الأربعاء، 27 يوليو 2022

مايقوما

 

الحلقة الرابعة عشر

رقم ايداع6/13/2/2016

اتفاق

عاد خليل إلى الشقة صاعدا بعدما أنفتلت منه انتصار فرتب على عجل ما حمل آثار ما حدث ومن ثم خرج مسرعا يحاول اللحاق بها غير أنه لم يستطع فراح يمشى على مهل مفكرا في مخرج من هذه المصيبة التي أوقع نفسه فيها وهو من هو، طبيب النساء الذى تتكشف أمامه النساء عشرات المرات دون أن يتأثر بهن بل ومنهن من تأتى على مظنة المرض فيجدها سليمة وقد تكون جميلة فلا تحرك عنده ساكنا بعدما يرى منها ما يرى وإنما يعتبرها حالة فكيف لم يستطع التحكم في نفسه في الوقت الذى كان أحوج ما يكون لهذا الأمر؟

راح يؤنب نفسه فقد صار اليوم لصا يسطو على ما ليس له، نعم هو لص بكل ما تحمل الكلمة من معنى، لم يرع حرمة ما تمتلكه انتصار وأهلها ولم تحجزه المروءة عن الحفاظ عليها حتى يتسلمها في ذلك اليوم القريب تَسَلُّم المعافى .. المعافى في دينه وعرضه، أما الآن فهو لص حقيقى بل إن لص الأموال قد يكون أقل إثما لأنه يسلب الناس ما يمكن تعويضه أما هو فقد سلبها أعز ما تملك والذى لا يمكن تعويضه بحال من الأحوال بل لم يسلبها وحدها لقد سرق كل من خلفها، أباها ذلك الرجل الذى ائتمنه على ابنته وأمها وإخوتها، لقد سرق وخان كل من يمكن أن ينكسوا رؤوسهم بين الناس لو ظهرت هذه الفضيحة للناس.

نعم هي فضيحة أوَلَيْسا الآن زانيين، نعم زانيين رغم كل ما شحنه الوالد به من نصح إيمانى وما علمه إياه فقد صار زانيا دون أن يدرى و مع من؟ مع تلك التي قرر أن تحمل اسمه في المقبل من الأيام وكأنه أراد أن يصمها ويذلها قبل الزواج، أهذا ما أراده ؟

إن ما صنعه لا يصنعه إلا خسيس، نعم لقد صار خسيسا، أكان ذنبها أن تهتم بالشقة فتسارع إلى إصلاح ما تلف إشفاقا عليه؟  أكان ذنبها أن تفعل ذلك حتى يرتكب تلك الخيانة التي يأنف منها كثير من الحيوانات لا يمكن أن يصف ما فعل إلا بما يجب أن يوصف به؛ خيانة، خسة، نذالة، مروءة ضائعة بل إن ما صنع لا يحتمل إلا أن تجتمع له كل صفات السفالة والحقارة.

ماذا يصنع وكيف يعالج الأمر؟ كان هذا السؤال يلح عليه فهو لا يستطيع أن ينظر في عينيها بل ولا حتى أن يخاطبها مهما كان يحمل الخطاب من أسف وأسى واعتذار فتلك المعانى بالتأكيد لا تجدى إلا مع الهفوات البسيطة أما القتل فلا ينفع معه إلا القتل لأنه أفدح ما يمكن أن يصل إليه الإنسان وما فعله هو لا يقل عن القتل بحال من الأحوال بالعكس قد يعفو الناس عن القتل أما ما كان منه فهو قتل لا يمكن العفو عنه إنه قتل أسرة بالكامل، قتل كرامتها واعتزازها بنفسها وحريتها بل هو قتل أجيال من هذه الأسرة ستظل تحمل العار إلى الأبد فأبوها إلى عار ابنته منسوب وأمها وإخوتها البنين أما البنات فقد انتهى أمرهن إلى غير رجعة، لن يفكر إنسان مطلقا في أن يقترن بإحداهن مهما كان جمالهن فقد أخطأت أختهن ولحقهن عارها وحتى لو كن مؤمنات إيمان أمهات المؤمنين فلن يكفى ذلك ليكف نظرة الناس إليهن وإلا فمن هذا الذى يصيبه عمى البصيرة حتى يرى ابنته وقد صارت خالتها تلك العاهرة البغى لن يرضى أحدهم أبدا أن يشترى نسبا مثل هذا أو أن يصاهر أمثال هؤلاء الناس .

ليته مات قبل أن يحدث هذا على الأقل كانت ستأسى عليه وتحزن على رجلها الشهم ذي المروءة الذى مات دون أن يترك لها إلا كل ما هو عطر من الذكريات أما الآن فلو قدر له الموت فوارحمتاه، سيخلف لها ما لا يتخيل من معانى النذالة والحقارة، ليته مات قبل أن يحدث ما حدث فقد أصاب نفسه أيضا - براءته وطهارته- بل قد أصبح مؤرقا من مصير أخواته البنات وابنته فيما يستقبل من الأيام، أوليس الناس يتحدثون عن سداد الدين في مثل هذا الذنب فكيف سيسدد هو هذا الدين وهل سيسدده هو أو يسدده أبوه.

