الحلقة السابعة عشر
رقم ايداع 6-13/2/2016
الكارثة
أخيرا حل خليل على مستشفاه الجديد في السعودية، كان يظنها مستشفى
بالمعنى الأصيل للمستشفى فإذا بها مستوصف بسيط هناك منزو في إحدى القرى، مستوصف
أقل ما يقال عنه أنه لا يضارع حتى العيادات الأهلية في الوطن رغم أنه يحوى بالفعل
أجهزة حديثة نسبيا ولكنه في النهاية عيادة بسيطة لا تكفى لكى يطلق عليها مستشفى .
استقر في المستشفى طبيبا مقيما يستقبل حالات بسيطة للدرجة التي كان
ينبغي أن يستقبلها ممرض متمرس لا أكثر غير أنه يبدو أن الرجل يريد أن يكون للمكان
شأن ليتربح من وراءه فأتى له بطبيب نساء متخصص.
استقبله في المستوصف طبيب كان يبدو أنه مقيم في المكان لمدى طويل
لأنه لاحظ أثناء جلوسه معه إقبال الناس عليه مع ما يبدو من معرفته الوطيدة بكل
منهم على حدة وأنه ملم إلماما تاما بالمنطقة بأبعادها ومشايخها وأهلها وحتى
جغرافيتها ووجد فيه روحا لم يستوحش معها الجلوس إليه.
عرف منه أنه أخصائى باطنة وأن معهم ممارسا عاما سعوديا ولكنه لم يخف
عنه أن الطبيب هنا من الممكن أن يكون أخصائيا في تخصص معين غير أن عليه أن يلبى
طلبات الناس جميعا وإلا فقد مكانته بينهم وثقتهم في علمه، كما فهم من علاقات الرجل
وحديثه عن الناس أن للعلاقات الاجتماعية خاصة في الريف السعودى مدارا كبيرا على
رضى الناس عمن يتعاملون معه سواء كان طبيبا أم مدرسا على شرط ألا يدخل أنفه في
خصوصيات أسرهم إلا بالقدر الذى تحتاجه طبيعة مهنته.
هي محاذير مهمة فَهِمَها وإن كان يعلم أنها في كل ريف في أي بلد في
العالم فصغر المساحة وقلة عدد البشر فيها عكس المدينة تجعل من الفعل البسيط حدثا
عظيما وقد يتغاضى مجتمع معين عن ذلك ولكن بعض المجتمعات تجعل دون ذلك قطع الرقبة
خاصة فيما يخص دخائل الأسر وما يتعلق بالنساء.
حاول في الأيام التالية أن ينهمك في عمله حتى يريح ظهره مما يقصمه من
التأنيب والألم ولكنه لم ينس مع ذلك أن يحاول التقرب من الكفيل مع شيء من بذل
الجهد الزائد دون أن يطلب مقابلا أو حتى يظهر التعب .. لقد كان له هدف يحتاج أن
يحققه، وأن يرضى هذا الرجل عنه مهما كان ما يخسره من جهد ومال هو مفتاح تحقيق هذا
الهدف فلن يدخر وسعا في الوصول إلى ما يبغى.
كان من حسن طالعه أن الطبيبين في غير تخصصه لذلك لم يكن لما يصنع
تأثير عكسى عليهما بل على العكس رأى السعودى في اجتهاده نوعا من الراحة له بينما
كان المصرى يحتاج لغريب مثله يدعمه في الصحبة والألفة فتجاوز عما قد يكون من تداخل
في التخصصين إذا احتيج إليه رغم أن خليلا لم يكن يعتدى أبدا على تخصصه وآثر محسن
وهذا اسمه أن يبنى صداقة معه بدلا من الدخول في تنافس قد يخسر بسببه كلاهما.
لم يكن ما فيه خليل من انشغال بالعمل يكفى ليشغل قلبه عما هناك، في
الوطن حيث ترك قلبه وعقله و حيث جريمته التي ما زالت تؤرقه وتخنق صدره المكلوم،
هناك حيث انتصار تلك الجريحة التي كانت ومازالت كتلة من طهارة لم يكن لها ذنب غير
أنها وثقت فيه ليخون هذه الثقة.
بل لقد طرأ عليه الآن طارئ جديد انتفض له رعبا، فلقد رأى فيما صنع
هروبا كبيرا جعله لحظة أن فكر في هذا الباب من التفكير يقشعر بدنه هلعا ويتصبب
عرقا، لقد صارت فترات الراحة لديه فترات عذاب لا يطاق، نعم هو كذلك .. هارب خسيس
فلم يكن يجدر به أن يتركها - في هذا الوقت العصيب - لأبيه الذى ما إن يزأر في وجهه
الحاج خليفة حتى تأبى عليه الكرامة أن يستأنف بل سيقول في نفسه أن البنات كثير وأن
ما يفعله هذا الرجل لا يستحق مجرد التعب في محاورته ولا زيارته وعندما يرجع ولده
يزوجه بأفضل منها.
لن يحارب أبوه لأنه ليس بصاحب قضية إنما هو متطوع لأن يتمم ما بدأه
ولده ولديه مصالح كثيرة أخرى غيره وإخوة أخر يحتاجون رعايته فلِمَ ينصرف بكله إلى
التزلف لهذا الرجل والتردد عليه إن كان يرفض أن يزوج ولده؟ وما ذنب ولده حتى يصنع
الرجل ما صنع؟ ماذا جنى؟ كل ما صنع أنه طلب تعجيل الزواج وكان يمكن أن يوافق لولا
نوع من كبر أصابه؟
نعم سيقول أبوه لنفسه ذلك عند أول صد من أبيها فأبوه لا يدرى ما صنع
أبنه؟ نعم لا يدرى أي جرم ارتكبه في حق هذه المسكينة التي قضى عليها وعلى ما كان
لديها من نور وضياء فأطفأهما.
-
آه يا خليل ..أى نذالة تلك التي أصبحت
فيها؟ تقتل أولا ثم تترك فريستك دون حتى أن تدفن بقايا ما تركت مما افترست منها؟
كان هذا خليل في نهاره وفترات راحته فإذا ما جن الليل جُن جنونه فزعا
مما ينتظره من كوابيس كانت تطغى عليه على عكس هدوء ليل الناس ليمور فيها ليله
فتضيع معها راحته بل لقد كان يفزع من نومه أحيانا بسبب ما يحدق به من ألم في هذه
الأحلام التي لم يكن يرى فيها إلا دماء وأشلاء فيذهب ليتفقدها فإذا هي هي، فيلملم
بعضها إلى بعض ليضعها على خوان فيأكل منها ويتجشأ وإذا برائحة الدم تخترق خياشيمه
ورئتيه حتى النهاية فلا يرقأ منها بل ربما استيقظ أحيانا فوجد رائحة الدم ما زالت
في أنفه من فرط قوته فى الحلم.
لاحظ د.محسن انعزال خليل عنه ولكنه لم ير منه عداء فرجح أن يكون هذا
الانعزال لحداثة وجوده في السعودية ولكنه بعد فترة وجد عزلته مصحوبة بهم شديد
يلحظة المرء بسهولة فقرر أن يقترب منه.
كان يمتلك سيارة ينزل بها إلى سوق المدينة أسبوعيا ليستكمل ما يحتاج
إليه من تموين الأسبوع من خضر وفاكهة ولحوم وبالمرة ينتهز الفرصة لزيارة الأصدقاء
والترويح عن نفسه في سوق المدينة ومتاجرها الكبيرة وكان الوقت المثالى بالنسبة له
هو يوم الجمعة حيث العمل بسيط غالبا وإقبال الناس على المكان ضعيف.
وفى أول جمعة حادث خليلا في أنه سيصحبه إلى المدينة ليتسوقا ويزورا
بعض الأصدقاء وليشترى خليل ما يحتاج إليه مما قد لا توفى الاختيارات المصرية حاجته
منه فلكل شعب عاداته وبالمرة لكى يغير خليل الجو شديد الهدوء، شديد الرتابة الذى
يعانيان منه في القرية وهما أبناء المدينة في بلادهما.
وافق خليل على الفور فقد كان يحتاج إلى أن يخرج بعيدا إلى حيث يختلط
بالناس وبزحام المدينة لعل ذلك يروح عنه ويخفف عنه بعض ما هو فيه وبالفعل انطلقا
إلى المدينة وتاها هناك في الزحام، زحام السوق والسابلة .. المصرى يشترى ويساوم
وهو يتفرج ويتلهى في محاولة أكيدة للتخلص مما هو فيه من الهم.
واستمرت الصحبة والسيارة ويوم الجمعة وتوطدت علاقة الرجلين ولكن لم
يكن خليل يفوت على نفسه انتهاز الفرصة والاتصال بأبيه ليراجعه وبإنتصار ليصبرها
ويرعى الأمل في صدرها، ولكنه كان دائما يؤوب من أبيه بخفى حنين، لقد أرسل الرجل
الرسل بعدما راح بنفسه ومن أول زيارة له للحاج خليفة وحتى آخر رسول كانت الإجابة
واحدة وهى أنه يجب أن يتركوه يتروى ويشاور أهله.
شهر مضى على هذا الحال وخليل وانتصار يمضهما الألم هو لما يعانيه من
جراء ما أجرم وهى لما تعانيه من هذا الجرح الذى يبدو أنه لن يندمل وإنما سيظل معها
ربما حتى بعد الزواج فالانكسار نتيجة ما حدث عند المرأة العربية المسلمة لا يساويه
إلا الدم ولا يرقأه شيء إلا توبة صادقة يجب عليها تحصيلها وهو على كلا الحالين
ضياع للشرف وإسقاط للمروءة .
حاول كل منهما كثيرا أن ينسى ولكن أضاف الشهرُ إلى أحزانهم حزنا
جديدا ففي آخر اتصال بينهما أخبرته بمصيبة جديدة لا يصلح معها شيء، بل هي إحدى
أصعب الأثافى التي يمكن أن تواجهها امرأة في مثل حالها، كانت منهارة باكية لا
تسيطر على نفسها وهى تحدثه وهذا ما شعر به عبر الأثير أما ما كانت عليه حقيقة فكان
حزنا طغى على كل ما عداه ورعبا يتضاءل معه كل رعب شاهده إنسان، وعمىً يتحول كثيرا
إلى عمى حقيقى لا تستطيع معه الرؤية.
- يا خليل .....لم يأتنى الطهر هذا الشهر!
- ماذا تقولين ؟
- ما سمعت يا خليل ..لا أدرى ماذا أفعل؟
- وتأكدتِ من العد؟
- كما أنا متأكدة من أننى أسمعك الآن.
أسقط في يده وانتقل ما بها من مشاعر إليه، وخارت قواه حتى ما استطاعت
أن تحمله ساقاه فجلس في مكانه ممسكا السماعة في ذهول وهو يتأوه وقد انصدع قلبه
تماما فليس لهذه النكبة الجديدة إلا علاج وحيد، وهو أنه لا بد من أن يسافر إلى
الوطن.
لا بد أن يعود ليجد حلا؛ إما أن يقنع الرجل بالتوسل أو بأى أسلوب
يستطيع أن يعطفه به عليهما فيرضى أو أن يجد حلا طبيا لها لينقذها من تلك البلوى
فلو استمر الأمر هكذا فلن تلبث أن يكتمل
حملها ومن ثم تلد والله أعلم كيف ستكون فضيحتها عندما يكبر بطنها وعندما تلد طفلا
من الحرام.
- يا انتصار اطمئنى سوف أعود لن أمكث ثانية هنا،
سأعود وسأبذل كل ما عندى من طـاقة ليرضى أبوك فإن لم يكن فسنجد معا حلا طبيا يخلصك
مما أنت مقبلة عليه.
- وكيف تعود وأنت لم تصنع شيئا وبم ستعود؟ الأمر
يكاد يكون مستحيلا.
- لا تخافى إن لم أجد فسأسعى بين إخوانى من أهل
الوطن فهم هنا على قلب رجل واحد سألجأ إليهم ليذللوا لى الأمر وسوف أسافر.
وفى اليوم التالى كان أول ما صنع أن توجه إلى الكفيل يطلب إليه أن
يمنحه إجازة لظرف شديد الخصوصية في الوطن يحتاج فيه لأن يمكث شهرا واحدا هناك ثم
يعود ولكنه فوجئ بما لم يكن في حسبانه فلقد رفض الكفيل ورغم محاولاته المستميتة
إلا أن الرجل رفض أن يعطيه إجازة أو أن ينهى تعاقده على أن يتحمل خليل التكاليف.
كان رفض الرجل قاطعا ولكنه وعد أن يمنحه ما يريد بعد عام بعد أن يكون
قد استطاع أن يجهز نفسه لسفر جديد للبحث عن طبيب جديد لأن العمل بالمستوصف لا بد
أن يمضى ومادام قد جاء فليكمل وأما هذا الظرف فكان عليه أن يعمل له ألف حساب قبل
أن يأتي أيا كان الظرف.
أراق ماء وجهه كثيرا مع الرجل لكنه كان قليل المروءة فلم يفهم ولم
يستطع صاحبنا أن يرسو به على الحقيقة التي يكتمها خاصة أن هؤلاء البشر يعتبرون -
سواء صرحوا أو لم يصرحوا - كل من يعمل بالمملكة خادما لهم بل إن بعضهم يغالى
فيعتبرهم عبيدا، نعم هكذا ينظرون إلى العاملين هناك فلم يكن لأحد ما دام قد سلم
جواز سفره للكفيل أن يطلبه إلا بعدما يكتفى الكفيل منه أو أن يكون قد نص على موعد في
العقد يخيف الكفيل، أما أن تصيب الكفيل سانحة عاطفة فهذا لم يرد على قاموس الكفلاء
إلا على سبيل الشذوذ لا واقع التعامل.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق