السبت، 9 يوليو 2022

مايقوما

 

الحلقة الخامسة

(رقم الإيداع ٦بتاريخ ٣/٢/٢٠١٥)

قسم النساء

ستة شهور مضت منذ دار ذاك الحوار بين د.أدم و د.خليل حول انتصار وضرورة وجودها في قسم النساء والذى قوبل وقتها بالرفض بسبب عدم اكتمال خبرتها في جميع أقسام المستشفى ولكنها الآن وقد استكملت كل ما تحتاج إليه من خبرة في عملها فقد آن أن تتحقق رغبة خليل في وجودها بقسم النساء ولكن لم يكن هذا هو السبب الوحيد في انتقالها إلى هناك وإلا فقد كان المدير يريد الاحتفاظ بها في قسم الجراحة وغرفة العمليات لتفوقها في هذا الباب وإنما عجل بانتقالها إلى القسم حادثٌ بدا أنه كان القشة التي قصمت ظهر البعير في القسم نفسه والذى تعلق بطبيب من نفس القسم دأب على ترك مهامه لإحدى الممرضات بعد أن دربها عليها والتي وبسبب عدم احتياطها في هذه الأعمال (بسبب عدم دراستها لها أكاديميا ) تسببت في مشاكل صحية عجيبة .

حاولت تركيب لولب منع الحمل لإحدى النسوة دون أن تراعى قياسات الرحم المطلوبة والتى كان رحم المرأة يقل عنها فقد كان الرحم صغيرا لم يتعد الأربع سنتيمترات ونصف ناهيك عن بدانة المرأة مما جعل اللولب يخترق جدار الرحم بطريقة لولا لطف الله لما عرف له مكان فقد اخترق الجدار لا ليخرج من الناحية الأخرى لتجويف البطن وإنما ليستقر بين طبقتى الرحم ممدا هناك فكان من عجيب أمره أن يقرر السونار وجود اللولب ولكن البحث بالمنظار داخل الرحم ينفى ذلك بينما لم يكن هناك وجود حتى لخيط اللولب في الرحم على الإطلاق ولم يعثر عليه الأطباء إلا بعد جهد عظيم وبعملية كبرى  ومن ثم استخرجوه بعد لأى .

ولم تكن هذه هي الحادثة الأولى لنفس الممرضة وإنما سبقها عدم الاهتمام بمريضة في المخاض لفقرها الذى بسببه لم تمنح هدايا مما يمنحها أولياء المرضى للممرضات  مما أدى بالمريضة لأن تلد في الحمام توأما لولا عناية الله بهما لسقطا في الحمام ولم يحجزهما عن ذلك إلا تعلق الحبل السرى الخاص بالأول فيها حتى أدركتها مرافقتها والتي سارعت لاستدعاء طاقم التمريض الذى وجدته منهمكا في مشاهدة إحدى المسلسلات في التليفزيون .

وبعدما أجرى د.آدم تحقيقا سريعا قرر الاستغناء عن هذه الممرضة ونقل أخرى إلى العيادات الخارجية مع إنذار الطبيب وبالتالي فقد جاء قرار نقل انتصار إلى القسم منطقيا في ظل هذه الظروف التي نقص فيها طاقم التمريض في القسم .

الحقيقة أن العمل بالمستشفيات له وقع خاص على العاملين فيه فإما أن يصبح إنسانا ..إنسانا ...يعنى ويهتم بالإنسان لشدة ما ينفعل به من ضعف يعترى المريض، بل ومن أحوال تجعل الإنسان يقف أمامها عاجزا من هول ما يرى بل ويهتز اعتبارا ورحمة وشفقة خاصة في قطاع الحروق أو في قطاع الأورام والذى لا يخلوا من معجزات في بعض الأحيان لا يعلم لها الأطباء سببا، وإما أن تخلو نفسه من كل معانى الإنسانية فيتحول المريض لديه إلى حالة مثلها مثل إصلاح جهاز راديو أو غسالة لدى من يقومون بذلك، فلا يهتم لألم مريض أو معاناته النفسية والبدنية وإنما يقوم الأمر عنده على مهمة يؤديها بطريقة أو بأخرى قد يصدم المريض فيها بخبر سئ عن مرضه أو بإهمال يراه المريض متعمدا حتى ولو لم يكن ظهر من ناحيته ولكن لأنه لم يراع البعد النفسى لدى المريض كذلك بل قد يتحول إلى مقاول تاجر تبلغ به الخسة إلى استغلال المريض إلى أقصى حد ويتفاوت الأطباء في ذلك كما يتفاوت طاقم التمريض بل وحتى أصحاب الوظائف الإدارية فجميعهم بشر مثل كل البشر خارج المستشفى .

لم يكن خليل من هذا النوع ولم تكن انتصار منه أيضا ولكن عاطفة ضخمة كانت تسوقهما ليؤديا ما يؤديانه برحمة وشرف وظهر ذلك لجميع من يعملون معهما ولعل طلب الناس له هو بالذات للعناية بنسائهم عند دخولهم المسـتشفى أضحى علامة بارزة لدى الإدارة .

كانت هي لا تترك غرفة التمريض كعادتها في قسم الاستقبال فمجرد بدء نوبتجيتها يعنى انتصابها على كرسيها في الغرفة لا تفارقها إلا لمهمة وأمامها التليفون تنتظره كلما أتاها رنينه هبت إلى صاحبة الغرفة ترعاها وكان أقصى ما يسليها في غرفتها أن تحاول متابعة تقارير المريضات أو ترتب نماذجها أو أن تراجع بعض المراجع الطبية الخاصة بالتمريض فلم تكن من ذلك النوع الخامل الذى يكتفى بما درس ثم يحصل الخبرة بعد ذلك ، فكانت بحق ملك من ملائكة الرحمة ما إن تعرف المريضات بوجودها في غرفة التمريض حتى تطـمئن قلوبهن إلى حـسن الرعاية في هذه النوبتـجية .

ولقد تعدد أطباء القسم المقيمون حتى بلغ عددهم أربعة نواب بينما كان عدد أطباء الخارج خمسة مما كان سببا في تقلب الممرضات على تسعة مشارب وأمزجة وطرق مختلفة في العمل والمتابعة سواء في غرفة التمريض أو في غرفة العمليات إذا استدعى الأمر وجود ممرضة من القسم هناك .

وكان ذلك يعنى أن تحاول انتصار أن تتعرف إلى أسلوب كل منهم في العمل ولأنها سبق وتمرست في كل الأقسام تقريبا وخبرت العمل مع الأطباء جميعا من قبل فلم يكن صعبا عليها أن تتأقلم سريعا مع أطباء القسم رغم ما في بعضهم من خشونة وغرور أو إهمال وتراخى ولكنها في النهاية استطاعت أن تتجاوب مع الجميع في حدود ما لا يخرج عن اختصاصها ومهامها وفى نفس الوقت دون أن تخل بشئ من واجباتها مع الإحتفاظ تماما بالقاعدة الذهبية والتى تتمثل فى أن تكون هناك مسافة بينها وبين أي ذكر مهما كان حتى لا ينظر بعين ريبة .

ومضت بها الأيام في القسم رائعة حثيثة دؤوبة وئيدة وكل يوم تضيف إلى نفسها معلومة جديدة، ومرجعا جديدا، ومعجبا جديدا من الجنسين بكفاءتها لا بشئ آخر حتى لقد أثار ذلك بعض غيرة في نفوس قريناتها من الممرضات إلا أن دماثتها كانت تمسح عن قلوبهن ما عليها من غبار الغيرة خاصة أنها كانت تقدم خدماتها للجميع فتحمل عنهن بعض نوبتجياتهن وتساعدهن في بعض مهامهن على رغم أنها لم تطلب من واحدة منهن يوما أن تساعدها فكان هذا الزهد منها فيما عندهن كافيا لأن يمسح لديهن كل ما علق بقلوبهن من أدران .

وكان هذا كله يدور تحت سمع وبصر تلكما العينين الثاقبتين اللتين  تقيسان كل  ما عندها واللتين كان صاحبهما يحسب كعهده بها الشاردة والواردة وهو يؤمل النفس بأن تكون يوما له وما خامره شك في أنه لن يطول به عهد حتى يركب المفاوز ليطلبها برغم أنه لم يعرف عنها أكثر من أنها من إحدى قرى الجزيرة تلك الولاية العامرة .

ولقد حاول كثيرا أن يستدرجها فما وفت له مهارته في استخراج كل ما يريد لذلك لجأ أخيرا إلى آخر سهم في جعبته ألا وهو دهب راهبة التمريض في مستشفى العمران الخيرى، استدعاها وهو يتوجس منها ألا تستطيع أن تحفظ سره إلى حين يأذن لها بالبوح ولكنه لم يكن يملك إلا أن يجازف ومن ثم طلب إليها أن تأتيه بكل شيء عنها،الحِلة، المدينة، القبيلة، الأهل، الوالدين، الإخوة، إقامتها الدائمة، كل شيء.

-        كل شيء يا دهب لا تتركى شيئا ربما أكون قد أغفلته .

-        ...................................................!

-        ولكن انتبهى ...يجب ألا تعرف السبب، يجب ألا تعرف من الطالب، يجب ألا توقعينى في حرج، فقط أريد أن أعرف .

-        إن شاء الله يا دكتور .

                


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مسرحية شعرية

  عن حادثة اتهام هند بنت عتبة بالزنا نظم : حمدى عبدالظاهر  المشهد الأول (على المسرح يبدو رجلان يتحدثان مع خلفية كأنها رمل ممتد بخلفي...