من
عجزى عن هزيمته فأعود إلى ما كنت فيه من العناد ويعود إلى ما هو فيه من صلابة
العزم ولا أملك فى نهاية المطاف إلا أن أرضخ له وأنظر إليه كلما احتجت غير أنى أزيد من شدة لطماتى له لعل ذلك يفرغ
غيظى ويزيل كمدى .
لا أدرى ما الذى أوحى إلى هذا الإيحاء
الغريب ! شئ ما يؤزنى أن أفكر بطريقتى تلك ولكنه ملح حتى ما ينفك عنى ... لا لا ..
لا أستطيع أن أحدث بما يدور فى خلدى ، لكنه يدور وحتما سيخرج عنى يوما ما رغم
غرابته ..
أنظر إلى هذا الرقم العاق فأرى فيه ذلك الولد العاق ..لزوج الأم .. نعم ،
تراه يغار عليها منى لرفيقها القديم ....
تراه ينقم عليها أن رضيت بأن تكون لغير
أولِّها أم أنه يحقد علىَّ لقبولى الإقتران بها بعدما تركها الأول ، فكأنه يخشى
عليها التنقل بين الآحاد هكذا وقد تعود على ملمس أصابع صاحبهما ذاك بمشاعره جملة
حسنها و سيئها ، أم تراه تعود أن يشم رائحة سيجارته فلما حرمها منى عكر الإدمان
عليه مزاجه فركب رأسه ؟!!
ربما ولكنى لا أمثل له إزعاجا
و لا أذى بل انتقل بانتقالها إلى جو أجمل
و حياة أفضل ، لقد انتقل إلى مكتب أكثر ترتيبا و نظافة وأصبح وجه صاحبته وجسدها
ينظفان يوميا بمنشفة صفراء نظيفة مبللة بالماء فازداد وجهها بريقا ولمعانا وصارت
أكثر جمالا ، حتى هو لقد كان اسمه المحفور على وجهه يمتلى ترابا مصابا بعرق يد
صاحبه الأول فلم يعد يرى منه شيئا ، لقد أصبح يتمتع بنعمة الإهتمام وكما قلت بين
الفينة و الفينة يجد متعة العلاج فماذا يريد ؟!!!
كم تمنيت اليوم أن يحمل هذا الرقم اللعين نفسية و ثقافة الغربيين فلا
حساسية لدى الأولاد من الإنتقال مع الأم من منزل إلى منزل و من عشيق إلى آخر فيألف
التنقل ويفقد العاطفة و الغيرة مما يسلس قياده ويسهل سياسته ليصبح لينا هينا غير
معبأ بثقافة البغض و الحنين إلى القديم غير أنى كلما تماديت فى المنى وغرقت فى
التخيل أرى فى نفسى نزقا و طيشا ... أستغفر الله ، وهل يحميه هذا اللين وتلك
الألفة ؟ إنه إنما ينتقل إلى رجل فقد العاطفة قبلا مثله الآن وتمرس على هذا الفقد
فهو اليوم بلا عاطفة تحجز ولا قلب يحن و إنما هو صاحب غريزة تقوده لمن يشبعها حتى
إذا ما حصلت على ما تريد انصرفت إلى لذة جديدة و غريزة أخرى ولعله يقسو على الطفل
بقدر ما يحرمه من التلذذ بالمرأة حتى ليصل
به الأمر إلى القتل .
لا .. لا أقبل بهذا وإن كان سيرقق لى هذا الرقم التافه ، أسهل على أن
يغيظنى لعقوقه من أن يغيظنى لسوء أخلاقه و أخلاق أمه و أخلاقى ، الغيرة تقتلنى
لمجرد التفكير فى نظرة الغريب إليها ثم أرضى بدياثة الإبن ، لقد بدأ الأمر يختلط على ما بين الآلة و
المرأة و الرقم و الإبن .. أوه .. اشعر بدوار قد لا ينتهى .
أعود فاتطلع إلى الآلة لعلها تبوح لى بما يصلح هذا الرقم فيستقيم لى وأتفرس
فيها كثيرا بلا جدوى ثم لا ألبث أن احتاج إليها فأعود للنقر على أزرارها جميعا حتى
إذا ما اقتربت منه حاولت أن أتجنبه فأجده يبتسم لى ابتسامة التشفى والظفر وكأن
لسان حاله يقول ستأوب إلىّ محبا أو كارها
، ويحدث حقا أن تكون لى أوبة ويحمل قلبى
له الكره و لا أستطيع فكاكا من سطوته وانقر الأرقام جميعا وأضربه ويزيد عناده و
يزيد إصرارى وأفك الآلة مرة أخرى و أجمعها و أعيد ما بدأت من النقر و الضرب ويعيد
ما كان فيه من الحرون و يشتعل غضبى و تزيد قسوة أصبعى ويفقد الوعى فلا يستجيب
فينصرف غيظى إلى إخوته و إلى أمه وتتحول نقرات الأصابع إلى لطمات اليد و القبضة و
...أخيرا أمسكت بها ورفعتها إلى مستوى رأسى و نظرت من النافذة وطوحت ذراعى إلى
الوراء فى حركة غاضبة شديدة العنف ثم .......
رجعت إلى الوراء مذهولا وقد تناولها منى زميلى بالمكتب و هو يهدئ من روعى
ويذم فىّ قلة العشرة و سرعة الغضب و أنا أصيح وقد انتفخت أوداجى ولما يزل غضبى على
ما هو عليه من الجنوح إلى قتلها أو كسرها أو التخلص منها بأى حال من الأحوال وعلى
حين غرة سمعته يقول وهو يحاول التخفيف من أثر الغضب :
-
طلقها لى
استعدته فأكد ما قال ففتر غضبى وزال ما كان بى من الحنق
إلى عجب شديد
-
طلقها لى
هذا المجنون ،
رجعت من هذا الجموح المعربد بغشاوته على عينى إلى الرجل أنظر إليه ، أرمقه بعين
المذهول المندهش ، أطلقها ؟!! كيف ؟! هل كنت تزوجتها ؟! ماذا يقول ؟! .. الآلة ..أكيد
أن به مس جنون أو بعض حمق فالرجال يصيبهم الحمق أحيانا لما تمضى بهم سفينة العمر
إلى منتهاها .
-
تريدنى أن أطلق الآلة لك ؟
-
ماذا تقول ؟
-
تريدنى أن أطلق الآلة لك ؟!
-
لم أقل ذلك يا صاحبى !
-
فمه إذن ؟
-
قلت لك أتركها لى ، أقصد أنى سأصلحها لك
-
لقد سمعتك تذكر الطلاق
-
أبدا
-
على أى حال سأحتفظ بها ، لن أطلقها أقصد لن أعطيها لك .
يبدو أن خيالى صور لى أن
الرجل يذكر الطلاق ، لست بخير يجب أن أذهب إلى الدار أنا محتاج إلى راحة وحين أعود
سأشترى أخرى جديدة .
لففت الآلة بالسلك الكهربائى الذى
يوصلها بالتيار ووضعتها فى علبة كارتونية صغيرة ومن ثم فى كيس يفى بغرض حمل هذه
الناشز إلى الدار ، فمهما كانت لن أتخلى عنها لغيرى .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق