السبت، 23 يوليو 2022

مايقوما

 

الحلقة الثانية عشر

رقم الإيداع 6/13/2/2016


غيبوبة

بدت الشقة جميلة بعدما اكتمل أغلب أثاثها وإن كانت بدون غرفة النوم حتى ليظن الرائى أنها مكتب في شركة خاصة مع غرفة المكتب والمكتبة التي أصر خليل أن تكون في المنزل له ولها ولولا ظهور أثاثات المطبخ وتجهيزاته التي تبين بجلاء بما فيها من عدة وأوانى أنها شقة لسكن عاشقين جديدين  لتأكد هذا الظن الأول .

أصر خليل أن يستضيف اليوم انتصار في الشقة ومعها دهب على غداء فخم ليريا روعة ما وصلت إليه وليتمم ما أصر في البداية عليه من أن تكون الشقة مفروشة على ذوقها حتى تراها دائما كما تحب ووافقت الفتاتان وكان أن جهز لهما مائدة تكفى عشرة بما عليها من أطعمة كان حريصا ألا تكون تقليدية وإنما معظمها تقريبا مما لا يعرفه السودانيون في وجباتهم؛ اللحم المندى، الجمبرى، البوفتيك ولولا وجود الشية والكمونية لما عرفا المائدة السودانية في يومهما.

تعرفتا على الشقة بكل ما فيها من دقائق حتى السجاد لم ينسه خليل وإنما تركه حتى لا يصيبه الغبار فلم يضعه على الأرض ولم يبق له على تجهيز الشقة سوى غرفة النوم والستائر وكان سرورها عظيما أن يعلن أن ما وعده به تاجر الأثاث قد وفى به وما عليهما إلا أن يختارا ما يريدان من الغرف وكذلك قماش الستائر.

فكرت انتصار أن لو تركت لها الحرية لرقدت اليوم مكانها حيث أكلت على السجادة الوحيدة المفروشة على الأرض في الصالة من كثرة ما أحست من التخمة بعدما أكلت بشراهة لم تعهدها في نفسها من قبل حتى لقد نسيت أن هناك عصائر ومشروبات غازية فلما بدأت تتناول منها عانت كثيرا حتى تستطيع أن تتنفس من شدة ما حملت معدتها من طعام والعجيب أنها فوجئت بعدما رجعا الى السكن بنفس الشعور عند دهب فراحتا تضحكان كثيرا على ما هما فيه.

كانوا قد خرجوا بعد الطعام إلى معرض الموبيليا وانتقوا جميعا غرفة نوم مصرية، كثيرة النقوش والزخارف، ولكنها في غاية الجمال بل ولقد لاحظوا أن خشبها من الداخل من ذلك النوع المصقول الناعم مع لون بندقى فاتح لواجهة الدولاب وشئ من خشب التطعيم على الدولاب والسرير و التسريحة، كانت غرفة مذهلة حقيقة خاصة وأن مرآتها كانت من الضخامة بحيث استوعبت مساحة كبيرة من التسريحة مما أعطى بريقا خاصا لباقى الغرفة.

استغرق شراء الغرفة وقتا ليس بالهين من حيث مطالبة البائع بثمن مرتفع لها لم يصل إليه ثمن أعظم غرفة منتجة محلية بحجة أن خشبها زان وأنها صناعة مدينة دمياط أشهر أماكن صناعة الأثاث في مصر وفى النهاية استسلم خليل للرجل ودفع العربون على أن يأتيه في اليوم التالى للاستلام ويسدد باقى الثمن.

وكان عليهما أن ينهيا باقى التجهيزات ولم يكن بعيدا موقع معرض الستائر فاختارت نوعا من المخمل ذي اللون العاجى ليتماشى مع غرفة النوم حتى يمكن تفتيح اللون أكثر وكان بالطبع على خليل مرة أخرى أن يستهلك وقتا كبيرا قبل أن يتمم الصفقة مع الرجل لغلو السعر ولكنه في النهاية اشترى، أوليس هو الذى يريد الأجود حتى ولو كان الأغلى ؟

وفيما بعد ظهر اليوم التالى أسرع خليل إلى حيث يستلم ما اشترى بالأمس ومن ثم قضى يومه كله في النقل ومتابعة عمال التركيب حتى انتهى من غرفة النوم بالكامل بل وتركيب حديد الستائر في مكانه ولم يبق إلا أن يحضر القماش بعد تجهيزه لتركيبه وبذلك يكون قد أنهى كل ما يلزم تجهيز الشقة ليصبح كل ما يتبقى له إتمام العرس.

بقى من الزمن على العرس أسبوعان لم ير خليل غضاضة في أن يخاطب الحاج خليفة كى يسمح له بتقديم عقد القران وحفل الزفاف أسبوعا حتى يستطيع أن يواجه مفاجآت مكتب السفريات لو فاجأه ولكن الحاج خليفة اعتذر له بضيق الوقت وعدم اكتمال بعض ما هو مطلوب منه خاصة أنه يجب أن يأخذ فرصته لكى  يدعو الأهل والأصدقاء، وكثير منهم موجود خارح الحِلّة مما يوجب إعطاءهم فرصة لتجهيز أنفسهم ومن ثم المجئ.

-             نحن لا نملك يا دكتور أن نتجاهل كل أعراف الناس لا تنس أننا نحتاج لمصالحة كثيرين ممن لم ندعهم إلى حفل المرطبات في الخطبة فلن أستطيع أن أجمع عليهم التجاهل في المناسبتين.

              واضطر خليل أن يستسلم ومن ثم عزى نفسه بأن الشقة لم ينته العمل فيها بعد وأن مكتب السفريات لم يتصل به حتى الآن فلا مشاحة في الانتظار ولن يكون هناك ضرر وإنما كان يريد أن يتمتع بإطالة فترة شهر العسل قليلا قبل السفر .

ولكن وعلى غير ما يتوقع الحاج خليفة انبرى له اثنان يحاولان إثناءه عن قراره هذا فقد رأى مبارك أن موقف خليل لا غبار عليه من حيث طلبه وأن الزمان قد تغير وأن العرس يمكن تقديمه وأن التجهيزات المطلوبة لا تستعصى على التجهيز وأن دعوة الأهل فى باقى القرى يمكن ألا يأخذ وقتا إذا استطاع بالتليفون أن يتواصل مع الجميع وأن من أوجب أبوه أن يسافَر إليهم ليسوا بالكثير فما الداعى للتمسك بالموعد المحدد سلفا مع مثل ظرف خطيب ابنتهم ؟

وأما الحاجة قمر فقد كانت ترى أن سفر خليل لو فوجئ الجميع به فسوف يؤخر زواج ابنتها عاما ومن يدرى فربما لقى خليل فى السعودية فتاة أخرى من الوافدين سواء كانت من الوطن أو من بلاد أخرى من تلك الجنسيات الكثيرة التى تتساهل فى زواج بناتها فيتزوج، لقد كانت عاطفة الخوف الأمومى تغلبها فى التفكير فى مستقبل انتصار .

الرجل تشبث برأيه وأعلنها صريحة أنه حتى مع ما فى كلامهم من منطق إلا أنه لن يرجع فى قراره وبرغم الإلحاح الشديد من مبارك الذى لم يكن الحاج خليفة يرد له طلبا سابقا إلا أنه أصر هذه المرة على أن يمضى حتى النهاية فيما قال آنفا لخليل .

لم يضِع خليل وقته فكان نهاره ينقسم إلى ثلاثة أقسام ... الصباح للمستشفى بإشرافه على المريضات والعمليات  وبعد الظهر لمتابعة مكتب السفريات وباقى تجهيزات الشقة والمساء لإنهاء متعلقات المستشفى الطبية ومن ثم انتهاز الفرصة للخروج مع انتصار إلى حيث النزهة والطعام والحديث فيما يستقبل من أمرهما والذى بالطبع كان ستارا لما يقوله الحبيب فقد كان هو فقط الذى يتحدث بينما تظل هي محتفظة بعبادة الصمت والسماع فقط خجلا وحرصا وإن لم تكن تصده.

برغم أن العشاق في العادة يستبطئون الوصول إلى أيام العرس إلا أن صاحبينا كانا يشعران أن الأيام تمضى سريعا من فرط خوفهما من السفر فلقد عرفا من كل من غادر إلى السعودية كثرة المفاجآت من المكاتب بحيث يجد المرء نفسه مضطرا للقبول أو تضييع فرصة يراها ثمينة فيضطر إلى القبول بأى وضع حتى لا تفوته الفرصة، ومع إصرار الحاج خليفة كان اضطرابهما وإحساسهما بالعجز وبالحاجة للدعاء من أجل أن يتأخر مكتب السفريات عن موعد الزفاف ولو لمدة خمسة عشر يوما يتمتعان فيها ببعض من شهر العسل.

وفى تلك الأثناء بدأ خليل إجراءات استخراج جواز سفر لإنتصار على أنها عزباء على اعتبار أنه سوف يضيف نفسه فيه بعد الزواج وسيكون إجراءا أبسط من بداية استخراج جواز السفر بالكامل وذلك حتى يتسنى له استدعاؤها إلى حيث يعمل بمجرد تمكنه من ترتيب نفسه هناك بالسكن اللازم.

لم يعد باق على الزفاف سوى عشرة أيام وبالتالى كان على خليل أن يعلن والد انتصار ليدعو الأهل للعرس وكذلك أباه حتى يتمكن من تجهيز كل ما تحتاجه المناسبة من معدات ولوازم الطعام وكذلك إتمام الشقة حتى يمكن إتمام كل شيء فيها بما فيه إحضار انتصار للوازمها لوضعها في الشقة بما فيها ملابسها.

وفى النهاية جلب الستائر والعمال وتم تركيبها مما أضفى على الشقة مسحة جمالية تثير الإعجاب بحق ومن ثم تم تنظيفها لتصبح في أرق وأجمل ما ترى العين في شقة مثلها.

وبعد عصر يوم وقد بقى على العرس ثمانية أيام  قبلت طلب خليل منها أن تأتى معه لترى الشقة بعدما اكتملت حتى تبدى ملاحظاتها ومن عجيب الأمر أنها بحثت كثيرا عن دهب لتأتى معهما فلم تجدها فراحت مع خليل بنصف أسف فقد كان يهمها أن ترى معها الشقة لكنها وعلى أية حال فكرت في نفسها أنها ستأتى بها في يوم آخر لتريها إياها.

ما أن رأت دهب الشقة وتنسيقها الرائع وقد اكتمل كل شيء فيها حتى استعبرت وقد جاشت عاطفتها فلم تملك نفسها من إطلاق العنان لهذا الشعور وراحت تشكر خليل بحرارة على كل ما فعل حتى اندفع الدم إلى رأسه خجلا منها ولكنه كان إنما يفعل ذلك من أجلهما وليس لها وحدها فلا داعى لكل هذا، هكذا قال لها وهو يحاول التخفيف عنها.

ولكن وفى غرفة النوم رأت ما أدهشها؛ بعض حلقات الستائر وقد تركها العمال لم يضعوها في موضعها الصحيح فأشارت إليها تريه إياها فلما انتبه أسف ولكنه خفف من المسألة.

- غدا آتى بهم لعلاج هذا الخلل!

- ولِمَ؟! يمكننا أن نفعل ذلك الآن دون أن نحتاج إلى عمال مرة أخرى أنا أعلم  أنهم أتعبوك فما عليك سأقوم أنا بذلك خاصة وقد رأيت سلما خشبيا في المطبخ.

- انتصار المسألة لا تسلم وأنا أريدك سليمة وأخاف عليك من الإصابة وقد تشتبك الجوب في السلم فتسقطك أرضا.

- لا تخف سأستطيع فالمسألة بسيطة.

وأتى بالسلم من المطبخ ووقف ممسكا به لتصعد عليه بينما يحتوشه خوف أن تسقط خاصة وأنه يرتدى الجلابية مما يحد من حركته بعض الشئ، وصعدت انتصار وبدأت بخفة تعمل على إعادة تشبيك الحلقات وللحظة مالت قليلا إلى الخلف وهى تحاول أن تمسك طرف ماسورة الألمونيوم التي تعلق فيها الحلقات وزلق السلم قليلا إلى الخلف واختل توازنها وبدأت تتدحرج على السلم فشبك في أعلى القميص فمزق الجزء العلوى فجذبه خليل للخلف وتلقاها وراح معها إلى الخلف على السرير وقد انكشف صدرها بعدما تمزق القميص وما بعده ووجدا نفسيهما وجها لوجه وقد احتضنها وهى مكشوفة بالكامل قميصا وجوبا واندفع الدم في جسد خليل كله  ولم يتمالك نفسه ونسى ما يجب ولأنها المرة الأولى لكليهما التي يرى فيها ما يذهله ولا يمنع ملمس الجلابية عنه ذلك الملمس الناعم، وهى المرة الأولى التي تشعر هي فيها بلفح أنفاس رجل، فقد راح يجرب قبلة طويلة ورضخت ممنية النفس أن ينتهى الأمر سريعا فهى المخطئة ولن تعنفه وراحت تملص نفسها منه ولكن الشيطان كان أقوى منها ومنه فاختلسهما جميعا وراحا في غيبوبة إثم.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مسرحية شعرية

  عن حادثة اتهام هند بنت عتبة بالزنا نظم : حمدى عبدالظاهر  المشهد الأول (على المسرح يبدو رجلان يتحدثان مع خلفية كأنها رمل ممتد بخلفي...