(رقم الإيداع ٦بتاريخ ٣/٢/٢٠١٥)
الحلقة الثالثة
قامت من رقدتها تلك تبحث عن بداية جديدة لحياتها فى المدينة، وها هو
أسبوع مر عليها وهى تلهث ملاحقة دهب تلك الشابة التى لا تجاريها الآلة سرعة فى
الحركة أو تلبية للمفاجآت وهى جاهزة دائما لتجيب كل ما يطلب منها وكل من يطلب ما
دام فى حاجة العمل لذلك فهى مشغولة دائما ولأنها تعودت على ذلك فقد صار ذلك سجية
لها وخلقا فرض على الجميع حبها واحترامها فكانت أهلا لأن تقتدى بها انتصار فحافظت
على لهاثها خلفها أداء وتعلما فما كانت تترك شاردة ولا واردة من دهب إلا
سجلتها كتابة أو تذكرا حتى إذا جمعتهما
أوقات الراحة سألتها فتعلمت - سريعا ..أكيدا- كثيرا مما رأته معها بل وحاولت أن
تقلدها فى جديتها الشديدة أثناء العمل فبدأت هى الأخرى تلفت انتباه الجميع إليها
بعد مرور أيام قلائل على وجودها فى المستشفى .
كان الاستقبال أكثر الأقسام لصاقة بها وكانت شغوفة بالعمل فيه لتنوع
ما يأتى إليه من حالات تكسب المزيد من الخبرة ولعل ذلك وافق رغبتها ومع ازدياد
معرفتها العلمية فقد زادت معارفها البشرية بطبائعهم وأنماطهم المختلفة بل
وشخصياتهم ومجتمعاتهم أيضا على أن مكسبها الأكبر كان صيرورتها نجما بين أهل
المستشفى من الأطباء والعاملين الآخرين وإن لم تحاول أبدا أن تجرح مكانة دهب عند
الجميع.
لم تدر انتصار أن هناك عينين تتسارقان النظر إليها بين الفينة والفينة
تقيسان سلوكها ودأبها وعلاقتها بكل من حولها بل وتحسبان عليها الشاردة والواردة
فكانت معها فى الروحة والغدوة وفى السلام والكلام وحتى ما صار من ود وقرب بينها
وبين العاملين وتأثيره على شخصها وسلوكها مع كل هؤلاء.
أعجبت شخصيتها كثيرا الدكتور خليل والذى كلما استدعى للاستقبال وجدها هناك دؤوبة بذولة
فصار حريصا على أن تعمل بجانبه كلما سنحت الفرصة مستغلا حماسها الشديد للعمل
ودأبها فيه وفضولها الذى فرض عليها السؤال عن كل ما تقدمه من أعمال بتفاصيله
الدقيقة والتى كان يضجر منها بعض الأطباء ويردونها أحيانا ولكن دون أن يحرص أحدهم
على جرح مشاعرها بينما خطط هو للصبر على
استفساراتها وتعليمها.
خليل
قسم النساء والتوليد يعتبر أحد أكثر الأقسام ازدحاما فى المستشفيات
بصورة عامة وأحد أهم الأقسام إدرارا للدخل بالتالى بالنسبة للعاملين فيه بداية من
الطبيب إلى أصغر العاملين لحتمية التناسل وما يحدث معه من حرص على المرأة وعلى
كونها دائما صحيحة معافاة لما تدفع به أرحامهن، يستوى فى المطلب النفسى الغنى
والفقير وإن اختلفت طرق الاهتمام حيث المستوى الاجتماعى ولكن الأمر فى النهاية لا
ينتهى إلا إلى الاهتمام والإنفاق بل قد يستطيع الإنسان أن يؤجل مرضا لديه بداية من
الرأس إلى أخمص القدم ولكنه أبدا لا يستطيع أن يؤجل علاج امرأة بسبب دواعى الحمل
والولادة لذلك فإن كثيرا من الأطباء يحرصون فى بداية حياتهم عند التفكير فى التخصص
على التوجه نحو هذا التخصص استعجالا للغنى .
لم تتخلف هذه الفكرة عن ذهن الدكتور خليل وهو يحاول اختيار مجال
التخصص فلم يتردد فى القرار بالتوجه نحو الأسهل والأفضل و الأسرع، فأصبح أخصائيا
للنساء والتوليد.
ولعل أسوأ مشاكل قسم النساء النفسية
والقيمية والروحية أنه قسم ينزلق بالعاملين فيه من الذكور إلى صراعات عميقة بين
الواجب والرغبة ففى النهاية الطبيب رجل
تستحثه الشهوة وتصرخ فيه الرغبة، وهو - وإن لم يتحدث فى هذا- دائم التفكير
فيما يراه ودائم الإماتة لمشاعره حتى لا ينزلق إلى خطيئة، خاصة الشاب الذى لم
يتزوج منهم فيعتصم بعضهم بالأخلاق وآخرون بالدين ولكن ينتهى الأمر بقليل منهم
لخيانة الأمانة وببعضهم مع استمرار الكبت إلى ضعف هذه المشاعر حتى عندما يتزوج
بينما يستطيع البعض الآخر أن ينجو بنفسه وبعرضه ولكن تظل تلازمية المعاناة لدى
طبيب النساء والولادة مستمرة ما دام يتعامل مع أحس ما فى المرأة من أجزاء بل تنكشف
له كلها بكل ما فيها من دواعى الشهوة.
لم يكن طبيبنا هذا بعيدا عن هذا الباب من المعاناة ولكنه كان حريصا
على ألا ينفرد بمريضة أبدا صونا لنفسه و حرصا على ألا يقع فيما قد ينقص من دينه أو
يجرح أخلاقه خاصة وأن الحاج دفع الله كان هناك في الحِلَّة يراه أملا لا يجوز أن
يخيب
.
تعب فيه كثيرا تربية وصيانة وتهذيبا ..كان يخاف عليه من غبار الطريق
..من ضوء النهار ومن نسمات الخريف لم يكن يرى فيه غير هذا الأمل الآتى، ابن
العائلة النابت من كريم محتد العائلة وبين علمائها، حافظ كتاب الله فى خلوة المهدى .
ما زالت أمامه دائما صورة الحاج دفع الله الوالد وهو يربت على كتفيه
وقد انحسرت عمامته ينظر في عينيه محدقا وكأنه يستشرف المستقبل .....
- يا
ولدى، كبرت وصرت رجلا يا خليل و لم تعد ذلك الغر الصغير الباكى الغض بل عجمتك
الأيام يا ولدى، صرت طبيبا ولم يعد عندى ما استطيع أن أعطيه أكثر ولكنى
أعطيتك...أعطيتك كتاب الله عز وجل وما أنت فيه من حسن الخلق، وهذا يا ولدى ما
نحسنه نحن هنا فى بلادنا فاحرص عليهما يحميانك، أما ما حصلته أنت فهذا ما تعرفه
ولكن لا تنس.
- ...........................................
- لا تنس
يا خليل تلك الأرض التى رعتك وكبرت ترضع من طينها ..لا تنس يا ولدى ناسَك ولا ناس
الجزيرة لأن كل شخص هنا لحمك.
لم يكن حديث الوالد الحاج دفع الله مجرد حديث ولكنه كان عبرات تتساقط
من مقل هدها الزمن فضاقت وتهدلت جفونها وإن لم يغب عنها بريق ذكاء وقاد ولمعة حزن
ما زالتا فيهما منذ أمد بعيد، ما زال خليل يذكر وقفته تلك مع الحاج دفع الله
ومازال شخصه ماثلا أمامه كلما هم أن يقع عاد مسرعا يلهث إلى حيث الحاج دفع الله
وقد انتصب أمام عينيه متذكرا، يا ولدى أعطيتك كتاب الله وحسن الخلق ، يا ولدى
أعطيتك كتاب الله وحسن الخلق.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق