الثلاثاء، 26 يوليو 2022

مايقوما

 


 الحلقة الثالثة عشرة

رقم الإيداع 6/13/2/2016

أرق

راحت تلملم شتاتها المبعثرة منكسرة باكية فقد ألمت بها المصيبة، المصيبة بكل ما تحمل من معنى، هي تعلم أنها فقدت ما هو أهم من أبيها وأمها، بل ما هو أهم من الدنيا بأسرها، لقد فقدت اليوم ما لا يُفقد إلا بشرف، ولقد أيقنت أنها كانت جد غبية مغفلة أن ترضى أن ينفرد بها مهما كان الداعى، فلتذهب الشقة إلى الجحيم بل وليذهب هو وكل العالم إلى الجحيم وما عليها لو لم تتطوع، ولو لم تنصلح هذه الستائر، أيمكن؟! أيمكن أن تفرط بهذه السهولة وهى التي كانت تعمل لهذا اليوم ألف حساب، فما بالها تصيبها هذه الخيبة التي تحملها على الثقة في نفسها وفى غيرها مهما كانت طهارة الدافع، اليوم حق لها أن تبكى على نفسها التي ماتت؛ ماتت حقيقة فلم يعد لها بعد اليوم أن ترفع رأسها ولا حتى في وجه خليل رغم أنه السارق وأنها الضحية، لم يعد لها ما تفخر به فالخطب جلل، جلل بحق، ماذا تفعل فيما حدث؟ وماذا يمكن أن تقول لأهلها؟وكيف عساها تحترم نفسها؟ ولِمَ لَمْ تأخذ حذرها بشكل كاف؟ وهل كان لا بد أن تقوم بدلا من عامل غبى قصر في أداء مهمته لتوفر لخليل عاملا ؟ لقد ضيعت اليوم كل شيء ... نفسها وأهلها وشرفها؟ قد تستطيع أن تجبره أن يرقع لها ما فضه اليوم ولكن هل تستطيع أن تجبره أن يعيد نفسها التى ذبحت؟ وكرامتها التي أهدرت؟ هذا الذى حدث لو كان حدث بعد سبعة أيام من الآن لكان سبب أعظم سعادة تجنيها في حياتها أما وقد حدث اليوم فقد صار أكبر مذلة من الممكن أن تتعرض لها امرأة مسلمة، إن الإحساس بالهوان الذى تشعر به الآن لم يخطر على بالها قط، ولم تظن أبدا أنها ستصاب به وهى المتدينة الحريصة التي تخاف من جرح النسيم لمشاعرها فما بالها وقد ذبحها ريح المعصية والخيانة؟!!

نعم خيانة؛ خانت نفسها أولا وخانت أهلها ثانيا وخانت ربها ففرطت فيما لا ينبغي أن يُمس دون اهتمام أو حرص، لقد وثقت فى صاحبها وفى نفسها، هى لا تستطيع أن تلومه وحده فما رآه منها ربما كان أكبر من قدراته على الصبر ولكنها كانت تملك الكثير من الفرص لكى توقف هذه المحنة، كان يمكنها أن تدفعه بعيدا عنها ولكنها استسلمت، كان يمكنها أن تضع يدها على شفتيه لتمنع قبلاته ولكنها خافت على مشاعره فاستسلمت، كان يمكنها ألا تمكنه منها ولكنها استسلمت وبرغم أنها لم تشعر بمتعة إلا أنها استسلمت، استسلمت، استسلمت فهى الجانية أولا وهى الجانية ثانيا وثالثا ورابعا، هى الآثمة وهى التي تستحق القتل وإن كان من شيء عليه فلن تلومه أبدا فهو رجل وله مشاعر أججتها هي فجنت عليه وعليها.

ولكنه لم يكن كذلك فقد انكسر هو أيضا وبرغم أنه لم يبك كما تبكى إلا أن قلبه كان ينزف نزفا لا يقف، لقد جلس مكانه صامتا وقد وضع رأسه بين كفيه المرفوعين على ركبتيه وراح في هم طويل، لم يستطع أن ينظر نحوها وهى تلملم بعثرتها فما عاد يقوى على ذلك وهو الذى سرقها وحطم أملهما في السعادة، لم يجنِ مما فعل إلا الحزن والألم، وما حصل ولو كان نذرا يسيرا من لذة فما حدث منه لم يكن متعة بقدر ما كان انسياقا وراء شيطان كان كل همه أن يفسد عليهما باقى حياتهما وقد نجح، نجح في أن يطيح بكل عقل وعاطفة لديهما إلا من تلك اللوثة التي خلفت ألما وخزيا لكليهما وعارا تشتد وطأته عليها أمام نفسها وأمام الناس لو هتك الستر وكذلك هو، فعار الخيانة لا بد أن يصيب الجميع ولا بد أن يفتضحا جميعا .

ترى كم من الآلام سوف يجنيانها معا؟ وكم عليهما أن يحصدا فيما يستقبل من حياتهما؟ هل سيستطيع أن يملأ عينيه من عينيها في يوم قريب؟ وهل ستكون ليلة الزفاف بالنسبة لهما ليلة سعادة؟ لقد ضاعت الفرصة، ضاعت إلى الأبد فرصة أن يشعرا بالسعادة فستظل نار ما حدث اليوم تؤجج حياتهما ما بقيا دون أن يستطيعا منها فكاكا؟ بل لن يستطيع أن ينظر في عينى أبيها ولا أخوتها ولن يستشعر أبدا اطمئنانا في وجود والده الذى ما نسى يوما حديثه إليه"يا ولدى أعطيتك كتاب الله وحسن الخلق، يا ولدى أعطيتك كتاب الله وحسن الخلق".

مد يده إليها صامتا خجِلا واهنا يريدها أن تقوم ولكنها لم تر تلك اليد الآثمة ولو رأتها لما استجابت فقد استجابت كثيرا قبل ذلك فما كان نتيجة تلك الاستجابة إلا هذا العار الذى صارت تحمله، ذلك الإثم العظيم الذى صار يجللها ويغشيها كسحابة سوداء في ليلة مظلمة غاب قمرها فما عاد لها ولو بصيص ضوء، وما عاد لها أن ترى لا فيها ولا بعدها ما كانت توطن نفسها على أن تحياه وتضفيه على من حولها من سعادة كانت تقدر أنها سوف تدوم وتفيض على كل من يحيط بهما حتى من السابلة ولكنها الآن لم تعد تملك حتى الأمل في هذه السعادة فقد صارت دون أن تدرى تلك العاهرة التي تفتح الباب عند أول طرقة، نعم هي كذلك وإلا لما رضيت من البداية أن ترتاد الشقة حتى ولا مع دهب.

قامت تعتمد على يديها وركبتيها حتى لا يتكشف منها مزيد من جسد تم انتهاكه كأفدح ما يكون الانتهاك وراحت تلملم حولها ما بقى من قميصها وتدارى ما نزف من دمائها وما احتل وجنتيها وعينيها من بقايا ما نزف من دموعها ومن ثم دخلت الحمام ورتبت هندامها وخرجت إلى الطريق مهرولة؛ إلى حيث ما سيغمرها من ظلام حالك فى نفسها قبل ظلام الطريق واللذان لم تعد ترى معهما جسدها المسلوب ولا روحها الجريحة.

راح يناديها وكأنه يرسل صوته إلى الفضاء اللانهائى فينفصل عنه الصوت دون أن تسمعه هي وكأنما أصابها صمم لم تعد معه تعى شيئا على الإطلاق ركض خلفها ولكنه مع اجتهاده في إدراكها لم يستطع ومع خوفه أن يلاحظ أهل المكان ما يحدث من محاولته اللحاق بها فيطلعون على شيء يريد أن يخفيه فقد آثر التوقف وتركها تمضى.

وصلت إلى السكن وانفلتت إلى السرير تحتضن حزنها البارد وتختنق بمآلاتها القادمة  وتتقزم أمام نظرات البشر، كل البشر حين يرونها ويرون على وجهها علامات ما ارتكبت حزنا ومذلة ومهانة وإحباطا، فهى لن تستطيع بعد اليوم أن تُرِى وجهها الذى كان مشرقا بشوشا للناس خاصة دهب تلك المسكينة التي خُدِعت فيها وأولتها ثقة أكثر مما يجب على مظنة أنها أهل لحماية نفسها فإذا بها تضعف عند أول الطريق .

ظلت تكافح الأرق كل ليلها في محاولة لاستجداء النوم حتى تهرب من تلك العذابات المضنية ولكنها لم تستطع بل ظل نومها يتأرجح بين وجه أبيها ذلك الشيخ العظيم الذى ربى وهو يرى أنه أحسن فيما فعل؛ كيف به عندما يعرف أن صغيرته تلك التي حصنها طوال عمره بطاعة الله في نفسه وهو يكرر على مسامعها ومسامع أبنائه جميعا تلك العبارة التي ورثها كابرا عن كابر "كما تدين تدان"  ثم يشفعها بقوله :

-          أنا ما عصيت ربى أبدا على رجاء الأجر وحفظ أبنائى.

راحت تفكر في نفسها أنه كان يرى أن حفظ نفسه وحده يكفى، ولكنها رأت اليوم أنه ضيعها حين تركها وحيدة وهى لا تدرى من خبرات الدنيا ما يعصمها، لقد ألقاها دون تحصين، شاء أو أبى هو شريك لها في هذا الإثم، ولكنه لم يعص الله فمن إذن الذى عصى أهو كما يقولون سابع جد؟ ربما لكن أباها لا يستأهل منها أن تمرغ وجهه في التراب ليعصى الله سابع جد فما ذنب أبيها ؟

ظل نومها يتأرجح بين وجه أبيها وذلك الوجه الثانى إنه وجه أمها تلك المرأة التي سيقع عليها كل اللوم بل والتي ستقف معها أمام محكمة العائلة وأمام العاصفة التي ستتلقيانها من أبيها بينا هي لا ذنب لها، كل ذنبها أنها أمها ... أم هذه الخاطئة المفرطة، كل ذنبها أنها وقفت في وجه الحاج خليفة تطالبه بمنحها فرصة للتعليم وهى ستحافظ على نفسها ولكى تيسر له الأمر أشارت عليه بسكناها مع تلك القريبة التي تعيش في الخرطوم.

هذه المرأة المسكينة التي طمحت يوما في أن تغير مصير ابنتها ليكون على ما تظن أفضل من حالها هي ومادرت أنها ستجلب كل هذا العار، نعم ستقفان أمام الحاج خليفة كتلة واحدة في حمل هذه المصيبة ولن تسلم حتى أمها من اتهام أبيها لها من باب "أكفئ القربة على فمها تصير البنت لأمها".

وتحاول المسكينة أن تخفف على نفسها البلوى فتتخيل أن الباقى بعض أيام قلائل تستطيع أن تدرأ الفضيحة بالزفاف وهو لن يتخلى عنها أبدا ولكن يعود مع ذلك عقلها ليفترض موته بسكتة كما يحدث للشباب والكبار هذه الأيام أو حتى بحادث فماذا تصنع؟ ماذا تصنع بعدها؟ وهنا يعصر بطنها الألم فتتلوى منه ويزداد وجيب قلبها واضمحلال أملها في النجاة بفعلتها.

راحت تتخيل الحلة والناس فيها يمضون ضاحكين مبتسمين لا يشغلهم شيء بينما أبوها لا يجرؤ على الخروج من البيت وقد ألمت به الفضيحة فإذا ما ألجئ للخروج خرج منكسا أسيفا على ما أصابه وهو يعانى من كى القفا من نظرات الناس وهم يلاحقونه بنظرات الاحتقار وربما يكون أحدهم قد أصابه مثل ما أصاب أباها ولكن الله ستره غير أنه لا يعذر حتى يظهر بمظهر الشريف العفيف.

ويمضها الألم وهى تبحث عن الفرق بين رجلين فى المجتمع أحدهما أبوها، لكل منهما ابنة والثنتان حبليان إحداهما من الزنا وسيذهب الجميع إلى الطبيب للتأكد فكيف سيكون سيرهم جميعا؟ فأما أحد الأبوين فسيسير مرفوع الرأس يتباهى بابنته التى سيرزقه الله بها حفيدا يتسلى به فى شيخوخته، وتزداد به عزوته وكل تفكيره فى كيفية رعاية هذه الإبنة فإذا ما التقاه أحد من الناس يسأله إلى أين؟ فسيدعى الخجل وهو يجيبه إلى الطبيب يبدو أن الله سيرزقنا حفيدا، فيتضاحكان فى حين يتلقى التهنئة من صاحبه وأما ابنته فسيكون شغلها الشاغل أن يتأكد حملها لتفرح ويفرح زوجها وأبوها.

           بينما الآخر الذى هو أبوها ويا ويلها، منكس الرأس خجلان خائف من أن يراه أحدٌ من الناس، مهموم يصور له خياله برغم عدم ظهور حمل ابنته أن الناس كلهم يرون بطنها ويعلمون أن فيه بذرة حرام يتمنى لو انشقت الأرض فابتلعته وابتلعتها وكل تفكيره فى كيفية العرض على الطبيب وماذا يقول له وكيف يتخلص من هذا العار وما الوسيلة لإخفاء هذه المصيبة ومن يدله على الجانى ليأكل كبده ثمن إذلاله له هذا الإذلال، هذا إذا كان سيسير معها أصلا إلى الطبيب وأما هى فمصيبتها أكبر من أن تسعها الدنيا جميعا وهى تتأرجح بين مخاوف عدة؛  أن يثبت الحمل فتتأكد المصيبة، ثم ماذا سيكون مصيرها بعد ذلك، وكيف سيعالج أبوها وأهلها من الذكور هذه المصيبة؟ وهل يمكن أن تنشق الأرض فعلا وتبتلعها؟

        إذا سَلِمَت الفطرة فلا يقبل امرؤ أيا كان أن يُثلَم عرضه ولو بنظرة، أما الفطرة المريضة المنتكسة فهى التى تقبل هذا النوع من الحياة، وقد اختلط فيها الحابل بالنابل ويتطرف الناس فى تعاملهم مع هذه الفعلة ولكن المرأة فى النهاية هى الضحية؛  أولا حين زنت وثانيا حين تقرر القبيلة أو الأسرة  التخلص من عارها بالقتل.

أمضها الألم والحزن وهدها حتى ما تكاد تنهض من سريرها حتى الصباح مما أضفى على وجهها وشاحا قاتما جعلها كالأشباح وما استطاعت أن تقوم بعملها فبقيت في مكانها بعدما أبلغت دهب أنها لن تنزل اليوم للعمل .

ظلت هكذا بلا راحة ولا طعام حتى أتاها خليل يستدعيها ليخرجا سويا ليريا حلا لهذه المصيبة فأمهلته ساعة لتفكر في الأمر ومن ثم تعطيه جوابها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مسرحية شعرية

  عن حادثة اتهام هند بنت عتبة بالزنا نظم : حمدى عبدالظاهر  المشهد الأول (على المسرح يبدو رجلان يتحدثان مع خلفية كأنها رمل ممتد بخلفي...