مايقوما
(رقم الإيداع ٦بتاريخ ٣/٢/٢٠١٥)
الحلقة الثانية
ومن ثم قامت بتحيته وبدأت تقدم نفسها إليه :
- انتصار خليفة إمام ....الممرضة الجديدة
- ...............................................!
- تفضل ........
ومدت إليه يدها بالملف الذى تحمله والذى يحمل مستنداتها وقرار التعيين، وهنا أشار لها بالجلوس فى أحد المقعدين الموجودين أمام مكتبه وتناول منها الملف وبدأ يفحص ما فيه حتى إذا ما فرغ منه مد يده هذه المرة بحرارة مرحبا بها فى الوقت الذى ضغط زرالجرس يستدعى عامل البوفيه .
- شاى ولا جَبَنَة ؟
لم تكن تريد شايا ولا جبنة (بفتح جميع أحرف الكلمة) وهى مشروب البن الكثيف الصنعة، وإنما كانت تريد أن ترى مكانها من هذا المستشفى الفخم ولكن لأن الذي يسألها هو المدير فما كان لها أن ترفض تحيته ولأن الجبنة لا يشربها إلا صاحب المزاج فلم تحاول أن تظهر أمامه بهذا المظهر ففضلت الشاى من فورها وجلست ترشف كوبها على خجل بينما راح المدير يراوح بين تصفح أوراقها ووجهها ومظهرها وبعض أسئلة عن مجال دراستها وسوابق أعمالها وخبراتها التمريضية.
قرر فى النهاية أن يفرج عنها فاستدعى كبيرة الممرضات وأسند إليها مهمة تعريف انتصار بالمستشفى ومن ثم تسليمها عملها فى الاستقبال وكان لا بد أن تتعارف الثنتان فابتدرتها دهب باسمها متسائلة عمن استطاع أن يلحقها بالعمل فى هذا المستشفى الذى تعجز الكثيرات عن الحصول على عمل فيه .
- أبدا مجرد إعلان عرفت به وأسرعت إليه وصادفنى فيه النجاح.
- كأنه لم تكن لك واسطة من أى نوع ولا حتى تزكية؟!
- ولا حتى تزكية .
ومضى بهما الحوار متنقلا ما بين الأهل والحِلة ومراحل التعليم وشذرة هنا و أخرى هناك حتى وصلتا إلى حيث الأجنحة التى يجب أن تعرفها والتى لها علاقة وثيقة بالإستقبال ثم أخذتها إلى سكن الممرضات لتتعرف علي زميلاتها ومن ثم عادت بها مرة أخرى للمدير .....
- المفروض يا انتصار أن تذهبى الآن فتحضرى حقيبة ملابسك لأنك ستقيمين فى المستشفى ولعل العمل عندنا يسعدك والمستشفى كما ترين يحتاج إلى نوعية خاصة من كادر التمريض لأن مرضانا أيضا من نوع خاص .
- حاضر يا دكتور أنا تحت أمرك.
- إذن فأنت الآن مسئولية دهب وهى ستتولى أمر تسكينك و تدريبك والأمر عندنا ليس بشاق فسرعان ما ستفهمين العمل .
- إن شاء الله أرجو أن أكون عند حسن الظن !!!
خرجت سريعا وقلبها يكاد يقفز من ضلوعها فرحا وسعادة إذ صار لها مكان فى هذا المستشفى الرائع ....هرولت ..ولو طاوعت نفسها لركضت لولا أن النساء هنا لا يركضن، إنها تريد أجنحة طائر الرخ أو صقر الجديان حتى تصل سريعا إلى المنزل فتلملم حاجياتها وملابسها وتعود إلى حيث السعادة والعمل، أول درجات سلم حياتها القادمة فلم يعد بينها وبين التخلى عن حياة البؤس فى ذلك الريف البائس إلا ساعة أو تكاد تلك التى ستأتى فيها بحقيبتها من منزل قريبتها التى احتضنتها تلك الفترة الماضية والتى ستفارقها الآن سعيدة أن خففت عنها حملها إلى حيث قريناتها من الممرضات فى مكان خاص بها فيه كل ما تحلم به مثلها من رفاهية المدينة .
كم تمنى أهلها أن تصبح معلمة مثل باقى قريناتها وأترابها لكنها لم تكن ترى فى هذه المهنة ما يراه أهلها من نعيم خاصة وأن ما سمعته عن عمل المعلمات فى مناطق نائية قد تصل إلى الحدود وفى مناطق مقطوعة حتى لتكاد الواحدة منهن تنعزل عن أهلها بالخريف (موسم المطر) لشهور عديدة لا تستطيع أن تسافر إليهم بل ولا حتى تستطيع فى بعض الأحيان الاتصال بهم تليفونيا لعدم وجود شبكة خدمة هاتف فكأنهن فى المنفى بين الجبال والغابات لا يسمع بهن أحد إلا من يمر عابرا بالطريق الوعر الذى يعشن حوله ناهيك عن حياتهن تلك التى يصعب على إنسان أن يحياها فى مساكن لا يمكن أن تصلح لحياة إنسان فما بالك بمعلمة ظلت حياتها تكدح فى الجامعات فإذا بها تنتهى هذه النهاية فى تلكم الأصقاع النائية لا أهل ولا وطن ولا راع إلا بعض زملاء المهنة الذين يسكنون معهن فى سكن يعتبره البعض معزولا مجازا بل إن بعض هؤلاء الرعاة يصبحون فى أحايين كثيرة ذئابا لها أنياب أحدّ من السكين .
لم تشعر بمثل ما شعرت به اليوم من سعادة وهى ترتب ثيابها فى ذلك الدولاب المصقول الذى أصبح بداية حياتها فى المستشفى والذى راحت أفكارها تموج بسببه مرتدة إلى هناك حيث تلك الرابضة على مسافات من هنا بعيدة، إلى قريتها بمبانيها العتيقة المبنية باللبن على مساحات شاسعة لأن الأرض فى موطنها بلا ثمن ولكنها لا تخفى كآبة تلك الحياة الضيقة هناك حيث الخوف من الأرضة تلك الحشرة التى ألجأتهم إلى أن يكون كل ما يستخدمونه (مما يجب أن يكون خشبيا ) مصنوعا من الصاج الذى لا ينتهى صريره وصراخه عند الفتح وعند الإغلاق وعند هبوب الريح وبغير هذا كله فى بعض الأحيان.
دولاب ملابسها هنا خليط من معدن مصقول وخشب وزجاج بصورة رائعة الحسن يتضاءل بجانبه ذلك الجزء الذى كانت تحشر فيه ثيابها هناك فى دولاب كان يشاركها فيه كثيرون هم أهل الدار جميعا لا يجرؤ أحدهم على إخفاء سر فيه لأن كل الأيادى تمتد إليه ولا يجرؤ إنسان على استخدامه كثيرا لأن صريره يمتد إلى كل أذن مما كان يلجئ بعضهم لتعليق ثيابه على الجدار ينظفون خطوط الأرضة ( تلك الحشرة المدمرة لكل ماهو جميل ) من فوقه قبل أن يضعوا ثيابهم حتى لا تأكلها.
أنهت مهمة ترتيب الثياب فى الدولاب ولكنها لم تنته من ذلك الارتداد اللانهائى إلى هناك حيث قريتها النائمة فى أحضان ريف الجزيرة ذى الأرض المعبدة التى يأرز إليها الناس والدواب جميعا، هؤلاء الذين تجد وجوههم المغضنة تطالعك حول جدران البيوت التى التصقت ظهورهم بجدرانها المائلة وقد نخر المطر أسافلها حتى لتخالها تراود نفسها للسقوط ولكنها ترجع فتتماسك إلى حين، وقد يشفق بعض الموسرين من أهلها فيدعمها ببعض الأخشاب يغيبون طرفها فى الأرض وطرفها الآخر إلى الجدار وكأنه يتكئ عليها .
وما بين هؤلاء الجالسين هنا وهناك وقد شغلتهم الونسة رجالا كانوا أو نساءً تجد الأطفال والغلمان وقد لوحت الشمس وجوههم وعلا الغبار الناعم بشراتهم وثيابهم فكأنهم عائدون من القبور وقد تشاركهم فى متعتهم بكل ذلك حيوانات القرية المتناثرة هناك رقودا وقد راحت تجتر ما جف مما أهملته الطبيعة أو ما أخضر بفعل المطر القليل على أرض هذه الولاية الثرية بنيلها .
جال كل ذلك بخاطرها بينا هى ممددة على سريرها الفردى في الغرفة المشتركة والتى تشبه غرف القصور بالنسبة إلى تلك التى كانت تحيا فيها مع البعوض والنمل وبعض الهوام الأخرى التى يجلبها ضوء المصباح المعتم الذى كان يعطيها بعض بصيص تُبَهِّتُه جدران الغرفة التى حال لونها .
بلى لقد عادت تتذكر تلك السنين من حياتها التى انصرمت هناك حيث اللاخصوصية فى كل شئ، فى المأكل والملبس وحتى فى النوم ذلك الذى كان يجمع الكل فى الحوش الكبير بأسِرَّتِهم المتناثرة فى كل مكان من الحوش حسب رؤيته الخاصة فما دام السرير فرديا خفيفا يسهل حمله فلا بأس من أن يضعه كلٌ حيثما أراد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق