الحلقة الثانية والعشرون
رقم إيداع 6-13/2/2016
الرصدة
بدأت الرحلة من جديد ليستأنف المزعمى الغضوب رحلته وهو ساخط على ذلك
الرجل الذى لا شأن له بما يسأل عنه فماله هو وما يحمل في سيارته ومن يحمل فيها؟
وصحيح أنه استقبلهم استقبالا جيدا ولكن لكل شيء ثمنه فهو يحمل له من الهدايا
اليمنية في الإياب والسعودية في الذهاب ما يستفيد منه وكل من ينزل عليه من
اليمنيين يفعلون ذلك فلماذا إذن هذا الفضول؟
- إيه يا مزعمى ليست عادة يا خبير (صاح
أحدهم)
-
يا أخى الرجل يريد أن يفتش عن كل ما
معى على غير العادة؟
-
كيف يا صاحبى ؟
-
سأل عن الدكتور هذا الذى معنا وكأنه
عسكرى في المخابرات!
-
وبعد؟
-
يشتهى يبلغ عنه السلطات.
-
هه!
-
قلت له: يا خبير، يا جنى ، يا حم
اللحية لكن ما استجاب.
ضحك الجالس بجواره في السيارة بصوت عال
من انفعال المزعمى الذى أنساه الانفعال عند السعودى أنه في السعودية لا اليمن.
-(وهو يداعبه) يا مزعمى اشتهى اسألك سؤال.
-
قول يا خبير.
-
هو السعودى يعرف يا حم اللحية ؟
-(بضحكة صغيرة) يا أخى الجنى هذا جعلنى
أنسى والله كل شيء، كان ماله هو ومال السودانى ولا حتى لو اديت معى جن، سيارتى
وأحمل فيها ما أحب؟
-
لكن يا أخى أنت في بلادهم وهو يهمه
يعرف وأنت في اليمن هكذا أو ما تذكر ؟
-
أذكر إيش ؟
-
حين رجعت يوما من الحج بالطائرة ومعك
حرمتك والمصرية أمامها ولما مالت المصرية بالكرسى تستريح وهو حقها، تذكر ما قالت
زوجتك ؟
- (ضحك المزعمى ) يا أخى كانت أيام ما
كانت تعرف.
-
تدرون ما قالت يا رجال ؟
- (أحدهم ) لا خَبِّرْنا.
-
قالت لها هووووى يا مصرية، اجلسى سوا
أو لو ما جلستى سوا روحى اركبى حقكم، الطائرة هذه حقنا.
ضحك الرجال وزال التوتر قليلا إلا عند خليل الذى راح يضرب أخماسا في
أسداس ولكنه وفى النهاية لم يجد بدا من الصبر غير أنه كان يجب أن يعبر عن امتنانه
للمزعمى.
-
شكرا ليك يا أخ مزعمى وسامحونى يا رجال
أن تسببت لكم في هذا .
-
ما عليك يا دكتور.
وانطلقت السيارة تتمايل على الطريق المتعرج كأنه ثعبان يتلوى تحت ضوء
القمر نحو الجنوب إلى حيث يعبر الرصدة إلى الناحية الأخرى ليكون قد تحرر تماما من
كل احتمال لإكتشاف السودانى معهم.
كان خليل الوحيد في السيارة الذى يحمل القلق غليانا في دماغه وخوفا
في صدره فهو الوحيد الذى يحمل الخطر ويعانى من الزمن، خطر تعطله لأى سبب من
الأسباب ومعالجة الزمن الذى يحتاج إلى أن يطويه طيا فكل يوم يتأخر عن انتصار
بمثابة عدد من السنتيمترات يرتفع به بطنها إلى أعلى أو بمعنى آخر يتمدد إلى الأمام .
أما الآخرون فقد دخلوا بالتأكيد إلى قريب من أرض الوطن خاصة وقد بدأ
حديثهم عن الصباح القادم ذلك الذى سيتناولون إفطارهم فيه في سوق العفرة داخل
الحدود اليمنية حيث الملوج (نوع من الخبز ) والسلتة ( أدام يمنى ) واللحم حق
البلاد وفوقهم القات، وبرغم ضيقهم من الحاج صالح وتصرفه هذا إلا أنهم كانوا سعداء
أن فطورهم سيكون بلديا، الشئ حق البلاد لا مثيل له (هكذا قالوا).
لم يخامرهم الشك أبدا في الحاج صالح وفى أنه من الممكن أن يرتكب
حماقة إبلاغ السلطات عنهم لأنهم يعرفون الرجل فهو وإن غضب ما غضب إلا أنه في
النهاية صاحب رجولة وبه طيبة ولا يمكن أن يتصور أن يبلغ عنهم ولئن أراد لأبلغهم
أنه سيفعل.
كانت المسافة تبلغ حوالى
الساعة زمنا من حيث الحاج صالح إلى منتصف المنطقة حيث آخر طريق أسفلتى يعبرونه في
السعودية وسيكون عبورا لا سيرا عليه وبذلك يتعقبون المدقات إلى أن يدخلوا اليمن.
ومضى المزعمى بسيارته يحدو لها وكأنها ناقة وهو في حدائه هذا يحاول
أن يطرد النوم خاصة وأنه منهك طوال اليوم في القيادة دون راحة ثم جاء الحاج صالح
ليكمل له يومه سهرا في قيادته وكان يدرك أنه لو لم يحدُ هذا الحداء فإنه سوف يسقط
مغشيا عليه من النعاس والتعب ولأن جميع من معه في السيارة سقطوا نياما.
أخيرا وصلوا إلى الأسفلت وبدأ المزعمى يصعد إليه ليجتازه و كان
المخرج ضيقا من ناحيته حيث أن الطريق
ينتهى بصخرتين وقد شق الطريق بينهما فلم يكن هناك مجال عريض للرؤية يستطيع الخارج من ناحية اليسار ليعبر أن يرى
منه الآتى من يمين أو يسار لذلك كان الاعتماد دائما ليلا على أضواء السيارات
القادمة على الطريق فتعطى إشارة للخارج.
بدأ الرجل يخرج مقدم السيارة إلى بداية الطريق يختبره خاصة أنه لم
يلمح أي أضواء قادمة لا من اليسار ولا من اليمين وراح يمتطيه حتى إذا بلغ منتصف
الطريق إذا بصوت صرير عجلات على الطريق يصرخ عاليا آتيا من ناحية اليمين مندفعا
نحو الشرق فأسرع يضغط هو الآخر فرامل السيارة وكان سهلا عليه أن يتوقف ولكن بعدما
كانت السيارة الأخرى قد وصلت إليه في اندفاع عنيف فضربت بداية رفرف الإطار الأمامى
وبالتالي الاكصدام لتأخذه وتولى نحو جانب الطريق ولولا رحمة الله التي تداركت
سائقها لهوت إلى حيث لا تعود في تلك الزاوية العميقة التي خلفها التقاء الطريقين
من الناحية الجنوبية منه.
توقف المزعمى حيث هو وقد استيقظ رجاله فزعين ونزل راكبوا السيارتين
ليكتشف الرجال أنهم اصطدموا بسيارة إحدى دوريات الطريق الأمنية والتي تعس ليلا على
الطرق الحدودية، ووقفت كل مجموعة من ركاب السيارتين يتفحصون التلفيات في سيارتهم
وكانت سيارة المزعمى هي التي تلقت الصدمة الكبيرة خاصة وأن السيارة الأخرى من ذوات
الدفع الرباعى ولكنها من تلك المصممة للنواحى العسكرية كما أن طبيعة الصدمة جعلت
السيارة العسكرية أقل خسارة .
مشى قائد السيارة السعودية إلى المزعمى يتفحص سيارته ويطلب إليه
الرخص ولكن الرجل أبى أن يعطيها له وكان يرى أن الرجل جانٍ فلم يطلب الرخص؟
-
ما تشتهى من الرخص يا أخى ؟
-
أنت ارتكبت حادث.
-
عاين يا صاحب الأمن ..عاين لترى من
المخطئ.
-
أنت المخطئ كان يجب أن تضئ الفانوس
الأمامى إضاءات متقطعة لتعلم القادم أنك ستعبر الطريق.
-
أنا الذى يضئ أم أنت الذى تسير بدون
إضاءة مسرعا؟
-
الطريق السريع هو طريقى وأنا أسير فيه
بأى سرعة ما دمت في المسموح وحتى لو سرت أسرع من المسموح فأنا رجل أمن ربما أطارد
أحد المهربين أو المتهربين فأنا رجل أمن ومن حقى أحيانا ما ليس من حق غيرى!
-
أنا لست مخطئا فقد كنت أعبر ببطء شديد
وأنا أتلفت ولكنك فاجأتنى بما أنك مسرع جدا وغير مضاءة أنوار سيارتك.
-
إذن تعطينى الرخص ونتفاهم بعد ذلك.
ومرة ثانية تغلب المزعمى طبيعة اليمنى الصميمة في العناد فيأبى أن
يعطى الرجل الرخص مما استفزه لأن يتصل بنجدة تساعده على ذلك المسافر ليلا فلعله
مهرب.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق