الثلاثاء، 12 يوليو 2022

مايقوما

 الحلقة السادسة

(رقم الإيداع ٦بتاريخ ٣/٢/٢٠١٥)

نزهة

كانت تجمعها مع دهب عادة فترات توزيع المهام أو مراجعة نماذج التمريض ولكن ذلك لم يمنع التقاءهما في أوقات الطعام أو أوقات النوم في سكن الممرضات عند التقاء راحتيهما من النوبتجيات لذلك كان لديهما من الوقت ما يكفى للحديث في شئونهما الخاصة ولكن ورغم حميمية أبناء الوطن إلا أن تلكما الفتاتين كان يشغلهما أمر آخر عن ذلك، لقد كانتا حريصتين على قضاء وقت فراغهما في الدرس والقراءة على عكس بنات جنسهن عامة وبنات وطنهن خاصة ولقد تعودت كل منهما على ذلك من الأخرى فما كانتا تثقلان على بعضهما البعض في هذا الشأن برغم ما كانت تكنه كل منهما للأخرى من حب واحترام .

كان استغراب انتصار اليوم لذلك شديدا عندما دعتها دهب للخروج معا للتمشى خارجا على سبيل التغيير، فقد كانت المرة الأولى التي تطلب منها دهب هذا الطلب  منذ جاءت إلى المستشفى ولكنها رغم ذلك فرحت بشدة فلطالما أرادت الخروج لكنها كانت تضغط دائما على نفسها من أجل العمل والتحصيل العلمي وهى ترى أن ذلك كل ما تصبو إليه في الوقت الحاضر لذلك فقد غفلت عن حاجة نفسها إلى الراحة والتقاط الأنفاس ولو لبعض الوقت .

قبلت على الفور الدعوة وراحت ترتدى ثيابها على عجل ومن ثم انطلقتا وكل منهما لها ما تمنى النفس به ولأنهما أيضا جبلتا على حب العزلة فقد انطلقت بها دهب إلى حيث كانت تحب أن تختلى بنفسها في إحدى حدائق (حبيبى مفلس) لاتساعها وقلة الضجيج فيها مع ما تحمل أضواءها الخافتة عادة من الهدوء ما يسمح بقدر كبير من التأمل وفى الطريق إلى هناك مالت دهب فاشترت بعض الحلوى والآيس كريم ومن ثم بحثتا عن بقعة من الحشائش الخالية الطرفية فجلستا.

الحقيقة أن الوقت استغرقهما ولكنه كان كفيلا أن تعرف كلاهما عن الأخرى الكثير من حياتهما فقد أعاد أُنس الصحبة وجمال المكان وشاعرية الليل في ضوء يغلب عليه القمر أكثر من الكهرباء، أعاد إلى انتصار انطلاق قومها في التودد وأريحية الحديث وراحت دهب تستدرجها في الحديث بل وتعطيها من نفسها ما يقابل ما تأخذ منها حتى عرفت عنها كل ما تحب تقريبا.

لم تكن بالطبع تدرى أن صاحبتها تحصل منها معلومات وإلا لاستغلق على صاحبتها كل شيء وإنما كان حديث المحب الواثق، لذلك لم تخف شيئا برغم احتياطها منذ البداية في هذا الباب مع الجميع خاصة وأن دهب لم تبد أبدا منذ أن تعارفتا احتياطا في علاقتهما وفى عطائها لها تعليما وتدريبا والحقيقة أن دهب أيضا كانت اليوم مخلصة في بحثها عن المعلومة بعدما عرفت من د.خليل أنه يريدها زوجة له فلم لا تساعده وتساعدها وهما يستأهلان فالرجل محترم بذول وهى عفيفة مخلصة ذات خلق .

عادتا إلى السكن وقد تجدد نشاطهما وخاصة انتصار التي اعتبرت ليلتها تلك من ليالى حياتها المعدودة جمالا وروعة ولكم تمنت أن تتكرر هذه الليلة مرات ومرات ولو كل نهاية أسبوع لتغسل بها إنهاك وعمل وهموم الأسبوع كاملة، نعم كانت تحتاجها فليست معها اليوم جدتها لتلقى في حجرها برأسها المثقل ترتاح فيه وهى تحكى لها ما ألم بها من أحداث بينما أصابع جدتها تعبث برأسها رائحة غادية وكأنما تفتش عن شيء ولكنها تلك الحركة الآلية التي ارتبطت بتلك اليد الرحيمة كلما حطت على رأسها، ومن عجيب الأمر أن ذلك كان يريحها أيما راحة فهى الآن تحتاجها وما أشبه  الليلة بما كان يحدث معها فكأن أذن دهب بفم جدتها لتملى عليها ما تفعل بانتصار لقد قامت بالأمر خير قيام .

أما دهب فلم تعد إلى العمل إلا صباح اليوم التالى فى حين بدا صاحبنا كالساهر طوال ليله ينتظر دهب فما أن أنهت أعمالها الصباحية حتى وجدته أمامها متلهفا لمعرفة ما عندها من أخبار فضحكت وهى تمازحه .

-        كأنك ساهر أمام بابنا يا دكتور ؟!

-        يكاد يكون صحيحا يا دهب فماذا عندك ؟

-        ما تحب ويبدو أن القدر قد أراد لك ألا يبعد كثيرا عنك أنسباؤك المقبلين .

-        بمعنى ؟

-        هي من قرية قريبة من قريتك فكأن الله سبحانه قد قرب بينكم فى العاطفة والوطن.

وراحت تهبه كل ما حصلت عليه من معلومات عنها كاملة كما طلب فكانت فرحته لا توصف .

-        إذن نمضى على بركة الله فهلا سألتها إن كان يمكن لنا أن نمضى إلى أهلها فنخطبها وعلى فكرة حتى ولو كانت بلا موطن ولا قبيلة ولا أهل فلم أكن لآبه لشئ إنما وسبحان الله ظللت أبحث كثيرا عن عروس وكم دخلت من بيوت لم يأذن الله لى أن أحظى بعروس منها ليأتينى الله بها من حيث لا أدرى .

وانطلقت دهب تزف البشرى لصاحبتها التي لم تكن تدرى بكل ما يحدث لها ولكنها وإن أخفت كامل مشاعرها فقد فرحت، فرحت كما لم تفرح من قبل فها هي أحلامها تكتمل؛ أنهت تعليمها، وحصلت على وظيفتها وها هي إلى الزواج أقرب من كثير من قريناتها على غير ما كانت تتصور لكبر متوسط عمر الزواج بين النساء في وطنها .

فرحت لكنها وكما تعلمت من أمها وجدتها، لم تسارع بإعلان سعادتها وإنما قابلت هذا الإقبال من خليل بتريث شديد.

-        لا أدرى هل يناسب ما نحن فيه من عدم تعارف بالمرة أن أوافق على الخطبة هكذا سريعا ؟ الأمر يحتاج بعض وقت للتفكير .

-        لكنه على أحر من الجمر أن يذهب إلى حلتكم ليلقى أهلك ويتمم أمره والفرص يا حبيبتى لا تأتى كثيرا!

-        هذا صحيح وأنت تقولين أنه يراقبنى منذ بدأت العمل في المستشفى ويقيس منى كل شاردة وواردة بينما أنا غافلة عما يدبر لى وإنما كنت أتعامل معه على أنه الطبيب ورئيسى في العمل .

-        هذا صحيح ولكنك لم ترى منه ما يشين!

-        أيضا ما تقولين صحيح ولكننى لم أخبر فيه الجانب الإنسانى وأخشى أن نقدم على شيء رسمي ثم نفاجأ بما يحول دون إتمام الزواج فيصيبنى كما يصيبه منه رذاذ وقيل وقال .

-        إذن اسمعى .....

-        ............................................

-        أقترح عليك أن أجمعكما معا في حضورى فتتناقشان ما حلا لكما النقاش حول هذا الأمر إلى أن تصلا إلى حل معا.

-        سيمنعنى حيائى من الحديث في هذا الأمر خاصة أنه من اختصاصات الرجال !

-        لقد أسقط في يدى يا انتصار، أنا أريد  لك الخير فماذا أصنع، وما أقول للرجل ؟

-        إذن سأبلغه أن ينتظر أسبوعا ريثما تردين عليه ويكفيك هذا ؟

-        نعم يكفى .

 

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مسرحية شعرية

  عن حادثة اتهام هند بنت عتبة بالزنا نظم : حمدى عبدالظاهر  المشهد الأول (على المسرح يبدو رجلان يتحدثان مع خلفية كأنها رمل ممتد بخلفي...