الجمعة، 29 يوليو 2022

مايقوما

 

الحلقة الخامسة عشر

رقم إيداع 6-13/2/2016

محاولة

كان استغراب الحاج خليفة شديدا وهو يرى خليلا مقبلا في تلك الساعة المبكرة من اليوم ولكنه استقبله بالحفاوة اللازمة لإستقبال صهره مقدما له الماء ومن ثم الفطور وجلس يسامره دون أن يحاول استطلاع سبب مجيئه فما كان من أدب الضيافة عند الرجل أن يسأل ولو مكث عنده خليل ما شاء أن يمكث وإنما انتظر أن يفصح هو عما أتى به.

راح خليل يتحاذق وهو يقص على الرجل حكايات عن كثير من الناس الذين ألجأتهم الضرورة إلى ما لا يرون أنه مناسب لهم من التصرفات دون أن يحاول التعريج لا من قريب ولا من بعيد بأى من قصصه على مايشبه ما جاء من أجله ولكن الرجل كان لديه من الخبرة ما فهم منه بعض ما يلمح له خليل فطلب إليه أن يدخل مباشرة فيما جاء من أجله ........

- يا ولدى لا تتعب نفسك في كل هذه المقدمات قل ما تريد منى فلعل الأمر ينتهى سريعا بدلا من كل هذا الجهد المبذول.

- الحقيقة أنا جئت ألتمس تعجيل الزفاف فقد جدت ظروف تحوجنى لذلك حيث صار معى ببركة انتصار عقد عمل للسعودية وبين يوم وليلة سوف أسافر فأخشى أن أفوت الفرصة خاصة وأنه بمبلغ مجزٍ يساعدنا أنا وانتصار على تكوين أنفسنا سريعا.

- يا دكتور سبق وقلت لك، أنا لا أستطيع أن أخالف الناس فيما يقوم به الجميع وعاداتنا سيف مصلت على رقاب الجميع ولا ترضى لى يا ولدى أن يأكل الناس وجهى ويعيروننى لأننى خالفت أعرافهم وأنا فيهم ما أنا .. مهاب محترم بل وكبير بما يكفى لأن يصدعوا عن قولى .. لا أظنك ترضى لى ذلك.

- يا عم الحاج أنا لا أريد أن أجبرك على ما ينقص منك ولكن الضرورة والظروف القهرية لها أحكامها وأنا في حالة قهرية أحسبك تستطيع أن تتجاوز بعض الشئ من أجل ولدك خليل.

- بل تستطيع أنت أن تتفق مع المكتب الذى اتفقت معه على تأجيل السفر لبعض الوقت وهذا آخر ما عندى.

ظل خليل ينافح الرجل ويحاول أن يخرج منه بوعد بأن يعجل ولو بعض أيام ولكن الرجل ظل على موقفه فلما يأس خليل منه وفى محاولة للضغط عليه ورغم أنه عاقل بما يكفى أخبر الرجل أنه قد يسافر قبل إتمام الزفاف وسيترك توكيلا لأبيه لإتمام الزفاف إذا ما أزف موعد السفر على أن تلحق به زوجه بعد ذلك .

وهنا جاءت المصيبة الحقيقية فقد انتفض الرجل معتبرا ما يقوله خليل نوعا من التحدى والضغط الذى لا ينبغي أن يكون من هذا الصغير الذى لم يعد يهتم بعادات الناس وأعرافهم، تحدٍ من أجل أن يورطه في مخاصمة القبيلة والإنتقاص من قدره فيها.

- يا دكتورخليل ...أنا ليس عندى بنات للزواج.

- لم أقصد إهانتك يا عم الحاج خليفة ولكن للضرورة أحكام.

- انتهى كلامى إلى هنا أنت تتغدى عندنا وهذا الموضوع منتهٍ.

حاول خليل أن يثنى الرجل عما قال فما أجدى كل ما فعل شيئا وصار الأمر إلى أسوأ مما كان عليه فما كان يحتمل أسبوعا فقط صار الآن ربما لا يحتمل شيئا أو على الأقل إلى أن يرسل الرسل والمصلحين فلسوف يستغرق وقتا ليس بالهين، ورجع إلى انتصار يخبرها بالكارثة فوجدها غارقة في أحزانها فقد اتصل بها أبوها يخبرها أن تقطع كل وشيجة لها به فما عاد لها بخطيب وليأخذ متاعه الذى أتى به ولسوف يرسله إلى أهله في مدنى.

- سامحك الله يا خليل .. تخطئ في البداية وتخطئ في النهاية، أما تستطيع أن تحيا بلا أخطاء وفى حق من؟ في حق أخلص الناس لك؟ في حقى أنا وأنا التي وثقت فيك؟

- أنا ويعلم الله بذلت كل ما أملك من جهد في الحوار بل قد كان ما قلته له في النهاية ذلك الذى أثاره أقصد كان من أجل أن يقتنع بأنه لو خالف شيئا بسيطا من أعراف الناس فلأجل ابنته ومصلحتها.

راحت تندب حظها وبعين زائغة وزفرات حرى ومن خلال دموعها راحت ترجوه أن يفعل شيئا لأجلها، حتى لا تصاب بخزى الدنيا والآخرة فما عاد ما ترجو من أمل موجودا وإنما كلما حاولت أن تجد حلا كلما ضاقت عليها الدنيا فما من أمل ولا نجاة بل يأس محدق وعار لاحق لا محالة.

هي تعرف عناد أبيها عندما يصطدم بإنسان ومادام قد اتخذ هذا القرار فقد قام بإلغاء كل ما كان من إجراءات اتخذها ليدعو الأهل من كل القرى البعيدة والقريبة وحتى لو تم رضاه فلسوف يستغرق ذلك زمنا ليس بالهين بل ولو لم يرض ماذا تفعل، لقد حكم عليها بالموت والعار فلن يثنى أباها شيء عن تزويجها في أول فرصة حتى يقطع الطريق على خليل وعندها ماذا تفعل؟ وماذا تقول لزوج قادم غير مدرك لظرفها ذلك الذى هي فيه؟ وهل سوف تجد لدى هذا الزوج من المروءة ما يستر عليها بها؟ وكيف لو ساومها على أي شيء ...على اعتراف كتابى مثلا يهددها ما بقى من حياتها؟ وهل سوف تتحمل ويتحمل أبوها تلك الفضيحة فيما لو قرر أن يعلن ما هي عليه من الثيبوبة؟ وكيف تعالج هذه المسألة؟

ويبدو أن الحاجة والإضطرار يؤدى فعلا إلى الجنون وإلى أكثر الأفكار والأعمال جنونا على الإطلاق خاصة مع اليأس وانسداد كل الطرق فما يعود للمرء إلا أن يخبط خبط عشواء ما دام لا يملك إلا ما ينتج عن جنون محض، لذلك فقد فغر خليل فاه من شدة الذهول والدهشة مما قالت.

- خليل ...

- حاضر .......؟

- سأطلب منك طلبا أخيرا لعل الخير فيه.

- أنا تحت أمرك!

- نعود إلى الشقة في أسرع وقت وليكن غدا مثلا.

- ما السبب ؟

- تأتى بأدواتك الجراحية وتجرى لى عملية ترقيع.

- إيش؟

- أنت سمعت ما قلته لك.

- ولكن هذا جنون.

- حالتى لا تحتمل إلا هذا الجنون فأنا بينك وبين أبى لن يصيبنى إلا العار.

- لن يحدث شيء.

-           بلى أنا أعرف أبى وأعرف عناده وأعرف أنه ما دام قرر ألا زواج فستجد كل ما أرسلته إلى أبى من هدايا عندكم اليوم أو غدا وسوف يستدعينى ليزوجنى من أول طارق.

- لن يحدث هذا فقد حادثت الوالد هو سوف يذهب إليه.

- ولكنى أعرف أبى وأعرف عناده فلن يرضخ وعندها إذا ما زوجنى بغيرك فسأحتاج لأن أشرح له مصيبتى تلك وكيف فقدت ما فقدت.

- لن يحدث إن شاء الله أنت لى ولن تكونى لغيرى وستحل المسألة اليوم أو غدا.

- قلت لك لا تقضى على بأكثر مما أنا فيه أرجوك حاول أن تستوعب ما أنا فيه.

- هذا خطر ومخالف قانونا أنت تعرفين يا انتصار.

- مخالفته القانونية حينما تكون المسألة للتدليس وأنت تقول أننى لك مهما حدث فلن يكون هناك تدليس فأنت تعرف ما صنعت ولن يكون الأمر غريبا عنك فكل شيء بيدك.

- وماذا نفعل في كون الشقة غير معقمة لمثل هذه العملية؟

- هي عملية لا تستدعى تعقيم إنه مجرد مكان الإبرة وهى ليست بالجروج الخطيرة ... أرجوك!

- أنا أخاف عليك يا انتصار لا تجبرينى على قتلك.

- لقد قتلتنى وانتهى الأمر لم يعد هناك ما يُبكى عليه أنا فعلا ميتة.

- أعطنى مهلة أفكر.

- لقد حسمت أمرى ستجريها حتى بدون تخدير حتى لا تحتاج إلى مساعد لك.

- أنت جننت فعلا .

- هذا حقيقى ..أنا لن أموت وأقصى ما يمكن أن يحدث هو بعض التلوث يعالج بالمضادات الحيوية ومضادات الالتهاب وانتهى الأمر.

- انتصار؟

- أرجوك افعل هذا من أجلى.

- إذن غدا إن شاء الله صباحا جهزى نفسك.

 


الأربعاء، 27 يوليو 2022

مايقوما

 

الحلقة الرابعة عشر

رقم ايداع6/13/2/2016

اتفاق

عاد خليل إلى الشقة صاعدا بعدما أنفتلت منه انتصار فرتب على عجل ما حمل آثار ما حدث ومن ثم خرج مسرعا يحاول اللحاق بها غير أنه لم يستطع فراح يمشى على مهل مفكرا في مخرج من هذه المصيبة التي أوقع نفسه فيها وهو من هو، طبيب النساء الذى تتكشف أمامه النساء عشرات المرات دون أن يتأثر بهن بل ومنهن من تأتى على مظنة المرض فيجدها سليمة وقد تكون جميلة فلا تحرك عنده ساكنا بعدما يرى منها ما يرى وإنما يعتبرها حالة فكيف لم يستطع التحكم في نفسه في الوقت الذى كان أحوج ما يكون لهذا الأمر؟

راح يؤنب نفسه فقد صار اليوم لصا يسطو على ما ليس له، نعم هو لص بكل ما تحمل الكلمة من معنى، لم يرع حرمة ما تمتلكه انتصار وأهلها ولم تحجزه المروءة عن الحفاظ عليها حتى يتسلمها في ذلك اليوم القريب تَسَلُّم المعافى .. المعافى في دينه وعرضه، أما الآن فهو لص حقيقى بل إن لص الأموال قد يكون أقل إثما لأنه يسلب الناس ما يمكن تعويضه أما هو فقد سلبها أعز ما تملك والذى لا يمكن تعويضه بحال من الأحوال بل لم يسلبها وحدها لقد سرق كل من خلفها، أباها ذلك الرجل الذى ائتمنه على ابنته وأمها وإخوتها، لقد سرق وخان كل من يمكن أن ينكسوا رؤوسهم بين الناس لو ظهرت هذه الفضيحة للناس.

نعم هي فضيحة أوَلَيْسا الآن زانيين، نعم زانيين رغم كل ما شحنه الوالد به من نصح إيمانى وما علمه إياه فقد صار زانيا دون أن يدرى و مع من؟ مع تلك التي قرر أن تحمل اسمه في المقبل من الأيام وكأنه أراد أن يصمها ويذلها قبل الزواج، أهذا ما أراده ؟

إن ما صنعه لا يصنعه إلا خسيس، نعم لقد صار خسيسا، أكان ذنبها أن تهتم بالشقة فتسارع إلى إصلاح ما تلف إشفاقا عليه؟  أكان ذنبها أن تفعل ذلك حتى يرتكب تلك الخيانة التي يأنف منها كثير من الحيوانات لا يمكن أن يصف ما فعل إلا بما يجب أن يوصف به؛ خيانة، خسة، نذالة، مروءة ضائعة بل إن ما صنع لا يحتمل إلا أن تجتمع له كل صفات السفالة والحقارة.

