الخميس، 4 أغسطس 2022

مايقوما

 

الحلقة الثامنة عشر

رقم إيداع 6-13/2/2016

  

تدبير

حاول خليل أن يتصل بالسفارة من أجل أن يجد حلا ولكن ليس للسفارات حق في التصرف بين مواطنيهم ومواطنى السعودية فللقضاء الكلمة الأولى خاصة فيما لو كان هناك عقد بين الجانبين وهو الحاكم وعقد خليل ينص على عام كامل يجدد تلقائيا ما لم يطلب أحد الطرفين فسخه.

إذن لا يد للسفارة من الناحية الرسمية في هذه المسألة أي حق للتصرف ولكن أشار عليه بعض العاملين أنه يستطيع باتفاق عن طريق بعض الوسطاء من مواطنيه أن يجرى اتفاقا مع الرجل يعوضه عما تكلف نظير استجلابه إلى السعودية.

السودانيون لديهم ملكة رائعة تتمثل فى كون أى تجمع بينهم لا بد وأن يحمل الكَلَّ منهم مهما طال به الوقت ومهما كان ما صعب من أمره، ولأن كل تجمع يحتاج إلى من يدير أموره فإن لتجمعاتهم كبار يقومون بشئون هذه التجمعات وكان من نصيب خليل أن يكون كبير المكان الذى يعمل فيه كما دله بعضهم الأستاذ هجو وهو أحد العاملين فى المملكة والذى مضى على مكثه فيها وقت طويل سمح له بأن يصبح صاحب حظوة عند كثير من المسئولين والأمراء.

سعى خليل إليه فى محاولة لنيل مساعدته، وتردد عليه أكثر من مرة، ولكنه مع كل مرة لم يكن يستطيع أن يقص قصته الحقيقية وسبب طلبه فكان يتعلل دائما بعدم تأقلمه مع الوضع ولكن هيهات أن يسمح له الكفيل بالسفر لمجرد أنه لم يتأقلم.

حاول الأستاذ هجو كثيرا ولكنه لم يفلح، وصار الأمر أمام خليل ذا خيارين فإما أن يصرح لصاحبه بعذره على الحقيقة ليظهر له فداحة الأمر فيحاول حتى عند السعوديين مع ما فيه من مخاطر الفضيحة له لو لم ينل ما يريد وستكون فضيحة بلا مقابل .. مجرد أن فضح نفسه، بل وقد يترتب عليها طرد مشين من عمله لسوء سمعته، ولحساسية عمله مع النساء،  وإما أن يتجرع الصمت وهنا لن يتحقق له أيضا غرضه.

وأخيرا وجد خليل ألا أمل هناك وعاد مهموما إلى عمله يتجرع الخذلان دون أن يقوى على أن ينبس ببنت شفة لمن حوله فقد كانت مصيبته أكبر من أن يتحدث بها لغير نفسه، ولكنه لم يكن يدرى أن هناك من يراقبه أيضا في صمت لأنه برغم توطد علاقتهما في الفترة الأخيرة إلا أن الأمر لم يصل إلى حد الخصوصيات فقد كان كل منهما يحتفظ لنفسه بها .

ظل د.محسن يتابع صاحبه وهو في حيرة شديدة من أمره ومن كيفية فتح مغاليق صاحبه هذا لعله يستطيع أن يساعده ولكن حساسية الحدود السياسية أحيانا تضفى على العلاقات الإنسانية أبعادا تساوى تماما تلك الأبعاد التي تصنعها نفس الحدود بين الأوطان، وهو الآن يحتاج فعلا إلى تأشيرة دخول إلى قلب هذا الرجل المعذب لا يدرى من أين يأتي بها.

لو كان مصريا مثله لأندفع يخترق حجبه ويسأل ويداور ويناور بل ويمكنه أن يغضبه أيضا في محاولة لأن يسبر غور نفسه ولوصل إليه سريعا أما والأمر فيه تلك الحدود البعيدة فإن الأمر يحتاج إلى كثير من الثقة التي تبنى في زمن طويل لكى يشعر الإنسان أنه أهل لأن يصب لأواءه عند غيره، فكل يحاول أن يجمل بنى وطنه.

وأخيرا قرر أن يقطع ما به من حيرة فإما أن يصل إلى صاحبه فيعرف ما به ومن ثم يساعده وإما أن يعرف أنه لا مجال له بالمرة عنده فينقطع إلى نفسه ويتركه إلى ما هو فيه وبالتالي لا يستمر في الشعور بالذنب هذا الذى يؤرقه فيستريح وقد نفض منه يديه، أما والحال هكذا فلن يرتاح لا هو ولا صاحبه .

فضل محسن أن يتحدث إلي خليل بعيدا عن السيارة تلك التي تأخذ كثيرا من تركيزه عند القيادة لذلك وبعد عصر يوم الخميس حيث تبدأ العيادة في الراحة نسبيا دعا خليلا للخروج للتمشى في خلاء القرية حيث الصحراء وكثبانها يملآن صدريهما من هوائها النقى وعيونهما من غروب شمسها الرائع والذى تحجبه عنهما جدران المسكن.

-           وعلى أي حال هو نوع من تغيير الجو نحتاج إليه ولو لساعة واحدة .

بدءا رحلتهما القصيرة تلك بخطى بطيئة يحتملها الغرض من الرحلة وراح محسن يعرف نفسه بتفصيل أكثر بل وببعض من خصوصيات حياته التي يمكنه أن يقصها على صاحبه، أهله وزوجته ومشاكلهم الأسرية ومسرح العلاقات العائلية التي لا تخلو من منغصات، وكان يهدف من ذلك إلى أن يشعر صاحبه بالاطمئنان إليه فيفتح له قلبه .

نجح محسن في أن يفتح قليلا من مصاريع قلب خليل ليحدثه عن نفسه وعن نشأته وعن خطيبته تلك التي تركها في الوطن لكنه تركها بصورة لا تليق بمروءة الرجال ومكث كثيرا يحكى تلك القصة بتأثر شديد لكنه أبدا ما استطاع أن يذكر ما انتهى إليه الأمر وإنما هو ما تقتضيه المروءة من إحسان إلى فتاة تعلقت به وتعلق بها وأخطأ حين استعجل أباها في وجود النزعات القبلية.

لم يجرؤ أن يذكر ما حدث في الشقة ولا ما نتج عنه فإنه عار لا يستطيع أن يطلع أحدا عليه لكنه أصر أمام محسن على لوم نفسه لتركه إياها دون أن يحاول أن يقوم بحقها في أن يصبر حتى يتزوجا ومن ثم يسافر بعدها أو حتى يلغى سفره.

لم يكن الأمر بالذى يستحق في تقدير محسن فمن الممكن أن تصبر حتى يعود بعد سنة فيعود إلى أبيها راجيا راكعا تائبا معتذرا والسنة في عمر الناس ليست بالطويلة فمجرد وصولنا إلى يوم السبت كفيل بأن يطوى الأسبوع ليأتى السبت الذى بعده .

لكن إصرار خليل كان غريبا فأرجع محسن الأمر في نفسه إلى أن عادات الشعوب ربما تختلف وبالتالي ربما مع تعلقه الشديد بهذه الفتاة يجد أباها وقد زوجها رغما عنها حسب أعراف القبائل هناك وبهذا علل إصرار خليل على السفر لكنه أبدا لم يدر بخلده أن في الأمر سرا لأن أخلاق الرجل منذ وصل لم يبد فيها إلا ما يشى بخلق حسن .

وبعد حيرة شديدة وتفكير هداه تفكيره إلى ما يمكن أن يكون فيه الحل، صحيح أن فيه مجازفة لكن لكل شيء ثمنه وإذا يأس الرجل من كل الحلول فليعرض عليه هذا الحل ربما أنتج عنده، رغم أن ثمن المجازفة فيه سجن لا يقل عن عام وترحيل عن طريق الشرطة مع ما يحمل من مهانة.

فاتح خليلا بما يدور في نفسه دون أن يكلف نفسه تزيين الأمر فيجب أن يعرف الرجل كل شيء عما هو مقدم عليه إذا اختار هذا الحل ومادام مضطرا كما يقول فالمضطر يركب الصعب، ولسوف يوازن هو بين خطورة المجازفة ونتائجها وبين مصلحته التي ستتحقق هناك.

-           اسمع يا دكتور خليل ....

-           ......................................

-           هناك حل لمشكلتك أنا أعرفه ولكن فيه مجازفة كبيرة قد تقضى على كل آمالك إن لم توفق فيه ولكنه حل يحتمل التحقق ويحتمل الفشل والأمر موكول بحظك فيه وتوفيق الله لك.

-           خبرنى ، ما هو؟

-           الهرب من السعودية، بدون تأشيرة، بدون جواز سفر، بدون أي مستندات!

-           كيف؟

-           اليمنيون يأتون إلى السعودية عن طريق محافظة صعدة الحدودية تسللا دون أن يمروا على جوازات الحدود في جيزان والمسألة عندهم في غاية البساطة ويمكنهم أن يمروا بك بنفس الطريقة من هناك وفى اليمن تتقدم للسفارة اليمنية كأنك فاقد لجواز سفرك و لو قصصت عليهم قصتك التي أظن أنك تخبئ عنى جزءا منها ربما استطاعوا أن يعاونوك في العودة إلى الوطن.

-           هذا طريق وربما أستطيع أن أتعامل مع السفارة في اليمن ولكن مَن مِن اليمنيين ذلك الذى سوف يقبل أن يعيننى؟

-           المال يا صاحبى ، فكّاك العُقَد ؟

-           جيد المال يمكن توفيره لكن أريد الشخص؟

-           ألم تقل أن صاحبك هذا الذى حاول أن يتوسط لك عند الكفيل له معارف واسعة؟

-           نعم.

-           بالتأكيد يستطيع أيضا أن يتعامل مع هذا الأمر لأنك ستجد ضمن معارفه يمنيين.

-           الله يجزيك الخير، لقد خففت عنى كثيرا وسأحفظ لك هذا طوال عمرى.

-           لم أفعل شيئا يستحق، إنما هي فكرة لا غير، ولكن انتبه فالأمر فيه من المجازفة ما قد يودى بكل آمالك حتى لا تقول خدعنى المصرى.

لم يكن خليل بالذى يملك من الوقت ما يملك معه التروى في الأمر وإنما هي الفكرة وجدها وعليه التنفيذ وهو يعلم أن المال مع إخوانه من مواطنيه سهل التدبير ولكن الوصول إلى الدليل إلى اليمن هو ما أهمه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مسرحية شعرية

  عن حادثة اتهام هند بنت عتبة بالزنا نظم : حمدى عبدالظاهر  المشهد الأول (على المسرح يبدو رجلان يتحدثان مع خلفية كأنها رمل ممتد بخلفي...