الاثنين، 8 أغسطس 2022

مايقوما

 


   الحلقة العشرون

رقم إيداع 6-13/2/2016

السفر

كانت البداية من السهولة بمكان وقد اتخذ المزعمى طريق أبها الدرب وهو طريق جيد وعليه خدمة جيدة وكان جميلا يستهوى محبى المغامرة والطبيعة فقد انطلق متعرجا لكنه طريق به ما يلفت الانتباه في صعوده حينا وهبوطه حينا وتعرجاته تلك التي لا تنتهى ولقد كان المزعمى من الجلد بحيث قطع نصف المسافة على الطريق دون أن يستريح اللهم إلا لتناول الإفطار والغداء وبعض المشروبات أثناء الطريق لكنه لم يتوقف عن القيادة دون أن تطرف له عين، لقد كان رائعا في قيادته ولكنه وفى منتصف الطريق تنحى عنه يسارا ليبدأ رحلة السفر إلى جيزان إلى حيث الحدود اليمنية وانطلق بالسيارة قائلا:-

-         قطعنا نصف المسافة يا رجال أبشروا!

تعجب خليل من كلامه وكأن الرجل يناقض نفسه وإلا فكيف يقول قبل بداية الرحلة أنها ستستغرق يومين وها هو نصف الطريق في بضع ساعات من النهار مما حدا به إلى السؤال ليقطع حيرته.

-  كيف يا رجل تقول نصف المسافة وقد أخبرتنى أن الرحلة تستغرق يومين؟

- يا خبير أنت لم تعجم النصف الآخر بعد؟

- كيف؟

- بمعنى أنك تجهز ظهرك يا صاحبى ومعدتك لباقى الطريق ستفعل بك السيارة كما تفعل العجوز بقربة اللبن.

- والسبب؟

- سنترك الرصدة إلى  التراب يا صاحبى .

إذن هذا هو الأمر، سيترك الرصدة التي هي على ما يبدو طريق الزلط إلى حيث ينزل إلى التراب والطرق المعبدة أو ذات المدقات وهو ما سيكلفنا المشقة وطول المسافة.

- فهمت تقصد الزلط  !

- وما هو الزلط هذا ؟

- الطريق المرصوف يعنى الأسفلت!

- هو هذا يا صاحبى وهو ما سنظل عليه بعد حوالى خمسين كيلو من الآن فجهز نفسك وسنبيت إن شاء الله في إحدى قرى الجنوب ثم وفى الصباح إلى سوق العفرة في شهارة.

- وما هي شهارة ؟

- أول جبال حقيقية تقابلك في اليمن، محافظة صعدة والله المستعان.

وران الصمت من جديد على السيارة إلا من بعض أحاديث جانبية بين كل اثنين في السيارة عن هموم الوطن وأفراح العودة وحرب المخربين في الجنوب وما فعل الشيوعيون في تعز وذمار، ولكن شريك خليل لم يجد من خليل ذلك المستعد للحديث ففضل الصمت على غير عادة اليمنى في حب المعرفة، غير أنه لم يستطع أن يواصل الصمت بعد كل تلك المسافة فقد كان قبلا يقطع الطريق بالتعجب والمشاهدة لما في طريق أبها الدرب أما الآن فالمناظر غير مغرية بالفرجة.

- يا أستاذ ..مااسمك ؟

- خليل (في اقتضاب شديد).

- ومالك يا أخى ساكت هكذا؟

- أنا تحت أمرك.

- أنت تعمل في السعودية؟

- نعم أنا طبيب.

- أين ؟

- في أبها .. قرية من قرى أبها.

- وما جابك لليمن، قصدى ليش تسافر لليمن ؟

- ظروف خاصة في بلادى.

- وما هي؟ ما تلك الظروف التي تلجئك لهذا السفر؟ وبهذه الطريقة؟

صمت خليل ولم يجب الرجل فالأمر لا يصلح له، وما يجره إليه ليس من شأنه ولكن فضول الرجل كان أقوى من أن يصمت فأعاد السؤال ولكن خليلا فضل أن يعلمه أن الأمر لا يحتمل أن يحكيه.

