الجمعة، 15 يوليو 2022

مايقوما

 

الحلقة الثامنة

رقم الإيداع 6بتاريخ13/2/2015

الشقة

من أجمل ما في د. خليل هو تلك الروح العملية التي لا تضيع الفرص ولا الوقت لذلك ما إن عاد إلى الخرطوم حتى بدأ يتواصل مع انتصار بغية التفاهم حول تجهيز السكن لتختار هي ما تريد بعدما يستأجر الشقة ولا مانع من أن يخرجا سويا لإنهاء التجهيز بسرعة فما عاد أمامهما سوى أيام فليست الأشهر الثلاث في عمر الزمن بكثير .

ولكنه رغم ما كان من حبه التقرب إليها إلا أنه احترم رغبتها في عدم التحلل من الرسميات تماما للحفاظ على نفسيهما و كرامتهما أمام الناس خاصة وأن ما هما عليه خطوبة وليست بزواج فكان كلما أراد محادثتها فإما تليفونيا أو في أماكن عامة في المستشفى أو بحضور دهب هذا المَلَك العظيم .

وفرح كثيرا عندما استطاع الحصول على شقة من أربع حجرات وصالة وهى وإن كانت في حى بحرى لكنه يعتبر من الأحياء الجيدة في العاصمة خاصة وأنه قريب من باقى مركز العاصمة، ومع المواصلات الجيدة يصبح قريبا من الحى الذى تقع فيه المستشفى والذى لم يستطع الحصول فيه على سكن لأن أهل البيوت فيه لا يعرفون لا لغة الألِف ولا لغة المليون  ككل أهل السودان وإنما كانت لغتهم بالمئات أو الآلاف لأن قاموسهم في التأجير كان لا يعرف إلا لغة الدولار أما لغة الجنيه أو الدينار فلم تكن متداولة في هذا الحى .

كانت الشقة قريبة من موقف الباصات الصغيرة والهايس في منزل مكون من طابقين ذي موقع جيد على ناصية أحد الشوارع لا يسكنه في الطابق الثانى غيره ولكنه عامر في الطابق الأول بمجموعة الدكاكين التي تمثل منطقة تجارية رائعة راقية مع ما حولها من دكاكين الحى التجارى .

وسرعان ما أبلغ انتصار وطلب إليها أن تصحبه إلى الشقة ليريا ألوانها ومساحتها حتى تستطيع أن تؤثثها كيفما شاءت ولكن وبابتسامة جميلة أجابته:

-           لن أستطيع الذهاب معك بمفردنا وإنما يجب أن يكون معنا ثالث .

-           (وباستغراب شديد) لماذا ؟ المسألة لن تستغرق دقائق نرى فيها الشقة ونقرر ماذا سنضع فيها ثم نرجع سريعا!

-           بل هي غير ذلك وإنما سنذهب ونعود في دقائق ليقول الناس هنا أين كانا وتبدأ الألسن تلوك قصتنا وتزيد فيه.

-           آه ...لم أنتبه لذلك يا انتصار فمن يا ترى ؟

-           دهب، أنا لا أعرف غيرها إخلاصا ومروءة .

وقد كان وانبهرتا بالشقة وفى طريق العودة  استضافهما على العشاء وحلوى  ثم إن خليلا زادت أريحيته في تلك الليلة فعرج بهما قريبا من الجامع الكبير إلى أحد دكاكين الذهب المتناثرة هناك فاشترى سلسلة ذهبية ويبدو أنه كان قد اتفق عليها مسبقا مع البائع لأنه فتح الأيقونة المعلقة فيها فإذا بداخلها الحرف الأول من اسمه والحرف الأول من اسمها منقوشان بطريقة جميلة باللغة الإنجليزية وكانت ليلتهما من الليالى المفعمة ودا وسعادة، وإن نغص على خليل فيها وجود دهب وراح يساءل نفسه إن كان يجب عليه أن يصحبها في كل خروج مع انتصار؟

لقد كان يريد أن ينفرد بها ليتحادثا على انفراد فيبثها ما في قلبه ويبنى معها أحلامهما دون رقيب، أن يكونا شابا وفتاة يتناجيان كما يتناجى أي رجل وامرأة هما لبعضهما في النهاية، لم يكن يحتاج منها إلى أكثر من ذلك، ولم يكن يصبر على أن يتحدثا في الأحاديث العامة والطبيعة والبحر والهواء والسياسة، ماله ولهذه الأشياء التي يجبره عليها وجود دهب؟

هو طلب منها هي أن يريا الشقة لا أن تراها معهما دهب فما الداعى لوجودها وهل ما تراه انتصار أمر موجود حقيقة بين الناس؟ إن أكثر الناس تدينا لا يصرون على ذلك فما بالها هي؟ وكيف ستمضى بهما الشهور الثلاث على هذا النحو؟

يجب عليها أن توجد حلا بموجبه يستطيع أن ينفرد بها، أن يحدثها ويستمع إليها، أن يعلمها بحبه الشديد لها وبأنه اختارها من آلاف الفتيات اللاتى التقى بهن على مدار حياته لأنه أحبها هي وارتأى أنها وحدها فقط من تستحق أن تعيش فيه ويحيا بها، وأنه رأى فيها جمالا وضياءا لم يرهما قبلا، وأنه أحبهما فيها، فما بالها تصر على أن تكون بعيدة كل هذا البعد وجافية كل هذا الجفاء؟ أتراها تشك في أذى قد يقع لها منه إذا ما كانا هناك ؟

أوصلهما إلى سكن الممرضات بينما انطلق هو إلى غرفته ليغير ملابسه ومن ثم يكمل ليلته فيعيش مع أحلامه وآلامه تلك التي فجعته بها حبيبته في اليوم الأول من خروجهما معا.

وكان حريصا على أن يحادثها قبل أن تنام ليعاتبها على ما صنعت به في أول يوم يخرجان معا ولكنه فوجئ بإجابتها العفوية والتى أعادته إلى فقه كان قد تعلمه من أبيه ولكنه نسيه من فرط حبه وحرصه على التقرب منها.

بمجرد أن طلب إليها خليل أن تخرج معه ليريا الشقة تعجبت دون أن تسئ الظن وإنما كان عجبها أنها عرفت فيما عرفت عن خليل أن أباه أدبه ورباه على التدين فكيف فاته أن ينتبه إلى ما هو مقدم عليه من اصطحابها هكذا دون انتباه لعيون الناس ودون تفكير فيما قد يحدث إذا عرفوا أنهما كانا في الشقة معا؟ صحيح أنه يريد أن يسعدها بهذه المفاجأة السارة خاصة وأنها في حى متميز، وشقة واسعة، ودهاناتها جميلة، لكن ألم يدر في خلده أبدا أن أقرب الناس معرفة بهما، دهب مثلا سوف تتساءل لماذا؟ حتى وإن أحسنت الظن فلسوف تعتبر أن خروجهما هذا إلى الشقة خطأ كان يجب أن يعلما به قبل فعله؟ فكيف لو حدث فعلا ؟ ومن ثم أرجعت طلبه هذا وغياب تلك المعانى عنه إنما لفرط حماسه فكان لا بد أن تلفت انتباهه !

كان هذا بعض ما دار بنفسها وهى تتلقى دعوته بالخروج معها لرؤية الشقة لذلك أجابته بما أجابت من وجوب وجود ثالث لهما يحفظهما من القيل والقال .

    أعلنت له انتصار كل هذه الأفكار تماما كما هي في التليفون وأنها لم تشك قط فيه ولا في حسن نواياه وبرغم قناعته كثيرا بما قالت إلا أن غصصه لم تنته .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مسرحية شعرية

  عن حادثة اتهام هند بنت عتبة بالزنا نظم : حمدى عبدالظاهر  المشهد الأول (على المسرح يبدو رجلان يتحدثان مع خلفية كأنها رمل ممتد بخلفي...