ماذا يصنع وكيف يعالج الأمر؟ كان هذا السؤال يلح عليه فهو لا يستطيع أن ينظر في عينيها بل ولا حتى أن يخاطبها مهما كان يحمل الخطاب من أسف وأسى واعتذار فتلك المعانى بالتأكيد لا تجدى إلا مع الهفوات البسيطة أما القتل فلا ينفع معه إلا القتل لأنه أفدح ما يمكن أن يصل إليه الإنسان وما فعله هو لا يقل عن القتل بحال من الأحوال بالعكس قد يعفو الناس عن القتل أما ما كان منه فهو قتل لا يمكن العفو عنه إنه قتل أسرة بالكامل، قتل كرامتها واعتزازها بنفسها وحريتها بل هو قتل أجيال من هذه الأسرة ستظل تحمل العار إلى الأبد فأبوها إلى عار ابنته منسوب وأمها وإخوتها البنين أما البنات فقد انتهى أمرهن إلى غير رجعة، لن يفكر إنسان مطلقا في أن يقترن بإحداهن مهما كان جمالهن فقد أخطأت أختهن ولحقهن عارها وحتى لو كن مؤمنات إيمان أمهات المؤمنين فلن يكفى ذلك ليكف نظرة الناس إليهن وإلا فمن هذا الذى يصيبه عمى البصيرة حتى يرى ابنته وقد صارت خالتها تلك العاهرة البغى لن يرضى أحدهم أبدا أن يشترى نسبا مثل هذا أو أن يصاهر أمثال هؤلاء الناس .

ليته مات قبل أن يحدث هذا على الأقل كانت ستأسى عليه وتحزن على رجلها الشهم ذي المروءة الذى مات دون أن يترك لها إلا كل ما هو عطر من الذكريات أما الآن فلو قدر له الموت فوارحمتاه، سيخلف لها ما لا يتخيل من معانى النذالة والحقارة، ليته مات قبل أن يحدث ما حدث فقد أصاب نفسه أيضا - براءته وطهارته- بل قد أصبح مؤرقا من مصير أخواته البنات وابنته فيما يستقبل من الأيام، أوليس الناس يتحدثون عن سداد الدين في مثل هذا الذنب فكيف سيسدد هو هذا الدين وهل سيسدده هو أو يسدده أبوه.

-         آه مما فعلت! آه مما أنا مقبل عليه، كيف يا رب أرشدنى أنا المخطئ المجرم الذى لن ينجو بما فعل !

مكث ليلته كلها يمضه الألم ويشقيه الندم ويأكل حواسه الحزن وكلما حاول أن يجد حلا تشتتت حواسه كلها وتضعضت المعانى لديه فما يستطيع أن يخطو خطوة نحو الحل خاصة وهو يعلم تمام العلم أن باب قلبها بالتأكيد أوصد الآن وإلى إشعار آخر ربما لن يكون قريبا .

ما أن علت الشمس إلى الحد الذى يذهب الناس فيه إلى أعمالهم حتى انتفض من تناومه الذى كان والذى لم يستطع أن يجلب له النوم وارتدى ثيابه على عجل متوجها إليها يطلب عفوها ويفكرا معا في حل لمصيبتهما تلك، لكنه وجد منها ذلك الصدود الذى جعلها تصده صدا شديدا، ورغم فداحة المصيبة وحاجتها إلى حل سريع لها لأنها هي الجريحة المكلومة إلا أنها وكقذيفة مدفع صدته دون حتى أن تفكر فيما هو واجب نحو نفسها وأنها كان حريا بها أن تتروى لتصيب من بقايا مروءته ما يوجد لها به حلا سريعا فلما وجدت إلحاحه طلبت إليه أن يمهلها ساعة لعلها تستفيق من غيبوبتها الذهنية.

وجاء بعد ساعة كما طلبت وكانت قد بدأت تستفيق مما هي فيه فوجدها وقد ارتدت ثيابها متهيأة للخروج معه أما إلى أين فلم يعد مهما مع ما صيرها إليه أن تسأل عن المكان فأى مكان في العالم لن يكون أسوأ من تلك الشقة الملعونة التي أضاعت فيها كل ما تملك.

انطلق بها خليل إلى أحد المتنزهات النائية هناك في أقصى الجنوب من المطار حيث لا يرتاد الناس المكان كثيرا في مثل هذه الساعة من اليوم وحتى يبتعد عن زحام المطاعم وضيق أماكنها الذى يجعل الناس تعيش معا حيث كل حديث هناك مسموع لذلك كان لا بد أن يختار هذا المكان لأن حديثه لم يكن ينبغي أن يكون مسموعا.

انتحى بها إلى طرف المتنزه حيث لا يمكن أن يصل صوتهما إلى أحد وراحا يتهامسان دون أن يستطيع أحدهما أن ينظر إلى الآخر فقد صارا الآن غريبين، فى مشاعرهما وأحاسيسهما واتجاهات تفكيرهما وإن توحد المفهوم النهائي لكليهما على أن ما حدث خيانة للأمانة التي وضعها الأهل في عنقيهما وأن هذا الوضع يجب أن يتغير أما كيف يمكن أن يتم الإصـلاح فهذا ما لم يعلمــا له كيفية .

راحت تطالبه بأن يعجل أمرهما وأن ينطلق إلى أبيها يستجديه ولو بالكذب أن يعجل الزواج قدر المستطاع فيكون غدا أو بعد غد والحقيقة أنه يعرف تماما أن هذا الأمر يكاد يكون مستحيلا خاصة أن والدها بدا له متمسكا بالموعد الذى حدده له بل وقد يثير شكوكه طلبه بالتعجيل وماذا لو رفض الرجل واعتبره طائشا؟

أصرت أن يتوجه في الغد إلى أبيها متضرعا مترجيا عسى أن يوافق ولديه حجة يمكن أن يستند إليها، إنه ذلك التعاقد السعودى الذى هو مقبل على إنجازه مما يجعل التعجيل أمرا اضطراريا يحتاج إليه حتى يستطيع أن يدخل بعروسه ومن ثم يتمم إجراءات سفرها إليه بعد شهر من سفره أو حسبما يستطيع تدبير ظروفه هناك، لقد كانت ترى أن أباها لن يرفض وأن مصلحة زوج ابنته المستقبلي سوف تملى عليه أن يوافق كيف لا وهو يريد فائدتيهما.

حاول أن يفكر معها بطريقة أخرى لكنها لم تستجب فصدع لها بما تحب ومن ثم مضيا دون أن يفكرا حتى في تناول إفطارهما معا رغم أن موعد الإفطار كان قد أزف منذ فترة دون أن يشعرا، وفى المستشفى استطاع خليل أن يقنع مدير المستشفى بالسماح له بإجازة لترتيب أمور الزواج ومن ثم الزواج وشهر العسل.


الثلاثاء، 26 يوليو 2022

مايقوما

 


 الحلقة الثالثة عشرة

رقم الإيداع 6/13/2/2016

أرق

راحت تلملم شتاتها المبعثرة منكسرة باكية فقد ألمت بها المصيبة، المصيبة بكل ما تحمل من معنى، هي تعلم أنها فقدت ما هو أهم من أبيها وأمها، بل ما هو أهم من الدنيا بأسرها، لقد فقدت اليوم ما لا يُفقد إلا بشرف، ولقد أيقنت أنها كانت جد غبية مغفلة أن ترضى أن ينفرد بها مهما كان الداعى، فلتذهب الشقة إلى الجحيم بل وليذهب هو وكل العالم إلى الجحيم وما عليها لو لم تتطوع، ولو لم تنصلح هذه الستائر، أيمكن؟! أيمكن أن تفرط بهذه السهولة وهى التي كانت تعمل لهذا اليوم ألف حساب، فما بالها تصيبها هذه الخيبة التي تحملها على الثقة في نفسها وفى غيرها مهما كانت طهارة الدافع، اليوم حق لها أن تبكى على نفسها التي ماتت؛ ماتت حقيقة فلم يعد لها بعد اليوم أن ترفع رأسها ولا حتى في وجه خليل رغم أنه السارق وأنها الضحية، لم يعد لها ما تفخر به فالخطب جلل، جلل بحق، ماذا تفعل فيما حدث؟ وماذا يمكن أن تقول لأهلها؟وكيف عساها تحترم نفسها؟ ولِمَ لَمْ تأخذ حذرها بشكل كاف؟ وهل كان لا بد أن تقوم بدلا من عامل غبى قصر في أداء مهمته لتوفر لخليل عاملا ؟ لقد ضيعت اليوم كل شيء ... نفسها وأهلها وشرفها؟ قد تستطيع أن تجبره أن يرقع لها ما فضه اليوم ولكن هل تستطيع أن تجبره أن يعيد نفسها التى ذبحت؟ وكرامتها التي أهدرت؟ هذا الذى حدث لو كان حدث بعد سبعة أيام من الآن لكان سبب أعظم سعادة تجنيها في حياتها أما وقد حدث اليوم فقد صار أكبر مذلة من الممكن أن تتعرض لها امرأة مسلمة، إن الإحساس بالهوان الذى تشعر به الآن لم يخطر على بالها قط، ولم تظن أبدا أنها ستصاب به وهى المتدينة الحريصة التي تخاف من جرح النسيم لمشاعرها فما بالها وقد ذبحها ريح المعصية والخيانة؟!!

نعم خيانة؛ خانت نفسها أولا وخانت أهلها ثانيا وخانت ربها ففرطت فيما لا ينبغي أن يُمس دون اهتمام أو حرص، لقد وثقت فى صاحبها وفى نفسها، هى لا تستطيع أن تلومه وحده فما رآه منها ربما كان أكبر من قدراته على الصبر ولكنها كانت تملك الكثير من الفرص لكى توقف هذه المحنة، كان يمكنها أن تدفعه بعيدا عنها ولكنها استسلمت، كان يمكنها أن تضع يدها على شفتيه لتمنع قبلاته ولكنها خافت على مشاعره فاستسلمت، كان يمكنها ألا تمكنه منها ولكنها استسلمت وبرغم أنها لم تشعر بمتعة إلا أنها استسلمت، استسلمت، استسلمت فهى الجانية أولا وهى الجانية ثانيا وثالثا ورابعا، هى الآثمة وهى التي تستحق القتل وإن كان من شيء عليه فلن تلومه أبدا فهو رجل وله مشاعر أججتها هي فجنت عليه وعليها.

ولكنه لم يكن كذلك فقد انكسر هو أيضا وبرغم أنه لم يبك كما تبكى إلا أن قلبه كان ينزف نزفا لا يقف، لقد جلس مكانه صامتا وقد وضع رأسه بين كفيه المرفوعين على ركبتيه وراح في هم طويل، لم يستطع أن ينظر نحوها وهى تلملم بعثرتها فما عاد يقوى على ذلك وهو الذى سرقها وحطم أملهما في السعادة، لم يجنِ مما فعل إلا الحزن والألم، وما حصل ولو كان نذرا يسيرا من لذة فما حدث منه لم يكن متعة بقدر ما كان انسياقا وراء شيطان كان كل همه أن يفسد عليهما باقى حياتهما وقد نجح، نجح في أن يطيح بكل عقل وعاطفة لديهما إلا من تلك اللوثة التي خلفت ألما وخزيا لكليهما وعارا تشتد وطأته عليها أمام نفسها وأمام الناس لو هتك الستر وكذلك هو، فعار الخيانة لا بد أن يصيب الجميع ولا بد أن يفتضحا جميعا .

ترى كم من الآلام سوف يجنيانها معا؟ وكم عليهما أن يحصدا فيما يستقبل من حياتهما؟ هل سيستطيع أن يملأ عينيه من عينيها في يوم قريب؟ وهل ستكون ليلة الزفاف بالنسبة لهما ليلة سعادة؟ لقد ضاعت الفرصة، ضاعت إلى الأبد فرصة أن يشعرا بالسعادة فستظل نار ما حدث اليوم تؤجج حياتهما ما بقيا دون أن يستطيعا منها فكاكا؟ بل لن يستطيع أن ينظر في عينى أبيها ولا أخوتها ولن يستشعر أبدا اطمئنانا في وجود والده الذى ما نسى يوما حديثه إليه"يا ولدى أعطيتك كتاب الله وحسن الخلق، يا ولدى أعطيتك كتاب الله وحسن الخلق".

مد يده إليها صامتا خجِلا واهنا يريدها أن تقوم ولكنها لم تر تلك اليد الآثمة ولو رأتها لما استجابت فقد استجابت كثيرا قبل ذلك فما كان نتيجة تلك الاستجابة إلا هذا العار الذى صارت تحمله، ذلك الإثم العظيم الذى صار يجللها ويغشيها كسحابة سوداء في ليلة مظلمة غاب قمرها فما عاد لها ولو بصيص ضوء، وما عاد لها أن ترى لا فيها ولا بعدها ما كانت توطن نفسها على أن تحياه وتضفيه على من حولها من سعادة كانت تقدر أنها سوف تدوم وتفيض على كل من يحيط بهما حتى من السابلة ولكنها الآن لم تعد تملك حتى الأمل في هذه السعادة فقد صارت دون أن تدرى تلك العاهرة التي تفتح الباب عند أول طرقة، نعم هي كذلك وإلا لما رضيت من البداية أن ترتاد الشقة حتى ولا مع دهب.

قامت تعتمد على يديها وركبتيها حتى لا يتكشف منها مزيد من جسد تم انتهاكه كأفدح ما يكون الانتهاك وراحت تلملم حولها ما بقى من قميصها وتدارى ما نزف من دمائها وما احتل وجنتيها وعينيها من بقايا ما نزف من دموعها ومن ثم دخلت الحمام ورتبت هندامها وخرجت إلى الطريق مهرولة؛ إلى حيث ما سيغمرها من ظلام حالك فى نفسها قبل ظلام الطريق واللذان لم تعد ترى معهما جسدها المسلوب ولا روحها الجريحة.

راح يناديها وكأنه يرسل صوته إلى الفضاء اللانهائى فينفصل عنه الصوت دون أن تسمعه هي وكأنما أصابها صمم لم تعد معه تعى شيئا على الإطلاق ركض خلفها ولكنه مع اجتهاده في إدراكها لم يستطع ومع خوفه أن يلاحظ أهل المكان ما يحدث من محاولته اللحاق بها فيطلعون على شيء يريد أن يخفيه فقد آثر التوقف وتركها تمضى.

وصلت إلى السكن وانفلتت إلى السرير تحتضن حزنها البارد وتختنق بمآلاتها القادمة  وتتقزم أمام نظرات البشر، كل البشر حين يرونها ويرون على وجهها علامات ما ارتكبت حزنا ومذلة ومهانة وإحباطا، فهى لن تستطيع بعد اليوم أن تُرِى وجهها الذى كان مشرقا بشوشا للناس خاصة دهب تلك المسكينة التي خُدِعت فيها وأولتها ثقة أكثر مما يجب على مظنة أنها أهل لحماية نفسها فإذا بها تضعف عند أول الطريق .

ظلت تكافح الأرق كل ليلها في محاولة لاستجداء النوم حتى تهرب من تلك العذابات المضنية ولكنها لم تستطع بل ظل نومها يتأرجح بين وجه أبيها ذلك الشيخ العظيم الذى ربى وهو يرى أنه أحسن فيما فعل؛ كيف به عندما يعرف أن صغيرته تلك التي حصنها طوال عمره بطاعة الله في نفسه وهو يكرر على مسامعها ومسامع أبنائه جميعا تلك العبارة التي ورثها كابرا عن كابر "كما تدين تدان"  ثم يشفعها بقوله :

-          أنا ما عصيت ربى أبدا على رجاء الأجر وحفظ أبنائى.

راحت تفكر في نفسها أنه كان يرى أن حفظ نفسه وحده يكفى، ولكنها رأت اليوم أنه ضيعها حين تركها وحيدة وهى لا تدرى من خبرات الدنيا ما يعصمها، لقد ألقاها دون تحصين، شاء أو أبى هو شريك لها في هذا الإثم، ولكنه لم يعص الله فمن إذن الذى عصى أهو كما يقولون سابع جد؟ ربما لكن أباها لا يستأهل منها أن تمرغ وجهه في التراب ليعصى الله سابع جد فما ذنب أبيها ؟

ظل نومها يتأرجح بين وجه أبيها وذلك الوجه الثانى إنه وجه أمها تلك المرأة التي سيقع عليها كل اللوم بل والتي ستقف معها أمام محكمة العائلة وأمام العاصفة التي ستتلقيانها من أبيها بينا هي لا ذنب لها، كل ذنبها أنها أمها ... أم هذه الخاطئة المفرطة، كل ذنبها أنها وقفت في وجه الحاج خليفة تطالبه بمنحها فرصة للتعليم وهى ستحافظ على نفسها ولكى تيسر له الأمر أشارت عليه بسكناها مع تلك القريبة التي تعيش في الخرطوم.

هذه المرأة المسكينة التي طمحت يوما في أن تغير مصير ابنتها ليكون على ما تظن أفضل من حالها هي ومادرت أنها ستجلب كل هذا العار، نعم ستقفان أمام الحاج خليفة كتلة واحدة في حمل هذه المصيبة ولن تسلم حتى أمها من اتهام أبيها لها من باب "أكفئ القربة على فمها تصير البنت لأمها".

وتحاول المسكينة أن تخفف على نفسها البلوى فتتخيل أن الباقى بعض أيام قلائل تستطيع أن تدرأ الفضيحة بالزفاف وهو لن يتخلى عنها أبدا ولكن يعود مع ذلك عقلها ليفترض موته بسكتة كما يحدث للشباب والكبار هذه الأيام أو حتى بحادث فماذا تصنع؟ ماذا تصنع بعدها؟ وهنا يعصر بطنها الألم فتتلوى منه ويزداد وجيب قلبها واضمحلال أملها في النجاة بفعلتها.

راحت تتخيل الحلة والناس فيها يمضون ضاحكين مبتسمين لا يشغلهم شيء بينما أبوها لا يجرؤ على الخروج من البيت وقد ألمت به الفضيحة فإذا ما ألجئ للخروج خرج منكسا أسيفا على ما أصابه وهو يعانى من كى القفا من نظرات الناس وهم يلاحقونه بنظرات الاحتقار وربما يكون أحدهم قد أصابه مثل ما أصاب أباها ولكن الله ستره غير أنه لا يعذر حتى يظهر بمظهر الشريف العفيف.

ويمضها الألم وهى تبحث عن الفرق بين رجلين فى المجتمع أحدهما أبوها، لكل منهما ابنة والثنتان حبليان إحداهما من الزنا وسيذهب الجميع إلى الطبيب للتأكد فكيف سيكون سيرهم جميعا؟ فأما أحد الأبوين فسيسير مرفوع الرأس يتباهى بابنته التى سيرزقه الله بها حفيدا يتسلى به فى شيخوخته، وتزداد به عزوته وكل تفكيره فى كيفية رعاية هذه الإبنة فإذا ما التقاه أحد من الناس يسأله إلى أين؟ فسيدعى الخجل وهو يجيبه إلى الطبيب يبدو أن الله سيرزقنا حفيدا، فيتضاحكان فى حين يتلقى التهنئة من صاحبه وأما ابنته فسيكون شغلها الشاغل أن يتأكد حملها لتفرح ويفرح زوجها وأبوها.

           بينما الآخر الذى هو أبوها ويا ويلها، منكس الرأس خجلان خائف من أن يراه أحدٌ من الناس، مهموم يصور له خياله برغم عدم ظهور حمل ابنته أن الناس كلهم يرون بطنها ويعلمون أن فيه بذرة حرام يتمنى لو انشقت الأرض فابتلعته وابتلعتها وكل تفكيره فى كيفية العرض على الطبيب وماذا يقول له وكيف يتخلص من هذا العار وما الوسيلة لإخفاء هذه المصيبة ومن يدله على الجانى ليأكل كبده ثمن إذلاله له هذا الإذلال، هذا إذا كان سيسير معها أصلا إلى الطبيب وأما هى فمصيبتها أكبر من أن تسعها الدنيا جميعا وهى تتأرجح بين مخاوف عدة؛  أن يثبت الحمل فتتأكد المصيبة، ثم ماذا سيكون مصيرها بعد ذلك، وكيف سيعالج أبوها وأهلها من الذكور هذه المصيبة؟ وهل يمكن أن تنشق الأرض فعلا وتبتلعها؟

        إذا سَلِمَت الفطرة فلا يقبل امرؤ أيا كان أن يُثلَم عرضه ولو بنظرة، أما الفطرة المريضة المنتكسة فهى التى تقبل هذا النوع من الحياة، وقد اختلط فيها الحابل بالنابل ويتطرف الناس فى تعاملهم مع هذه الفعلة ولكن المرأة فى النهاية هى الضحية؛  أولا حين زنت وثانيا حين تقرر القبيلة أو الأسرة  التخلص من عارها بالقتل.

أمضها الألم والحزن وهدها حتى ما تكاد تنهض من سريرها حتى الصباح مما أضفى على وجهها وشاحا قاتما جعلها كالأشباح وما استطاعت أن تقوم بعملها فبقيت في مكانها بعدما أبلغت دهب أنها لن تنزل اليوم للعمل .

ظلت هكذا بلا راحة ولا طعام حتى أتاها خليل يستدعيها ليخرجا سويا ليريا حلا لهذه المصيبة فأمهلته ساعة لتفكر في الأمر ومن ثم تعطيه جوابها.

مسرحية شعرية

  عن حادثة اتهام هند بنت عتبة بالزنا نظم : حمدى عبدالظاهر  المشهد الأول (على المسرح يبدو رجلان يتحدثان مع خلفية كأنها رمل ممتد بخلفي...