الأحد، 7 أغسطس 2022

مايقوما

 

  الحلقة التاسعة عشر

6-13/2/2016

تدبير(تتمة الفصل)

لم يفكر حتى في الراحة إلى الصباح وإنما استأذن صاحبه للنزول إلى المدينة لعله يستطيع تدبير أمره في أسرع وقت ممكن وبالفعل عاجل إلى أول سيارة تسافر إلى المدينة فانطلق معها.

وهناك التقى هجو الذى اندهش أولا لرؤيته في ذلك الوقت، وثانيا لما وجده يطلبه منه وكأنه يطلب الغول والعنقاء فهو لم يطرق هذا الطريق قبلا مع أحد من مواطنيه ولم يفكر فيه قط لأنه لم يتعرض حتى إليه في وقت من الأوقات، كما أن خطورة الأمر لن يتعرض لها خليل وحده لو انكشف أمره وإنما سيكون هو شريكه فالمسألة في منتهى الخطورة وهو لم يسبق له التعامل مع اليمنيين في أمر بهذه الخطورة ولا يدرى إلام سيؤول أمرهما لو لم يستوثق من صاحبه اليمنى .

حاول خليل مع الرجل لكنه أبى بل كان كحائط صد منيع يرد إليه كل فكرة وكل محاولة لاستمالته ككرة المطاط حتى آيس خليل منه تماما مع إيمانه بأن الرجل يحاول مساعدته ولكن المساعدة هذه المرة قد تأتى عليه هو نفسه وهو الذى عاش في السعودية أمدا بين المواطنين من كلا البلدين فكان أهلا لثقة الجميع وحبل وصل بين الجميع خاصة أن ما ينشأ من نزاعات بين المغتربين على أرض السعودية وبين السعوديين لم يصل إلى ما يريد خليل أن يوصله إليه عن طريقه .

لم يطق خليل ما هو فيه من حال يكاد يصيبه بل أصابه بإذلال شديد وهو يرجو الرجل وهو الذى لم يرج أحدا قط طيلة حياته أنفة من مثل هذا الموقف، ولولا ماهو فيه وما انتصار فيه من وضع يفقد المرء اتزانه، لما وصل إلى هذا الحد من الإلحاف فى الطلب، فغلبه في نفسه القهر فانفجر باكيا مما لفت انتباه الأستاذ هجو إلى أن هناك شيئا ما عند هذا الشاب قد يكون يخفيه ولكنه آثر الصمت حتى يعود إليه ذهن جليسه بعدما ينتهى من انفعاله هذا.

أخيرا وبرغم أنه توقف كثيرا حياءا وحرصا، لم يجد خليل مناصا من البوح بما يقتله كل يوم إلى هجو فلن يجد حلا لمشكلته تلك بغيره من البشر وهو رجل كبير عاقل ولابد أن لديه كثيرا من أسرار مواطنيه مثل ما عند خليل وما دام حاز ثقتهم إلى هذا الحد فلا بد أن يكون أهلا للثقة، نعم سيبوح له ولن يجد عنده خيانة إن شاء الله بل سيعينه ذلك على أن يكون أكثر تضحية وأشد مروءة.

وانزعج هجو انزعاجا أذهله عن أن يتكلم فبقى واجما لوقت طويل مطرقا إلى الأرض ينكت بعود معه وقد أذهله غِلَظ ما يسمع فلم يكن يتصور قط أن يكون هذا الشاب الذى لم يلحظ عليه سوى الصلاح منذ رآه على هذه الأخلاق التي تنسى صاحبها عزائم المروءة أيا كان ما يجنيه من مقابل التخلي عن مروءته، لم يكن يظن أصلا أن يرتكب مثل هذا الشاب المتدين ما ارتكب من الإثم وهو المصلى والذى يحكى له عن نشأة لا يمكن أبدا أن تردى صاحبها إلى هذا المستنقع.

-           ولكن يا أستاذ هجو يعلم الله أن ما ارتكبت لم يكن إلا غلبة شيطان لنا، لم نتعمد ولم ندبر ولم نخطط، ولم يكن لى ولا لها ويعلم الله قبل ما حدث أي سقطة يمكن أن نقول أننا استسهلنا معها ما حدث.

-           لكن يا ولدى أنت تعلم أنها بنت ناس، وتعلم أن ما كنتم عليه خلوة، وتعلم أن الشيطان كان بينكما!

-           صدقنى، لم يدر بخلدنا ما حدث ولو دار لما أقدمنا على الوصول إلى الشقة.

-           على أي حال دعنا لا نبكى على اللبن المسكوب.

ولانت عريكة هجو رغم ما يعلم من خطورة ما هو مقبل عليه وقرر أن يفعل شيئا فالمسألة لا تحتمل إلا أن يفعل شيئا لهذه المسكينة حتى ولو كان على حسابه هو شخصيا وليكن ما يكون .                

-           اسمع يا دكتور ...أنا أعرف شيخ اليمنيين هنا ، نعم أعرفه وسأستشيره وهو رجل ثقة ، إن شاء الله لن يشى بنا حتى ولو لم تعجبه الفكرة . 

مر يومان قبل أن يتصل هجو بخليل يستدعيه إليه ولكنه كان يحمل إليه بشرى سارة فقد وجد بغيته عند شيخ اليمنيين بالمنطقة لقد رتب له لقاء مع الدليل الذى سيقوده إلى صنعاء مباشرة بل إن هذا الدليل لم يطلب مالا لأنه هو نفسه مسافر إلى أهله ولن يكلفه سوى تكلفة رحلته الشخصية معه راكبين مترافقين.