- يا أخى ظروف شخصية خاصة بى أنا، يعنى أمور في بلادى تحتاج إلى وجودى هناك في ذلك الوقت.

- يعنى سر لا تريد أن يطلع عليها أحد؟

كان المزعمى ينصت إلى الرجل وهو يلح هذا الإلحاح على خليل فشعر بحرج خليل الشديد مما يفعله به صاحبه اليمنى فانبرى له.

- يا خبير خلِّى الرجّال مالك أنت وماله ؟

- يا أخى أنا أتعرف عليه فقط ما قصدت شيء.

- ولكنك تلاحظ أنه لا يريد أن يجيبك فاصمت أفضل لك أو تحدث في شيء آخر.

- كان ناهى ( استجابة باللهجة اليمنية) يا صاحبى.

ومضت الرحلة بهم جميعا إلى حيث قطعوا كل الطريق الأسفلتى والذى انحدروا منه إلى طريق جبلى معبد حينا وحينا لا يوجد به إلا مكان إطارى السيارة وجزء مرتفع بين الإطارين أخذ يتلوى بالسيارة وهى تحاول التوازن عليه قدر المستطاع حتى لا يضرب أسفلها ومن رحمة الله أن السيارة من ذوات الدفع الرباعى  لذلك كانت مرتفعة في الوسط فهى مجهزة لمثل هذه الطرق.

وبرغم أن الطريق إلى حيث يريدون يغلب عليه الأسفلت إلا أن هذه المناطق بالذات تعتبر من المناطق شبه الحدودية لذلك لا يعدم الأمر من احتمال التقائهم بدورية أمنية قد توقفهم لذلك كان إيثار المزعمى لإستخدام الطرق الترابية حتى يتجنب المفاجآت.

وصل أخيرا بعد العِشاء ومن ثم انطلق إلى منزل الحاج صالح إلى حيث يبيت فهذه المنطقة يغلب عليها الطبيعة البدوية بمعنى أن الإيواء فيها للمسافر ضيافة مما يحدو بالمسافرين من أهل اليمن من هذه المناطق أن يتعرفوا جيدا على المواطنين في المنطقة معرفة شخصية.

وفد المزعمى ورجاله إلى بيت الحاج صالح وقد أخذ منهم التعب كل مأخذ لكن الرجل قام بخدمتهم على أكمل وجه رغم تأخر الوقت مع طبيعة أهل الريف التي تلجئهم إلى النوم مبكرا في هذه المناطق .

لم يكن الحاج صالح من الذين يبحثون كثيرا فيما خلف ضيوفهم ولكن التعارف لا بد منه ولقد لفت انتباهه خليل ذو التركيبة الجسدية والوجه الذى لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون يمنيا.

- الأخ يمنى شمالى أو من نواحى حضرموت؟

- لا من هذا ولا ذاك (رد المزعمى).

- فمن أين ؟

- سودانى.

انتبه الرجل إلى إجابة غير متوقعة فما بال السودانى يأتي إلى السعودية ومن ثم اليمن، كان الأمر غريبا وكان يجب أن يعرف ما وراء ذلك وإلا فما الذى يدعو سودانيا لأن يسير إلى اليمن وهو يعمل بالسعودية.

- ومعك إقامة سعودية يا أخ خليل؟

- نعم.

- فلماذا إذن تسافر إلى اليمن وهل معك جواز سفرك؟

- الحقيقة ليس معى جواز سفرى!

- إذن هذه مخالفة كبيرة وأين هو جواز السفر؟


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مسرحية شعرية

  عن حادثة اتهام هند بنت عتبة بالزنا نظم : حمدى عبدالظاهر  المشهد الأول (على المسرح يبدو رجلان يتحدثان مع خلفية كأنها رمل ممتد بخلفي...