الحلقة السابعة
رقم الإيداع 6بتاريخ13/2/2015
عرض
برغم ما أصابه من ألم بسبب ما دار من حديث بين الثنتين إلا أنه زاده
بها إعجابا وتمسكا، فلو أنها كانت من أولئك الباحثات عن الزواج بأول متقدم لما
وسعها إلا أن تقبل به فكل ما فيه يعجب أي فتاة؛ طبيب ذو مستقبل جيد، ناجح في عمله،
ذو دخل محترم يحسده عليه الآخرون، لن يجد صعوبة في تجهيز العدة والجهاز.
أما كونها ترجئ المسألة لأسبوع تستعلم فيه عنه، وتستأمر فيه أبويها
فهذا ما تحمله بالتأكيد الفتاة ذات المنبت الطيب والتي يسعد أي زوج بالحصول عليها
والزواج منها، خاصة وأنها أيضا ممرضة مهنية ناجحة في عملها ملتزمة ومنضبطة، يشهد
لها الجميع بحسن الخلق كما أنها حسنة الخلق أيضا في كل ما فيها من خلق الله
وتصويره لها سبحانه .
قرر أن ينتظر دون أن يقترب منها بل لقد فضل خلال هذه المهلة ألا
يسألها عملا معه حتى يترك لها فرصة تفكر بعيدا عن احتكاكها به وحيائها منه، ويخطئ
من يظن أنها كانت عطل من الإنفعالات والأحاسيس وإنما كانت تمور داخلها موجات من
الأفكار وعواصف من التحليلات المنطقية وغير المنطقية لما هي فيه، فماذا عساها تخبر
أهلها، وكيف سيكون انطباعهم عن سلوكها لو أخبرتهم؟ وهل يا ترى سيصدقون أنها لم
تحادثه أبدا في غير عملها معه؟ وهل سيوافق أبوها على الأمر برمته؟ وكيف سترى
عائلتها المسألة؟ كيف ولم تخطب فتاة في القبيلة كلها بهذه الطريقة؟ وكيف أصلا
ستستطيع أن تخبرهم بالأمر دون أن تحتاج إلى غير قليل من حياء؟ وهل الأفضل أن تخبر
أخاها الأكبر مبارك ليخبر أباها أم أن الأفضل أن تخبر أمها رغم معرفتها أنها لا
كلام لها كثير مع أبيها في هذا الشأن ؟
عموما فقد قررت أن تحادث الوالدة لتقوم بالدور عنها فتستأذن الوالد
في زيارة الدكتور خليل لهم في الحلة وهو يناقشهم في المسألة بعيدا عنها؟
ومضت الأيام حبلى بالأفكار لا تستطيع أن تحسم فيها شيئا من أمرها
وكلما استحسنت شيئا عادت فلفظته مخافة أن تقع في خطأ يسئ إليها عند أهلها أو يسئ
لها عند أهل الحلة لعلمها أن لا شيء يخفى في الوطن عن الآخرين وأهلها طيبون لا
يجيدون الكتمان.
وأعياها الأمر حتى ما استطاعت أن تحسم شيئا فانتهزت أول فرصة لتأوى
إلى حاضنتها الجديدة وهى تعلم سلفا خبرها، غير أنها لجأت إليها تستأنس برأيها
وتحسم عندها أمرها فما عادت تستطيع ولعل ما قالته دهب سابقا أن الفرص لا تتكرر
يكون صحيحا أو لعلها ليست فرصة على الإطلاق لكنها يجب أن تحسم وأن تجيب الرجل
فالمسألة لم تعد هزلا وإنما هي من ناحيته جد الجد.
- سبق وقلت لك أن د. خليل لا يعيبه شيء
سواء في خلقه فهو وسيم مهندم، أو في علمه ووظيفته فهو طبيب له مكانته، أو في
أخلاقه فلم نر عنده منذ عرفناه هنا في المستشفى سواء قبل أو بعد مجيئك إلينا ما
يقدح فيه.
-
أنا
لم يشغلنى شيء من ذلك وإنما يشغلنى إخبار أهلى كيف ومن!
-
ماذا
تعنين بكيف ومن ؟
-
كيف
أخبرهم؟ ومن سيكون واسطتى منهم عند أبى؟
-
لا
تشغلى نفسك بكل هذا وإنما اشغلى نفسك بما يخصك فقط، هل تقبلين به أم لا؟
-
المسألة
عندى لا تعدو كونه إنسانا صالحا تقدم لى وليس للبنت إذا ما جاءها مثل هذا العرض أن
ترفض.
-
هذا
ما يريده هو منك وبقى عليك شيء آخر فقط .
-
ما
هو؟
-
دلينا
أين تقع حلتكم من مدنى بالضبط وكيف نصل إليها؟
-
(وبابتسامة) بالجمع؟
-
نعم
وما يمنع أن أذهب معه هو للرجال وأنا للنساء، هو للإتفاق وأنا للذب عنك في وجه كل
من يتجاوز حدوده في إساءة الظن بك وبسلوكك وهذا على افتراض أن يطلب منى ذلك.
-
اسمها
(......) على اليمين بين مدنى ورفاعة وطريقها معبد ترابى.
-
إذن
شكرا لك ونحن سنتصرف .
وانطلقت دهب إلى خليل تبشره بما يحب وتعرض عليه خدماتها إن أراد خاصة
وأنه يعلم أنها أيضا من مدنى .
الخطبة
لم يكن الطريق صعبا ولا عسيرا على موكب مكون من خليل ووالديه ودهب
التي أصرت على الذهاب معهم، وإنما كان سهلا يسيرا خصوصا أن القرية من تلكم القرى
المشهورة في المحلية بل ولم يكن أمر استقبالهم ورضا الحاج خليفة إمام بالمسألة
الصعبة وإنما استقبلهم الرجل استقبالا حارا فيه حفاوة وترحاب وإن كان فيه بعض
استغراب فالأصول في مثل هذه الأحوال أن يأتي العريس بنفسه أولا ليستطلع الأحوال
ويعرف ما هو جارٍ ليعد نفسه وأهله له أما ما حدث فقد كان غريبا على أهل المكان
خاصة وأن فيه نوعا من مظاهر الاستعجال وبرغم استدعائهم انتصار ومعرفتهم بالأمر إلا
أن الأمر كان فيه بعض غرابة ولكن لم يقلل ذلك من الترحيب بهم.
كان هم خليل أن ينجز اتفاقا ينهى به شوطا من الوقت تحسبا من أن يؤجل ما يريد تعجيله من الخير ولكن و مع ذلك
فلكل أمر أصوله التي لا فكاك منها وليس من الحذق أن يتخذ أبو انتصار قرارا قبل أن
يسأل ويتعرف على عائلة د. خليل وقبل أن يعرف رأى ابنته جليا فالذى هم مقبلون عليه
إنما هو حياة حتى الأبد سينبنى عليها مستقبل ابنتهم .
-
ولكن وعلى كل الأحوال فالأمر كمبدأ
مقبول وحبابك عشرة على شريطة أن تتركنا وإنما يجب أن تمهلونا أسبوعا لنعطيكم
الجواب النهائي ومسألة الاتفاقات الأخرى غير ذات بال، فالوطن معروفة فيه كل
متطلبات الزواج .
كانت هذه الليلة من ليالى سعد د. خليل
ولكنه كان يتصور أن المسألة ستنتهى سريعا أو ربما الجزء الشائك منها وهو الاتفاق
ولكنه في النهاية اقتنع بأن من حق أبيها أن يفتش عنه كما فتش هو عنها، وأن يبحث في
أصوله كما فعل هو في بحثه عنها وفى النهاية فالمسألة لها أعراف لا يجوز أن يتعداها
هو لمجرد رغبته في الإسراع في الاتفاق .
والحقيقة أن أمه وأخته أيضا أعجبا أيما إعجاب بانتصار خاصة وقد
لاحظتا حياءا و ذكاءا نافس أحدهما الآخر فى تصرفاتها وحديثها، و جمالا لا تعكره
كدرة المساحيق ولا تطريةُ المدينة فقد ظهرت لهما بذلك الجمال البدوى الذى يشع دفئا
وحنانا على كل ما حوله أو هكذا عجمتاها .
ولعل حديث دهب عن انتصار خلال الرحلة قد أعد الثنتين لهذه الحالة
النفسية من قبولهما لها وإن كان ما وجدتاه لا يؤدى إلا إلى نفس النتيجة فالفتاة
يحبها ويألفها كل من يراها .
وأما انتصار فقد كانت في جو آخر غير ما فيه كل من حولها فسرعة
الأحداث وحماسة خليل ومجئ أهله ومفاجأة الأمر لأهلها كل ذلك جعلها تضرب أخماسا في
أسداس في كيف توصل الأمر لأبيها وأمها وإخوتها دون أن يؤثر ذلك على رأيهم فيها
فلقد كان أخشى ما تخشاه أن يرى الجميع فيها متساهلة تقيم علاقات دون علمهم، وأن
يكون مجئ خليل بناء على علاقة حب نشأت بينهما قبلا خاصة وهما يعملان في مكان واحد.
وهو ما جال بالفعل برأس الحاج خليفة ولكنه آثر ألا يقلب الأمر مع
ابنته الآن خاصة وأن إخوتها لا بد أن يتدخلوا في الأمر وإن حاول هو أن يمنعهم فما
من شيء يختفى هنا لأن الكل يعيش في الكل والخصوصية مفقودة وعادة القبيلة أن تعرف
جميع ما تريد عن المرء فما بالنا بمن سيحملون في يوم من الأيام هم أختهم بعد أبيهم
فلا عجب أن يبحثوا عن المعرفة ولكن معرفة كل الأفراد لكل الأشياء فيما يخص اتفاقات
البشر هنا أحيانا ما يفقد المسائل انسيابيتها و سهولتها بل وأحيانا ما يفقد المرء
في ريف وطننا كثيرا من الفرص السهلة بسبب تدخل القبيلة والأسرة لذلك قرر ألا يتحدث
إلى انتصار إلا حين يخلو بها وأمها.
أما الحاجة قمر فقد استوثقت من أمر ابنتها من بداية مجيئها وحديثها
عن هذا الزواج المفاجئ وفتشت دخيلة ابنتها تماما حتى لم يعد عندها شك في صحة كل ما
قالته بل ولقد كان كلام دهب في مدح ابنتها تحصيل حاصل لأنها عرفت بقلبها وعقلها
عفة ابنتها وإلا لما جاء ابن الناس ليخطبها رغم ما عنده من بنات الحضر خاصة إذا
كان هذا الحضر هو مدنى والخرطوم لذلك كان هدوؤها بقدر قلق زوجها.
ومرت الأيام سريعة على الحاج خليفة وهو يرسل الرسل في السؤال عن خليل
وأهل خليل حسب ما عنده من عنوان سواء من أهل مدنى أو من أهله المقيمين هناك حتى
استوثق مما يحتاج إليه ولكنه كان يلهث كثيرا باحثا الشاردة والواردة بينما كان
مرورها على خليل بطيئا بطيئا كمشى السلحفاة على طريق طوله ثلاثمائة كيلو متر هي
المسافة من الخرطوم إلى حيث يسكن الحاج خليفة حتى أن فرحه بالإجابة كان على نفس
قوة توتره هذا، فما أن سمع الموافقة حتى حدد موعدا ذهب إليه هذه المرة مع والده
وقد أعد نفسه بالشنطة وقولة الخير وكل ما يمكن أن يفعله من أجل أن يوافق الحاج
خليفة على تسريع المسألة.
حتى لا يتأخر عما يريد من وقت فقد قرر الذهاب بنفسه بدلا من أن يجعل
له سفيرا في مسألة الاتفاق على عكس ما يفعل كل الناس وإن كان قد أخذ معه أخاه عمر
ليكون سفيره في خطوة عملية لتقصير أمد الإجراءات وأتم كل ما يريد من خطوات مع
الحاج خليفة على أن تتم الخطبة بعد خمسة أيام أي في يوم الخميس القادم ومن ثم بعد
ثلاثة أشهر يكون الزواج وسيكون خلالها خليل قد جهز كل ما هو مطلوب منه لتأثيث
المنزل
.
وأخيرا جاء يوم الخميس ليمسى خليل وقد حظى بروعة الاقتران بانتصار
خطيبة على أمل أن تمر الأشهر الثلاث كما مرت الأشهر الستة الفائتة والتي أضناه
فيها الترقب والانتظار ولقد كان يوم له ما له حلاوة وروعة وأروع ما فيه كان جلال
حضور أهل الخطيبين في حفل المرطبات الذى أقيم عند الحاج خليفة .
وأخيرا عادا إلى الخرطوم كل بطريقته، عادا وقد تحللت انتصار قليلا من
بعض ما كان عندها من التشدد في تعاملها مع خليل فلم يعد هو ذلك الغريب الذى تنحصر
علاقتها به في غرفة العمليات ولا غرفة التمريض ولا استشارات المريضات وإنما صار
رسميا رجلها الذى يجب أن يتعامل معها الجميع على أساس هذا الفهم للعلاقة بينهما
لكنها كانت برغم ذلك تفضل دائما أن تكون تلك العلاقة في العلن بحيث لا يأخذ عليها
أي انسان أنها فرطت بعد الخطوبة فيما كانت تحتفظ به قبلها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق