الأحد، 17 يناير 2016

إحسان >>>>>>>قصة قصيرة


                   إحسان 

هبط الليل بسواده و برده يلف الكون بكآبة عبقرية تهزم أكثر الناس تفاؤلا ولم يكن ليل صاحبتى هكذا وفقط ولكنه اصطحب معه ريحا ذات صفير أخذت تصم الآذان بصفيرها و سماء لبدتها غيوم كالحة وضبابا غطى الآفاق حتى لا يدع لإنسان فرصة يحلم فيها بانبلاج الفجر
                   كان شتاء هذا العام جله بهذه القسوة و الجبروت وزاد صعوبته أنه يمشى الهوينا مملا ينهش العظام و يأكل اللحم وكأنه السوس يقتات ما تبقى من حطام آدمية قابعة ها هنا متدثرة بغطاء تبدو عليه آثار نعمة غير أنه لا يكفى ليمنع هذا البرد وقد ظهر بجوارها من تحته أطراف صغيرة لزهرتين ذابلتين أضناهما الجوع و أمضهما الألم
                   ولأنه يبدو أن مفارقات الحياة توجب تضاد الأسماء و المسميات حين تريد السخرية فقد تمددت سعيدة – هذا اسمها – وقد تعلقت عيناها باللاشئ  عبر النافذة وكلما ضربها البرد بلسعاته شدت  عليها وعلى زهرتيها الدثار دونما فائدة ولعله لم يكن البرد فقط هو ما يضنيها ويشعرها بكل تلك المكابدة و إنما الجوع أيضا فلقد كان طعامها و ابنتيها فى هذه الأيام لا يزيد على كونه ما يشبه الطعام ولمرة واحدة طوال يومهن مكون من خبز و ماء لا يسد الرمق تقسمه بينها و طفلتيها ثم لا تلبث أن تعود ببقايا الخبز فى يدها على طفلتيها وتطوى راضية بما عللتهما به غير عابئة بجوعها الذى يفتت الحشا منتظرة أن يفتر قلب الليل عن ومض ورزق فى يومها الآتى
                   وهى كثيرا ما تناجى الليل وسكونه و أشباحه وتصاحب صرار الليل و تستعيد زمانها الذى كانت تسعد فيه بدفء الحبيب وروعة الحياة وهناءة البال ، ذلك الزمان الذى كانت تحيا أيامه يوما يوما ، كل يوم لذاته لا تفكر فى غده لإنشغالها  باهتبال ساعات اللذة مع حبيبها حتى ما كانت تظن أبدا أن أيامها تلك ستنقضى أو أن الزمان يمكن أن يعبس فى وجهها بعد أن أذاقها من سعادته، و  لم تعرف الدموع و لا الهموم فقد كانت ذراعاه دثارها فى البرد و إبهاماه مناديلا تكفكف عبراتها إذا تاهت فى الطريق فتحدرت من مقلتيها ، ولقد أسعدها و أبهجها وكان الملاذ و المأوى  إذا أحست من الناس بالغربة ، و المحارب  كلما خافت غوائل الدنيا ، وكان نبعا للسعادة اليومية لا ينضب تغترف منه اغترافا دون خوف من فناء رائعا روعة نسمات الربيع فى أحلى أيامه ، ساحرا سحر ليلة قمرية وقد تطلع البدر فيها إلى العشاق يصحبهم ويسامرهم ، حلو الشمائل  ، جميل الخلال  وآه عليه من حبيب !!!
                    أشهر قليلة تلك التى مرت على وفاته وهى على قصرها لدى عامة البشر كانت طويلة عليها ، ذاقت فيها ما أنساها كل نعيم عاينته معه لشدة مرارتها وقسوة الحرمان فيها ولعل ما زاد معاناتها أن زواجها ولد منذ يومه الأول ولادة قيصرية وخرج من رحم الدنيا بجراحة أماتت مشاعر أهله و قست بها قلوبهم  ورغمت أنوف فقطعوهما من شجرتهم ، ولذلك لم تنتظر أن تمتد أيديهم بالمواساة و لا أكفهم بالنعمة التى ترجى من أهل بهذا الجفاء فنزلت إلى الشارع تبحث عما تعول به نفسها و ابنتيها و لأنه غالبا ما يرش الطريق دروبه  بالوجل والخوف فقد أفاض معها الكيل فترددت بين أعمال كثيرة لم يزد دخلها من أكثرها غدقا عن جنيهات قليلة لا تسد الرمق ، و لأنها حيية فما استطاعت أن تمد يدها سائلة و لأنها عفيفة فما كانت بالتى تأكل بثديها فآثرت أن تتشرنق فى شقتها مع طفلتيها راضية بالجوع فى أحضان الوحشة و البؤس .
                   كانت ليلتها تلك كسابقاتها لذا فقد ظلت هكذا و نظرها معلق باللاشئ من النافذة حتى دحرت جحافل الفكر و الإنهاك و الجوع مقاومتها فنامت ونامت على خدها لؤلؤة يحرق مرآها قلوب أشد الناس قسوة ، ولم يوقظها من نومها إلا بكاء الطفلتين و نشيجهما الحزين شاكيتين ألم الجوع و يالهما من زهرتين لولا تلك الآلام 0
                   تناومت سعيدة لدقائق فى محاولة للتغافل عنهما لعلهما تنامان فتريحانها من هم التفكير فى تدبير طعام لهما ، ولكن ذلك لم يدم طويلا فقد احتد البكاء و اشتد مع اشتداد الجوع فقامت تبحث لهما عن بقايا طعام من خبز الأمس يخفف ما بهما فلما وجدت كسرتى خبز وبعضا من الجبن جاءتهما به ليخفف من بعض بكائهما ولقد آثرت أن تبقى بعد ذلك معهما فى السرير متدثرات فى فراشهن إذ منع الحاجة للقيام كون اليوم يوم راحة من العمل 0
                   ويبدو أنها غفت قليلا وتركت الطفلتين تلعبان لأنها استيقظت على يد إحداهما تهزها منادية إياها ففتحت عينيها بتكاسل اشتعل نشاطا وحيرة  عندما أخبرتها أن طارقا بالباب يريدها و ألح عليها التفكير كثيرا فى لحظات ، ترى من يكون ؟!! من زمن بعيد لم يطرق بابها أحد خاصة فى مثل هذا اليوم ثم إنها ليست على موعد مع مخلوق فقد انقطعت صلتها بالبشر إلا فى حدود العمل ، ومن ثم انطلقت إلى الباب فأدهشها ما رأت 00 لقد كان آخر من تنتظر أن تراه ، إنه الأخ الأكبر لزوجها بشحمه ولحمه وغلظته و جفاءه ، ترى ما أتى به ؟ ألتنغيص جديد ؟ أم لإظهار الشماتة ؟ أم أن دافعا قويا دفعه للمجئ ؟ أجاء يستكتبها تنازلا عن حقها فى ثروة زوجها لديهم ؟ أم ليأخذ أطفالها قسرا فيضمهم إليه بصفته عمهم أو لأبيه بصفته جدهم ؟
                   لم يفتر ثغرها عن ابتسامة تشجيع ولم تبش فى وجهه و إنما وقفت واجمة تنتظر ما يقول  وتنظر إليه 00 واجما كعادته 00 جافيا غليظا شمعى الوجه  ولما لم يجد منها ترحيبا بادر بالإستئذان للدخول فكان أن تنحت عن الباب مشيرة إلى حجرة الجلوس فولج خفيفا ناعما يتلوى كالثعبان إلى حيث أشارت ، وتركته وذهبت لتصنع له كوبا من الشاى فلما جاءته به كان كما تركته معتدلا فى جلسته متجهما عبوسا كعهدها به 0
                   قدمت له الشاى ثم لملمت جسدها إلى بعضه البعض وهى تصلح ما ترى أنه يبدى منها شيئا غير أن نحرها وبياضه غلبا حرصها  فبدا من تحت الإيشارب الأسود أبيضا غضا طريا كجمار نخل لم يتأثر حتما بالجوع ، ومضت إلى الأريكة فجلست منزوية عنه، وهى فى ازورارها هذا تبدو كهارب من سبع كاسر أو مرض معد 0
-        تفضل الشاى !!!!
                   كانت وكأنها خارجة من بئر عميق لا تكاد تسمع ، فتناول الكوب راشفا منه على مهل ثم وضعه ناظرا إليها ولكنها لم تر منه ذلك لأن بصرها كان منصرفا إلى الأرض و إن كان سمعها منصرف إلى كل ما يصدر من ناحيته من صوت مهما خفت وكأنما تركزت كل مراكز الحس عندها فى حاسة السمع وفقط  لأنها تتوقع منه أن يسمعها بعضا مما ينفث من سموم فقد كان أشد من وقف ضد حبيبها وأشدهم فتكا به و أمرّهم عودا فى التحريض عليه رغم احترام أخيه له 0
                   تنحنح لينبهها أنه يريد الحديث ومن ثم التفتت إليه فوجه إليها الخطاب وهو على ما هو عليه من تجهم و عبوس
-        لقد أرسلنى الحاج اليوم إليك من البلد 0
-        خير ا إن شاء الله ؟!
-        أرسل إليك أمانة معى 00 مبلغا من المال لأجل بنات ولده 0
-        شكرا يا أستاذ ماجد الحال مستورة و الحمد لله 0
-   هو يرى أنه حقهما وليس للماضى دخل فى ذلك وهما فى النهاية بنات ولده ولسوف آتيك كل شهر بمثله 0
                   أصرت  ألا تأخذ المال برغم ما هى فيه و أصر أن يتركه فلما اجتمعت عليها لهجته الآمرة وإصراره وضعفها وخوفها منه خاصة على ابنتيها فقد قبلت على مضض فلما طلب أن يراهما قدمتهما إليه و لأنهما لم تتعودا رؤية من سوى أمهما فقد كانتا متوجستين منكمشتين على بعضهما البعض 0 
-        سلما على  عمكما 00( ثم استأنفت دون أن تلتفت إليه ) 00 آمنة و إيمان وهما توأم  0
                   هبّ واقفا ، سلم عليهما ثم استأذن منصرفا مثلما دخل فى خفة ونعومة الثعبان ، وتساوى حالها فى الموقفين فكلاهما حمل إلى قلبها القلق و الوساوس و الظنون غير أن أولهما كان للمجهول أما الثانى فصار عظيما 00 ترى ماذا سوف تحمل الأيام لها ولهما ؟
                   عادت إلى حيث ترك المال تحصيه فإذا هو مبلغ جيد يكفى ليرد إليها بعضا مما فقدته من نضارتها و ينضو عنها سربال الجوع و الحرمان ، وبقدر قلقها مما ستكون الأيام الآتية حبالى به بقدر فرحها برزقها الذى ساقه الله إليها لتوسع به على طفلتيها اللتين لا ذنب لهما فيما هما فيه إلا قسوة الأهل ومن ثم احتضنت الطفلتين فألبستهما ثيابهما و التقطت بعضا من النقود وخرجت إلى السوق تشترى ما تدخل به السرور عليهما ورد ما هما فيه من سغب وهى واضعة نصب عينيها ألا تجرح المال كثيرا فالتروى مطلوب لتواجه الزمن 0
                   تكرر مجئ أخى زوجها وذهابه وتجهمه و عبوسه وكان كل ذلك لا يهم مادام يأتى الفرج معه فلا بأس من تحمل هذا ولكل شئ ضريبته لأنهما لا يبقيان إلا بقدر بقائه فإذا رحل رحلا معه ، غير أنها لاحظت فى المرة الأخيرة جديدا أخافها ، لمحت عينيه تتبعانها و تعريانها و تجولان فى جسدها فتوجست و ارتبكت وزاد ارتباكها  تكرار ذلك منه فيما تلاها من مرار ولم تدر ما تفعل وزاد  إلى  معاناتها فى مجيئه من تجهمه وعبوسه معاناتها من نظراته تلك المريبة فهى تعلم كامرأة كنهها وماذا تجر بعدها فكانت تفرح إذا ما انصرف و انصرفت معه أشياؤه تلك وتتنفس الصعداء و كأن كابوسا عظيما قد انزاح عن صدرها 0
                   راحت تجتهد فى المرات التالية أن تزيد من كثافة الثياب  لعلها ترد نظراته وأن تبادر إلى المطبخ تصنع الشاى كالريح فتأتيه به لتقصر وقت مكثه لديها ولكن الظنون لا زالت تدور برأسها ذاهبة آيبة وتصرفها فتلاحقها وتشمئز منه وتحدثها النفس ألا تقبل منه بعد الآن مالا وبالتالى ألا تدخله منزلها غير أن الحاجة تغلبها فتصرف أفكارها ممنية النفس أن يكون هذا منه منتهى إربه 0
                   جاء الربيع وكان له أحاسيسه التى طالما يسعد بها الناس و لأنه ربيع يحمل الراحة بعد بؤس الشتاء فقد كانت فَرٍحَةً به كما يفرح الناس لولا ما يمور فى صدرها من أفكار و أحاسيس نحو أخى زوجها ، و لأنه يحمل معه الجمال  كما أنه يكسو الحياة روعة ويزيد الأحاسيس عاطفة فلقد كسا الربيع من ثيابه وجهها نضارة وحلاوة إلى ما عندها أصلا خاصة مع عودة النعمة إليها فصارت كما كانت قطعة من الجمال تذيب المشاعر و تحرك الأحاسيس رغم أنها لا تتعمد أن تبدو كذلك .
                   لقد كان بدويا حسنها ، لم تضف له من عناصر الجمال سوى ماء الوضوء لكنه ذلك النوع من الحسن الذى تراه فتحسبه خالدا لا يزوى جليلا لا يقدر بثمن أخاذا تنحنى له الجباه وتسلم القلوب له أعنتها فإذا هى مقودة له سلسة القياد ، رائعا عندما تنظر إليه تندهش لروعة السحر فيه بل وتندهش اندهاش الوليد الذى يرى الدنيا لأول مرة ولا يغيب هذا السحر إلا عن صاحبته وهى التى كانت تتيه به دلالا على حبيبها فكأن البؤس يغطى بغشاواته كل تلك النضارة و الجمال 0  
                   جاء الزائر الثقيل فى أحد هذه الأيام كما اعتاد وتركت طفلتيها كما اعتادت فى حجرتهما تلعبان كسالف عهدها وخوفا عليهما منه و أدخلته الصالون ورجعت مسرعة هاربة إلى المطبخ تعد له الشاى لينزاح عن صدرها كابوس وجوده معها 0
                   وقفت  وظهرها لباب المطبخ تستحث البراد وكل تفكيرها فى الإنتهاء منه فلم تشعر بدخوله فى خفة و نعومة الثعبان ولكنها سرعان ما شعرت بفحيحه يتسرب إلى رقبتها وجسده وقد التف حولها يضغط ليصهرها ويداه تضمها إليه وبدأت معركة علا أوارها حماسا وهياجا ، هى تدفعه عنها وتتشبث بعفتها وهو يعصرها ليهزم مابقى من كرامتها وهما فى كل ذلك حريصان ألا يعلو صوتهما ليصل إلى الطفلتين لأنها لاتريد أن تريانها على هذا الحال وهو لأنه يريد أن يسرق دون أن يشهد على فعلته شاهد 0
                   ظلت تكابد كثيرا حتى تلبدت سماؤها و أظلمت الدنيا وتحطمت عظامها وهوت إلى جب عميق متصدعة الأركان كشجر نخر السوس جذوره  حتى إذا ما انتبهت وجدته قائما على رأسها يصلح هندامه فقامت مخذولة دون أن تنظر إليه أو ينظر إليها ولكن مشاعرهما كانت تتراوح بين لذة الظفر عنده و آلام الجرح والمهانة عندها وهيهات أن تلتقى مشاعر الوحش بمشاعر الفريسة 0
                   ما أن خرج حتى أسرعت إلى الحمام يغلبها الغثيان و الإشمئزاز محاولة أن تتقيأ عسى أن يخفف ذلك بعض ما تعانيه لكنها آبت خائبة فجلست حيث كانت حيرى مختلة التوازن كسيرة كسيفة البال حزينة مختلطة المشاعر بين جرح وألم على العرض المنهوش وغيظ المكلومة تصبو إلى الإنتقام على غير طبيعتها ، وتدور رأسها و يوسوس لها شيطان الخوف بحاجتها إليه من أجل الطفلتين وتصرف عنها هذا الهاجس لاعنة ذاك المال الذى يأتى من هذا الطريق ويصم أذنيها بقايا كلام مختلط ( تجوع الحرة و لا تأكل بثدييها ) وبين زخم المشاعر المتلاطمة كاد عقلها أن يختلط ، حاولت أن تصرف الأفكار فلم تستطع ، يالِعظَم الجرم وخسة الجانى ، يا لضعفها و حاجتها تلك المُذِلة ، ما أخسر و أفدح أن يصاب المرء فى أعز ما يملك ،  و ليُسقط رب العرش نقمته وليهلِك ذاك الوحش ولتفنى الدنيا بأجمعها مادامت لم تحفظ لها حبيبها ولا عرضها ، ماذا تفعل ؟ وماذا تقول ؟‍‍‍‍!!!
                   غلبها البكاء و النشيج فانكفأت برأسها على قبضتيها و استسلمت لهما ، بكت كما لم تبك من قبل ، بكاء الثكلى ولدها الفذ ، بكت عرضا وجسدا منتهكا و أياما لم ترض لها بفقد الحامى حتى انثنت تأتيها بالذئب ، لم تعرف فيها اللذة إلا ممزوجة بألم ، وبكت زوجا لم تشعر بجانبه بالخوف قط ، زوجا خانها واستسلم للموت فرحل معه دون حتى أن يودعها ، ودون أن يأخذها معه ، بكت ضيعتها مع هذا الخسيس الجبار وبكت ضعفها الذى لم يحمها منه0
                   ظل نحيبها يعلو حتى لفت انتباه إحدى الطفلتين فاندفعت إليها تربت ظهرها وتكفكف بكفها دمعها متسائلة عما بها فتزيد جرحها ، لقد كانت تستطيع أن تخبرها لو أن السبب غير السبب ، آه لو كان قد قطع ما يأتيها به ، لو كان قد ضربها ، أو حتى طعنها ، أو فعل أقصى ما يمكن أن يصنع من الأذى لها غير ما صنع لكانت وجدت ما تقوله لإبنتها ، أما ما فعل فكيف تنقله إليها وكيف تستوعب الصغيرة ؟  وكيف تنظر إليها ؟ بذلت جهدا خارقا لتوقف هذا السيل المنهمر من عيونها دون جدوى فقد تجرعت اليوم من الهوان ما هو أفدح وأعظم من أن تقاوم أحزانها معه واستمرت تنزف مشاعرها وتنهمر دموعها حتى مادت  بها الأرض  وهوت فى جب سحيق لا نهائى الفضاء نحو المطلق 0
                   فتحت عينها سعيدة على أيدى اينتيها تربت خديها و جسدها تناديانها  خائفتين باكيتين تتساقط لآلئ عيونهما على خدها ساخنة سخونة مشاعرهما الحائرة المهتاجة خوفا على الجسد الملقى على الأرض بلا حراك وهما تحاولان استعادتها مما يجهلان كنهه، وفتحت ذراعين واهنين لهما تضمهما إليها محاولة القيام غير أنها لم تستطع فى البداية أن تنهض من رقدتها ثم ما لبثت أن جلست متحاملة على نفسها تمسح دمعها وتحاول أن ترقأ جراحها وتتماسك 0
                   ولت سعادتها التى كادت أن تنسيها ما عانت فأصبحت غير سعيدة وتحولت ابتسامتها للحياة و إقبال الحياة عليها تكشيرة عظيمة وتغضن حزين وعادت تنتظر رأس الشهر بخوف بعدما كانت ترقبه بلهفة ، و أمضها التفكير فيما يجب عليها أن تفعل واستقرت فى النهاية على أن تفعل ما تفعله كل شريفة فى مثل هذه المواقف ، لن تفتح له الباب مرة أخرى ولا يهم أن تجوع أو تموت هى وبناتها ولكنها لن تركع ، كانت كل ذرة فى كيانها تدفع فى اتجاه واحد فلن يمس هذا النذل جسدها بعد الآن وليذهب بأموال الدنيا كلها و الموت أهون من هذا الجحيم و لا بد أن يأتى يوم تنكشف فيه غمة الفقر بعيدا عن هذا الدنس 0
                   جاء رأس الشهر ومعه جاء هذا الخسيس ، دق الباب ففتحت الشراعة تنظر من الطارق فكان هو ، و انبرى بصوته المعدنى الآمر 00
-        افتحى 00
-        لن أفتح لا نحتاج إلى شئ 0
وبنفس الصوت المعدنى الآمر ردد وقد زاد تجهمه وعبوسه 0000
-        قلت افتحى الباب 0
              ولم يجد صعوبة فى إزاحتها عن طريقه ليلج إلى الصالون فقد دخل لا تدرى كيف ، فتحت له كالمسلوب ، ربما الخوف هو الذى ساقها أو ربما الحاجة وعموما انفتح الباب ودخل وقبل أن تفيق من أفكارها كان قد تناولها ونهشها و المشاعر هى المشاعر مابين لذة الظفر و ألم الجرح وتكرر مجيئه و دخوله والمشاعر المختلطة وما يعقبها من ندم وتفكير وفى كل مرة لا تجد فى نفسها إلا الذهول و الخوار فى البداية و الندم و الكراهية والتصميم فى النهاية وبرغم كل ما يحدث فلم تر يوما أحاسيس المرأة و لا الرغبة حين يقع عليها ولم تشعر أبدا إلا بمشاعر المهانة و الذل و الحقارة ولم تكن تتضاءل مثلما تتضاءل فى تلك اللحظة التى يجرعها فيها العلقم و يزداد الأمر يوما بعد يوم ويكبر فى صدرها كرهه وتتضخم مرارتها و تقطع فى نفسها على نفسها عهدا ألا يرى منها بعد ذلك لينا و لا ضعفا ولسوف تدافع عن عرضها الذى استبيح بما يكفى والذى يجب أن يصان وعفتها التى امتهنت  ولسوف يكون اقترابه منها دونه خرط القتاد ، ولذلك فقد انتظرته هذه المرة انتظار النمرة المستنفرة  تحفزا لتدافع عن أشياء كثيرة 00 عفتها التى ضيعت ، وكرامتها المهانة ووفاءها المكسور ونفسها الجريحة وطفلتيها اليتيمتين ، وعرضها المكلوم ، وضعفها المقيت 0
              انتظرته متسلحة بعزيمة ما زالت تشحذها كل هذه الأيام الممزوجة بمرار الذل وحنظل الأذى ، وتزكي لهبها بحقدها عليه و بغضها إياه ، إنه انتظار القالى اليائس من كل ما فى الوجود ، فلسوف تريه من نفسها اليوم عزما لا يلين وعريكة لا تفل وصلابة لا يلينها قهر و لا ضعف وسيرى أنها ليست بذاك الضعف المر ولا بهذه المذلة المستكينة ، لن تسلمه اليوم شيئا ، لا ولن يرى منها ما رآه بالأمس فاليوم له أمره و له عدته 0

              و لأن اليوم غير عادى من ناحيتها فقد كان كذلك من ناحيته ، لقد غير وقت حضوره و بدلا من أن يصبحها فقد اختار أن يمسيها وكأنه فكر فى المبيت لكنه لم يجد ما كان يجد من الضعف ، كان الباب موصدا من الداخل ، ولم تزد عن أن تفتح كوة الباب تسأله أن يرجع من حيث أتى و هو لا ينى يأمرها أن تفتح دون جدوى فلما علم أنها اليوم تريد أن تحمى نفسها آثر الحيلة فانتهز اقترابها لتغلق الكوة ليمد يده الثعبانية فتلتف حول يدها ثم انثنى إلى شعرها يجذبها منه حتى إذا ما آلمها اضطرت أن تفتح الباب لكنها سرعان ما انطلقت إلى المطبخ 00 أقرب باب لها فولجت و تترست بالباب وهو يحاول أن يفتحه وقد ركب الشيطان رأسه و ألهب حماسه وتدافعا وتلاهثا كل إلى مبتغاه فلما وجدت أن قوته ستهزمها لا محالة أسرعت إلى الرتاج فثبتته فى موضعه ثم انثنت تبحث عما تدافع به عن نفسها وتراجع هو كالثور الهائج إلى الخلف يستجمع قواه ومن ثم انطلق إلى الباب يحطم مقاومتها  والباب يتضعضع وهى لا تكاد تبتلع لعابها من فرط التوتر و الخوف و الترقب حتى إذا ما هوى الباب تحت ضرباته هوى معه وهوت هى بساطور فى يدها على رأسه وسقطت فوقه رعبا وهلعا وقد أغشى عليها لتختلط دماؤه و بقايا مخه المتناثر على الأرض  فتصبغ ثيابها باللون القانى وعيون طفلتين واقفتين بجوار باب الشقة المفتوح ترقبانها بإشفاق وخوف وقد امتدت إليهما أيد تُرَبِّت وعيون تشاركهما الشهادة على امرأة تدافع عن نفسها 0 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مسرحية شعرية

  عن حادثة اتهام هند بنت عتبة بالزنا نظم : حمدى عبدالظاهر  المشهد الأول (على المسرح يبدو رجلان يتحدثان مع خلفية كأنها رمل ممتد بخلفي...