الأدب
بين دور الأديب
الأدبى و دوره الإجتماعى
من الأديب ؟
لا نستطيع أن نطلق هذا المصطلح
على كل من استطاع أن يكتب أو أن يستخدم الدواة والمحبرة وإنما هو ذلك الشخص الذى
يستطيع أن يوظف ملكاته اللغوية والفكرية
والخيالية ليستطيع أن يصيغ منها مركبا فنيا يمتع المتلقى سواء أكان هذا المبدع
يستخدم الدواة و المحبرة أم لا ، وبذلك يندرج تحت هذا المسمى كل من يستطيع أن يبدع
عملا فنيا لغويا بصرف النظر عن قيمته الأخلاقية أو بعده أو قربه من قيم المجتمع
المقدم إليه .
وبالتالى يمكننا ادراج من يؤدى الشعر و الزجل و الشعر العامى والقصة القصيرة و الرواية وكل ما يمكن أن يقوم
مقام واحدة من هذه المفردات ضمن الأدباء لأنها جميعا أعمالا لغوية فنية و
تختلف باقى الفنون التى تستخدم اللغة عن
مثل هذه التى نتحدث عنها ولا يدخل صاحبها ضمن التصنيف مثل المقال و الرسالة و
التقرير والتحليل والبحث وغيرها كثير .
ما أدوات الأديب ؟
أولا : اللغة
حيث هى أول مطلوبات الأديب و
التى بدونها لا يمكن أن يخرج عملا مؤثرا ، وإن كانت اللغة تتأثر سلبا وإيجابا
بالتأثيرات المجمتعية المختلفة و التى منها على سبيل المثال حالات الضعف والقوة
التى تنتاب الشعوب و كذلك القرب و البعد عن المأخذ الأصلى للغة والذى يتسبب فى قوة
اللفظ وجزالته أو ضعفه وركاكته ، بل ويتغير شكلها حسب الذوق الإجتماعى وإذا ضربنا
مثالا باللغة العربية فقد استخدمها الشعراء قديما باللفظ الغريب الوحشى ثم
البسيط المألوف ثم السجع وأنماطه حتى وصل
حال اللغة إلى ما هى عليه الآن من اختلاط بالألفاظ الأعجمية بل وتدنى الحال بها إلى استحداث مصطلحات عامية
ركيكة أصبحت تستخدم بصورة فجة فى الأدب .
ثانيا : الخيال الخصب
وهو
تلك القدرة على التركيز الذهنى لتخليق نماذج و أنماط تركيبية يمزجها الأديب ببعضها
لتخرج فى صورة نص أدبى سواء كان هذا النص يمثل الواقع أو لا يمت إلى الحقيقة بصلة
ولعل أصدق ما ورد فى ذلك ما جاء عن جرير بن عطية صاحب الفرذدق والذى سأله إحد
معاصرية عن قدرته الشعرية
قال له : قُم حتى أعرّفك الجواب، فأخذ بيده وجاء به الى أبيه
وقد أخذ عنزاً له فاعتقلها وجعل يمّص ضرعها، فصاح به: اخرج
ياأبت، فخرج شيخ دميم رث الهيئة ، وقد سال لبن العنز على لحيته ، فقال : الا ترى هذا
؟ قال: نعم .قال: او تعرفه ؟ قال: لا.
قال :
هذا أبي . أفتدري لم كان يشرب من ضرع العنز؟ قلت : لا . قال
: مخافة أن يسمع صوتُ الحلب فيطلب منه لبن .
ثم قال: أشعر الناس من فاخر بمثل هذا الاب
ثمانين شاعراً وقارعهم به فغلبهم جميعاً.
وهى المعين الإجتماعى الذى تتأثر
به نفس الأديب سلبا أو إيجابا فيميل إلى التغيير أو التمكين لما يعايشه داخله ولعل
قول عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه فى ذلك ( الشعر ديوان العرب ) يعبر تعبيرا
صادقا عن علاقة الأديب بالمجتمع الذى يعيش فيه ، وكل إديب يتأثر تأكيدا بالمجتمع
الذى يعيش فيه بكل سلبياته وإيجابياته وقضاياه إذا استثنينا بعض أنواع الأدب كأدب
الخيال العلمى والعبثى .
هل يمكن للأديب أن يغير فى المجتمع ؟
قبيلة
جديس قبيلة عربية وكان إذا تزوجت فتياتهم يبدأ بها إلى الملك وهو أحد العماليق
ليفتضها فلم تقبل غفيرة بنت غفار ذلك وعادت إلى مجلس قومها فرفعت ثيابها ودمها
ينزف وهى تقول :
أيصلح ما يؤتى إلى فتيـــــــــانكم وأنتم رجـــــــــالٌ كثرةً عدد الرمل
وترضون هذا يالقومي لأخــــتكم عشية زفت في النســـاء إلى البعل
فإن أنتم لم تغضبوا بعد هــــــــذه فكونوا نسـاءً في المنازل والحجل
ودونكم طيب النساء وإنمـــــــــا خلقتم جميعاً للـتزين والكــــــــحـل
فلو أننا كنا رجالاً
وكنتـــــــــــــم نسـاءً لكــنا
لا نقيـــم على ذحــــل
فقبحاً لبعلٍ ليس فيه
حمــــــــــيةٌ ويختال يمشي بيننا
مشيــة الفحل
فموتوا ضراماً أو أصيبوا عدوكم بداهيةٍ توري ضـــراماً من الجزل
وإلا فخــــــلوا داركــم وترحـــلوا إلى بلـــدٍ قفرٍ خــلاءٍ من الأهــــــل
ولا تخرجـوا للحـرب يا قوم إنها تقوم بأقوامٍ شــدادٍ علـــى رجـــــل
فيهلك فيها كل وغـــدٍ مــــــواكلٍ ويسلـــم فيها ذو الطعان وذو القتل
|
ـ فمن ذلك التأثير
ما يكون فوريا كما في مسرح ( الوقعة ) الذي ظهر في انجلترا
عقب الحرب العالمية الثانية بزعامة أرطو؛ إذ كانت عروض هذا النوع من المسرح تنتهي
بمظاهرة يتحمس لها الجمهور، فتنطلق شرارتها من الصالة وتنتهي إلى الشارع ،
تأييدا للمضطهدين والمستعمرين (بالفتح) في بقاع العالم.( من مدونة أدب ونقد
)
- ومنه ما يأتى أثره
بالتراكم القيمى و الذى يؤدى الإلحاح فيه على قيم معينة باتخاذها منحى فى الأدب
بأنواعه مما يؤدى إلى هدم معارضتها النفسية فى عقل المتلقى ثم بعد ذلك العمل على
تعويده عليها ثم الإقناع فالتفاعل و التبنى ولعل الإلحاح على البار و السيجارة و
المرأة فى ألأدب الروائى فيما قبل السبعينات و وكذلك على قيم التفلت الإخلاقى فى
أدب الحاضر ولعل الجوائز العالمية لها دور كبير فى ذلك الإتجاه مثل تلك التى نالتها روايتى عمارة يعقوبيان و شيكاغو رغم أن كل ما فيهما ضد
قيم المجتمع المسلم .
والحقيقة أن للأدب العربى وخاصة الشعر موقعه
الكبير فى مسألة تغيير المجتمع ولعل الأسواق الأدبية القديمة حيث قامت بالدور
الإعلامى الذى يعلى قيم المجتمع ويذيع الدعوات و المذاهب ولا شك أن حسان بن ثابت
وباقى شعراء الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا مثالا على ذلك بل ولقد كان الشعر
يقود المعارك ويحمس الجنود وهذه هند بنت عتبة فى أحد ترتجز
إن تقبلوا نعانق ونفرش النمارق .. أو
تدبروا نفارق فراق غير وامق
كذلك فقد ساهم الأدب
بدور اعلامى فعال فى فى مساندة الخلفاء أو التحريض عليهم ولعل علاقة المتنبى و سيف
الدولة الحمدانى لا تخفى على أحد كما أن فتنة البرامكة و القضاء عليهم كان بعض من
وقودها الشعر و الأدب وإن لم يظهر فن القصة و الرواية فى هذا الوقت بصورته الراهنة
وبالتالى لم يكن له تأثير يذكر برغم تداول الخبار فى صورة قصص وانتشار القصاص فى
ذلك الوقت .
ولعل دور الأدب فى نشر الوجودية
فى العالم غير خاف حيث تبنى الفيلسوف الأديب سارتر هذا المذهب هو وعشيقته سارة
برنار و وقفوا بقوة خلف هذا المذهب فى العالم .