-         آه مما فعلت! آه مما أنا مقبل عليه، كيف يا رب أرشدنى أنا المخطئ المجرم الذى لن ينجو بما فعل !

مكث ليلته كلها يمضه الألم ويشقيه الندم ويأكل حواسه الحزن وكلما حاول أن يجد حلا تشتتت حواسه كلها وتضعضت المعانى لديه فما يستطيع أن يخطو خطوة نحو الحل خاصة وهو يعلم تمام العلم أن باب قلبها بالتأكيد أوصد الآن وإلى إشعار آخر ربما لن يكون قريبا .

ما أن علت الشمس إلى الحد الذى يذهب الناس فيه إلى أعمالهم حتى انتفض من تناومه الذى كان والذى لم يستطع أن يجلب له النوم وارتدى ثيابه على عجل متوجها إليها يطلب عفوها ويفكرا معا في حل لمصيبتهما تلك، لكنه وجد منها ذلك الصدود الذى جعلها تصده صدا شديدا، ورغم فداحة المصيبة وحاجتها إلى حل سريع لها لأنها هي الجريحة المكلومة إلا أنها وكقذيفة مدفع صدته دون حتى أن تفكر فيما هو واجب نحو نفسها وأنها كان حريا بها أن تتروى لتصيب من بقايا مروءته ما يوجد لها به حلا سريعا فلما وجدت إلحاحه طلبت إليه أن يمهلها ساعة لعلها تستفيق من غيبوبتها الذهنية.

وجاء بعد ساعة كما طلبت وكانت قد بدأت تستفيق مما هي فيه فوجدها وقد ارتدت ثيابها متهيأة للخروج معه أما إلى أين فلم يعد مهما مع ما صيرها إليه أن تسأل عن المكان فأى مكان في العالم لن يكون أسوأ من تلك الشقة الملعونة التي أضاعت فيها كل ما تملك.

انطلق بها خليل إلى أحد المتنزهات النائية هناك في أقصى الجنوب من المطار حيث لا يرتاد الناس المكان كثيرا في مثل هذه الساعة من اليوم وحتى يبتعد عن زحام المطاعم وضيق أماكنها الذى يجعل الناس تعيش معا حيث كل حديث هناك مسموع لذلك كان لا بد أن يختار هذا المكان لأن حديثه لم يكن ينبغي أن يكون مسموعا.

انتحى بها إلى طرف المتنزه حيث لا يمكن أن يصل صوتهما إلى أحد وراحا يتهامسان دون أن يستطيع أحدهما أن ينظر إلى الآخر فقد صارا الآن غريبين، فى مشاعرهما وأحاسيسهما واتجاهات تفكيرهما وإن توحد المفهوم النهائي لكليهما على أن ما حدث خيانة للأمانة التي وضعها الأهل في عنقيهما وأن هذا الوضع يجب أن يتغير أما كيف يمكن أن يتم الإصـلاح فهذا ما لم يعلمــا له كيفية .

راحت تطالبه بأن يعجل أمرهما وأن ينطلق إلى أبيها يستجديه ولو بالكذب أن يعجل الزواج قدر المستطاع فيكون غدا أو بعد غد والحقيقة أنه يعرف تماما أن هذا الأمر يكاد يكون مستحيلا خاصة أن والدها بدا له متمسكا بالموعد الذى حدده له بل وقد يثير شكوكه طلبه بالتعجيل وماذا لو رفض الرجل واعتبره طائشا؟

أصرت أن يتوجه في الغد إلى أبيها متضرعا مترجيا عسى أن يوافق ولديه حجة يمكن أن يستند إليها، إنه ذلك التعاقد السعودى الذى هو مقبل على إنجازه مما يجعل التعجيل أمرا اضطراريا يحتاج إليه حتى يستطيع أن يدخل بعروسه ومن ثم يتمم إجراءات سفرها إليه بعد شهر من سفره أو حسبما يستطيع تدبير ظروفه هناك، لقد كانت ترى أن أباها لن يرفض وأن مصلحة زوج ابنته المستقبلي سوف تملى عليه أن يوافق كيف لا وهو يريد فائدتيهما.

حاول أن يفكر معها بطريقة أخرى لكنها لم تستجب فصدع لها بما تحب ومن ثم مضيا دون أن يفكرا حتى في تناول إفطارهما معا رغم أن موعد الإفطار كان قد أزف منذ فترة دون أن يشعرا، وفى المستشفى استطاع خليل أن يقنع مدير المستشفى بالسماح له بإجازة لترتيب أمور الزواج ومن ثم الزواج وشهر العسل.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مسرحية شعرية

  عن حادثة اتهام هند بنت عتبة بالزنا نظم : حمدى عبدالظاهر  المشهد الأول (على المسرح يبدو رجلان يتحدثان مع خلفية كأنها رمل ممتد بخلفي...