كان كأنما يلقى طوق النجاة لغريق بلغ به اليأس مبلغه فكانت فرحة خليل بما حمله إليه من أخبار طاغية للدرجة التي أنسته كثيرا من معاناته السابقة بل قد نسى نفسه فتعلق برقبة الرجل يقبل رأسه شاكرا باكيا فلم يعد يشعر بحرج من البكاء بين يديه وقد بكى أولا.

ترافق الرجلان إلى الدليل الذى سلم عليهما بحرارة وجلس إليهما يرتبان أمر الرحلة.

-           أنا حميد ..حميد المزعمى من صنعاء وأنت ؟

-           أنا هجو وهذا دكتور خليل.

-           أهلا وسهلا.

وراح المزعمى يصف لهما الرحلة التي بدت سهلة في بعضها خاصة ما كان منها في سهول السعودية، صعبة في مراحلها الأخيرة والتي ستكون فوق جبال صعدة حيث وعورة الطريق لأنهم لن يسيروا بعد ذلك في طرق كالطرق، وإنما هي غالبا طرق مجازا منها المعبد ومنها غير المعبد.

-           نحن الآن في منطقة أبها في الجزء الشمالى منها سننطلق جنوبا حتى جيزان في الجنوب الغربى ثم إلى صعدة اليمنية وبين المنطقتين هناك ممرات آمنة لنا عبارة عن دروب غير معبدة هي التي سندخل منها إلى اليمن فإذا ما تركنا السعودية خلفنا فالأمر بسيط حتى صنعاء.

-           كم ساعة سوف تستغرق هذه الرحلة؟

وهنا ضحك الرجلان هجو والمزعمى من سذاجة صاحبهما فالمسألة غير ما يظن تماما.

-           يا صاحبى ليست السعودية واليمن كمصر والسودان الناس هنا تقطع المسافات بين المدن بالطائرات لبعد المسافة ونحن سنركب سيارات وعلى التقريب معك يومان.

-           على بركة الله وكم ستتكلف من الأموال مع العلم لن يكون معى سوى الإقامة يعنى ستكون حركتى بدون جواز سفر ؟

-           أنا أعلم وعلى كل حال ستتكلف تقريبا حوالى ثلاثمائة ريال بما فيها الرحلة والطعام والمبيت في الطريق والسفر الجمعة القادم إن شاء الله .

-           على بركة الله.

-           اسمع .. لن يحدث إن شاء الله أن يقبض عليك لكن إذا حدث فأنا لا أعرفك وإنما أنت راكب رحالة وجدناك فى الطريق لا نعرف ما تبغى.

-           إن شاء الله.

أخيرا انتهت العقبة الأولى فيما هو مقبل عليه وبقيت عقبة المال فهو لا يملك الكثير من المال للسفر إلى اليمن ومن ثم إلى الوطن ولكنه لم يتعجب كثيرا من فطنة هجو الذى أخذه معه إلى منزله ومن ثم قدم إليه ألفي ريال.

-           أعرف أنه ليس معك مال يكفى اقبلها هدية من أخيك الأكبر.

شعر بامتنان كبير لهذا الرجل وحاول أن يتكلم شاكرا ولكن الرجل أشار إليه أن يصمت فهو يعرف مقدار الحرج الذى هو فيه لذلك آثر ألا يدعه يريق ماء وجهه أكثر من ذلك.

-           لو كنت مكانى لكنت فعلت ما أفعل معك تماما، الله يعينك وييسر لك الطريق.

وأخيرا جاء يوم الجمعة وكان قد أعد نفسه تماما فلم يكن يملك غير حقيبة السفر التي جاء بها وكانت بسيطة مجرد ثياب لذلك كان من السهل عليه أن يترك معظمها فحمل ما  خف منها بالإضافة لما يرتدى حتى لا يلفت الانتباه وترك حقيبته الأصلية في السكن ليرفع الحرج عن المصرى إذا سئل عنه وانطلق إلى المدينة حيث يلتقى بالمزعمى.

كانت السيارة من ذلك النوع ذي الدفع الرباعى القوية ووجد المزعمى ينتظره وقد أبقى له المقعد الخلفى في السيارة مع شريك آخر بينما كان بكل مقعد من مقاعد السيارة الثلاث رجلان فكانت حمولة السيارة ستة رجال بما فيهم صاحبها الذى سيتولى القيادة، حيث كانت هذه عادتهم في السفر، أن يجمع الرجل جمعا من مواطنيه يسافرون معه لتخفيف النفقة وللصحبة.

وبدأت الرحلة إلى الجنوب حيث المرحلة الأولى في طريق العودة إلى حيث انتصار، وبدأ القلق ينتاب خليلا فلقد صارت أعظم أمانيه أن يصل إلى حيث هي فيتزوجها ثم ليمت بعد ذلك أو يصرع أو تخطفه العقبان، المهم أن يصل.

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مسرحية شعرية

  عن حادثة اتهام هند بنت عتبة بالزنا نظم : حمدى عبدالظاهر  المشهد الأول (على المسرح يبدو رجلان يتحدثان مع خلفية كأنها رمل ممتد بخلفي...