وإذا ما رجعنا إلى العصر
الحديث فقد ساهم أدب الثلاثينات حتى الستينات بقوة فى تدعيم الهزة الأخلاقية فى المجتمع و
التى تبناها أدب نجيب محفوظ و توفيق الحكيم و يوسف ادريس واحسان عبدالقدوس وثروت
أباظة وغيرهم خاصة وأن المرحلة كانت تحمل زخما كبيرا فى اتجاه الفكر الشيوعى
فالتقت السياسة مع الأدب فى تسويق الإنحلال الأخلاقى والبعد عن التدين والإلتزام
الأخلاقى هذا إذا ما استثنينا بعض الأسماء ذات الخلفية الثقافية الإسلامية من
أمثال الطاهر وطار ونجيب الكيلانى ومحمود المسعدى .
وبرغم أن الوضع تغير مع ظهور
أدب الصحوة ليعود الأدب إلى التزامه وبالتالى ظهور اسماء جديدة فى عالم الأدب مثل
نجيب الكيلانى والذى توارى دوره فى الستينات بسبب التوجهات السياسية فى ذلك الوقت
وعماد الدين خليل ويوسف القرضاوى الشاعر ، محمد هاشم الرفاعى والذى راح شهيدا بسبب
كلماته ، ويوسف العظم وكثير من شعراء الصحوة .
وبرغم أن ادب المقاومة ظهر بقوة ليقود
المجتمعات وكانت بداية ظهوره الحديثة فى ثورة 19 حيث قاد الجماهير
قم يا مصرى مصر دايما بتناديك خذ بنصرى نصرى دين واجب عليك
و الأمثلة ممتدة
بلادى
بلادى بلادى لك حبى وفؤادى
إلا أنه كان يعتمد أيضا فى أغلبه على الشعر و الزجل ولم
تظهر الرواية كأدب مقاومة إلا فى النادر مثل رواية فى بينتا رجل ورواية الأرض .
ثم ازداد أثره حديثا منذ ظهور
الإعلام التكنولوجى ولعل أفغانستان ضد الإحتلال الروسى مثلت بداية جديدة كما أن فلسطين
دائما محور أدب المقاومة والإصلاح الإجتماعى و كذلك كل قضايا التحرر فى العالم الإسلامى كله
والذى ظهر على صفحات الويب و الذى أصبح يستحوذ الآن على بعض الفضائيات ولعل من أهم
الأسماء التى تبنت هذا النوع من ا|لأدب فى صوره المختلفة عبدالله البردونى اليمنى
وعبدالرحمن العشماوى وأحمد مطر وأمل دنقل ومعظمهم شعراء بينما ندر وجود الروائيين
بين الإسلاميين وإن ظهرت بعض الروايات مثل فى بيتنا رجل والرصاصة ما تزال فى جيبى
و الأرض وكلها من منطلق قومى بحت وكذلك القصص
القصيرة التى تمثل محاولة لتغيير المجتمع وإن ظل الشعر على تميزه فى هذا الباب .
الدور الأدبى للأديب
أما الدور الأدبى للأديب
فالحقيقة أن الأديب الملتزم هو أقدر الأدباء على خدمة الأدب بصورة جيدة و المقصود
بالملتزم هنا هو صاحب الملكة الفنية العالية و الذى يسخرها للمحافظة على قواعد
اللغة أى لغة فإذا ما تحدثنا عن الأديب العربى فهو مطالب بالكثير وقد كان هذا دوره
منذ الأزل فقد استمر الشعر العربى حصنا قويا للمحافظة على اللغة وقواعدها و الذوق
اللغوى الجيد ولعل اعجاب الأصمعى بالجارية لم يأت من فراغ ، تلك التى رآها تمسك
بفم القربة وتهتف :
-
(يا أبت أدرك فاها ، غلبنى فوها ، لا طاقة لى بفيها .)فراح
يهتف : جمعت العربية فى ثلاث .
ومن المؤسف أن اللغة
كالبشر تتبع الأقوى ولذلك فإن اللغة العربية رغم صمودها على مدار الحقب الماضية من
التاريخ إلا أنها اليوم بسبب الضعف القومى الشديد و الغزو الفكرى المستمر بدأت
تتوزعها نزعات أثرت على صحتها وقوتها مثل استخدام اللهجات العامية كلغة أدب وكذلك
دخول كثير من المصطلحات الغربية على اللغة خاصة مع استخدام اللغة الإنجليزية لغة
أساسية فى شبكة الإنترنت وكذلك استخدام بعض المصطلحات التى يسمونها لغة شبابية
الغريبة جدا و الهدامة أيضا مما أضعف العلاقة بين العربى و اللغة بشكل كبير انعكس
على حياتنا كلها لدرجة أن المذيع العربى أصبح أعجمى اللسان إلا من عصم الله بل
وأصبحنا نرى قنوات فضائية تتبنى اللهجة العامية حتى فى نشرات الأخبار بصور فجة ولا
يخفى على أحد الغرض من ذلك حيث أن لهذا
أكبر الأثر على علاقة العربى بالقرآن الكريم وفهمه واستيعاب مراميه ومعانيه .
لذلك أصبح على عاتق الأديب
أن يتبنى منهجا لغويا ملتزما يحمل قواعد اللغة العربية قراءة وكتابة و روحا بحيث
لا بفقد اللغة صلتها بالأصول اللغوية السليمة وقواعدها الأساسية والتى تخلى عنها
البعض لصالح البنيوية و الحداثة والتغريب والتى ولدت نتاجا فكريا ولغويا غاية فى
الركاكة وعدم الفهم ومن العجيب أن يرى
هؤلاء النتاج اللغوى الأكثر غموضا وركاكة ليصبح أدونيس علما من أعلام اللغة برغم
أنه أسوأ من أمسك قلما وورقا وتبنى كتابة الأدب .
وللمرء أن يتصور أن الآتى شعرا لواحد من
أساطين الحداثة ...إنه الشاعر محمد عمران حيث يقول :
" مبتل بالفرح القدوس
جسدى يتفتح ما ، لغة زرقاء نهارا
أزرق أغنية
......
تخطفنى الزرقة ها جسدى يتقدم فى ملكوت
البحر .....
يا بحر يا قدوس كل الملك لك ."
وحاول يا عزيزى أن تفهم ثم يقال لك أن
العبرة بالغموض و أن هذه هى الحداثة ..................
قصيدة بلا موسيقى ولا
قافية و لا لغة ولا يفهمه القارئ ، اظننى
لو رأيتها دون أن ينسبها ناقد لهذا الشاعر فسأظن أنها ترجمة ركيكة لقصيدة بلغة
أجنبية ولك الله أيتها اللغة .
لقد شبع الأدب العربى
والإسلامى أخذا فى القوالب الفنية من الغريب و الغربى بالتحديد حتى قبح شكله وشاه عوده و قد آن أن يستعيد الأديب
العربى هويته وله مع ذلك أن يأخذ من الثقافات الأخرى لم يعترض أحد على ذلك ولكن
يجب قبل الأخذ أن يقوم بعملية انتقاء وغربلة ليحصل على الجيد المفيد لا أن يغترف
اغتراف الهيم فيأخذ الغث والثمين ثم لا يعود ينتفع إلا بالغث منه وكأنه أصيب بحول
أدبى ضيع عليه الفائدة مما يحصل من ثروات الآخرين .
إن أهم ما يجب أن يحرص
عليه أديب اليوم تجاه اللغة والأدب أن يعيد ربط الشارع بلغة القرآن لأنها
المستهدفة بالتغيير البنائى للغة من قبل مجموعات الغزو الفكرى ورؤوس حراب المستعمر
وبالتالى كلما عاد للشعر رونقه العربى الرائع وكلما عادت للكلمة العربية أصالتها و
أصبحت تجرى على ألسن العامة و الخاصة وكلما حرص الأديب على الإستخدام الملتزم
للتركيب اللفظى و الحركى و الأخلاقى داخل الرواية أو القصيدة حتى ما يتصل بالجنس
منه مع عدم اعتراضنا على توظيفه داخل العمل الفنى بشرط ضرورة وجوده ومراعاة قيم
المجتمع فى إيراده بمعنى عدم التحريض المستخدم الآن كلما كان ذلك أخدم للغة وأنجع
للإصلاح وأقدر على الوصول إلى أكبر عدد من القراء .
حمدى عبدالظاهر أحمد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق