الخميس، 7 يوليو 2022

مايقوما

 الحلقة الرابعة

(رقم الإيداع ٦بتاريخ ٣/٢/٢٠١٥)

بداية


لم تمنع وصية الوالد الحاج دفع الله خليلا من أن يرى انتصار بعين أخرى غير التى يرى بها مريضاته منذ اليوم الأول الذى عملت فيه معه، لقد تفحص كل ما فيها فقد كان فيها جمال لم يدع له فرصة لأن ينصرف عنه، كان جمالا بدويا بلا محسنات ولا تطرية، من ذلك الجمال الهادئ الحيي، بقدها الفارع الممشوق وذلك الوجه الذى أهدى الله له قسمات لا تخطئها عين الفنان الأريب بتلكم العينين الواسعتين والأنف المستقيم والشفاه الرقيقة بل وبوجنتين حباهما الله بغمازتين لم يزل هذا الوجه يتيه بهما جمالا وروعة وزاد من هذا الجمال تلك البداوة الوحشية التي لم تدع لأحد فرصة يستطيع التفكير حتى في لمسه لم تكن بداوة تحمل جفاءا وخشونة وإنما جدية واستقامة تحمل المرء على التفكير ألف مرة قبل أن يقبل على إدارة الحديث معها في أي شأن من الشئون غير المرضى .

مضى خليل يتابع انتصار في عملها وسلوكها وعلاقاتها بل وفى ابتساماتها وبريق عينيها، إلى أين اتجاهاتهما وإلى من ومتى وكيف ...لم يدع شاردة ولا واردة فيها إلا وراح يقيسها بمقياس دقيق .....

وقعت انتصار في قلبه منذ اللحظة الأولى التي وقعت عيناه عليها ولكنه ما كان يستطيع أن يقترب منها مثله مثل كل من حوله هذا بالإضافة إلى ما كان يبغيه هو من الإطمئنان إلى أنه وحده الذى يرى فيها ما يراه .

كان دءوبا في متابعتها غير أنه رتب في نفسه أن يقربها منه أكثر فعقد العزم على إلحاقها بقسم النساء ليستأثر بقربها ولعل ذلك أن يكون مدعاة لنقاش قريب يلج منه إلى قلبها ومن ثم إلى الزواج بها .

وفى أحد اجتماعات إدارة المستشفى بالأطباء والتي كان الدكتور آدم يرتبها كل أسبوع لمراجعة العمل وتصحيح ما كان من نقص طلب إليه خليل أن يلحق الممرضة الجديدة بقسم النساء لحاجة القسم إلى مثلها ولكن الدكتور آدم طلب منه الإنتظار حتى تستكمل انتصار خبرتها في الاستقبال إلى أن  تستطيع أن تحصل ما تحتاج إليه من خبرة في المستشفى فضلا عن أنها لا بد أن تمر على كل الأقسام فإذا ما بدأت بقسم النساء فلن تعمر فيه لأنها ستفارقه سريعا إلى غيره ومن ثم طلب إليه أن ينتظر حتى تتم تدريبها في كل الأقسام فإذا ما وصلت إلى قسم النساء وأراد أن يحتفظ بها هناك ووافق ذلك رغبتها فله ذلك وقتها .

لم يكن خليل من ذلك النوع من البشر الذى يصر على ما يريد إلى حد الخصومة خاصة وأنه يعلم أن ذلك هو نظام المستشفى ولن يستطيع هو أن يغيره مهما كانت رغبته، لذلك فقد سلم سريعا للمدير بما أجابه به ورضى بأن يكون طلبه تحت نظر المدير حالما تنتهى انتصار من تدريبها حيث لن يعتدى أحد من زملائه على طلبه ما دام قد بدأ هو، ورضى من الغنيمة بقربه منها في الاستقبال حين ورود حالات النساء .

لاحظ أنها في نوبتجيتها لا تصعد أبدا إلى غرفة الممرضات كما تفعل الأخريات واللاتى يشتركن مع الأطباء في فعلهن هذا من حيث أنه لا حاجة لهن في المكان ما دام خاليا، وإن كان الجميع يمكث في المكان في أوقات الازدحام أما هي فقد خالفت الجميع برغم نصح زميلاتها بأنه لا داعى لبقائها ما دام لا عمل هناك وكانت تصحب معها دائما مصحفا صغيرا تشغل به وقتها في حالة الفراغ من العمل فكان الداخل إلى قسم الإستقبال يرى هناك دائما ممرضة منزوية في ركن بعيد من المكان وقد أمسكت بمصحف لا ترفع عنه عينها فإذا ما جد الجد وضعته في جيبها وانصرفت إلى عملها.

وبرغم أن الأخصائيين دائما ما يتركون مهمة قسم الاستقبال للنواب إلا في حال استعصاء حالةٍ عليهم، إلا أن وجود انتصار في القسم جعل خليلا يضع هذه المهمة على عاتقه كلما استطاع فقد كان حريصا إلا أن تكون تحت عينيه دائما وكلما سنحت له الفرصة كان يحادثها رغم أن حديثها لم يكن يخرج عن العمل، تفريغ، كحت ، ربط، سونار جديد، أدوات .

حاولت ألا تسمح بغير ذلك رغم أنه ليس من طبائع قومها أن يتشرنق الإنسان منهم بل الألفة طبع أصيل فيهم والتعارف لم يكن يصل إلى حدود الشخص وإنما يمتد إلى أدق أسرار حياته وعائلته ولا يشعر أحدهم بحرج في ذلك إلا عندما يتصل الأمر بالمفاضلة بين القبائل ورغم ذلك لم يكن يمتنع امرؤ منهم عن اشباع فضول الآخرين عن نفسه واشباع فضوله عنهم.

كانت لها فلسفة خاصة تقصد بها الرجال فقط، و تتمثل فى أنه لا يجب أن تتمادى مع أحد منهم فيرى فيها ضعفا ربما يطمع به في شيء خاصة وأنها كانت تسمع كثيرا من قصص السقوط في أماكن الاختلاط ليس في بلدها وحده ولكن في كل العالم فى المستشفيات و المدارس و المطاعم و دور الملاهى.

أثار هذا السلوك منها عجب كل من تعاملت معهم من الأطباء الذكور بل وبعض النساء واللاتى حاولن كثيرا أن يعرفن السبب دون جدوى حتى ظن البعض أن هناك شيئا ما، فسلوكها بالتأكيد يخالف كل أعراف بلادهم بجميع قبائلها بلا استثناء، ليس هناك شخص حط في مكان إلا وهو كتاب مفتوح لمن حوله فلم تفعل هي ذلك؟!

لم يستجب صاحبنا لليأس منها ولكنه آثر الصبر والترقب ولقد حاول مرارا أن يسأل دهب عما تعرفه عنها إلا أنه كان يعود في كل مرة ليؤنب نفسه فمعنى سؤاله عنها اهتمامه بها والسعى إلى شيء ربما تفهم من ذلك دهب شيئا فتسعى به إليها فتصدها فتغلق الباب تماما أو ربما سعت إليها قبل أن يعرفها تماما ثم يكتشف أنه لن يمضى فتورطه فيما لا يحب من إحراج نفسه وإحراجها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مسرحية شعرية

  عن حادثة اتهام هند بنت عتبة بالزنا نظم : حمدى عبدالظاهر  المشهد الأول (على المسرح يبدو رجلان يتحدثان مع خلفية كأنها رمل ممتد بخلفي...