الخميس، 16 أغسطس 2018

الطلاق المستشرى ...أسبابه وأحواله وعلاجه

المقال السابع عشر 

ما زلنا نتحدث عن علاج الطلاق والكلام هنا عن مرحلة الوقاية وفى هذه المرحلة نجيب عن سؤال ألا وهو :
هل يصلح الزواج بعد قصة حب ؟ 

الحب كأساس للاختيار
الحب عاطفة نبيلة وأقصد به تلك العلاقة القلبية التى تربط بين رجل وامرأة فتعصف بقلبيهما وبروحيهما حتى يمتزجا فى بوتقة واحدة ولعل أحد النصوص الجميلة فى هذا الباب ما كتبته يوما فى إحدى تأملاتى للأحبة (أنا لن اقول أحبك ...لم تعد تستطيع التعبير عما بداخلى وقد امتزجت روحك بروحى فصارتا فى صدرى شيئا واحدا ، فصار ما يرهبك يفزعنى وما يؤلمك يقتلنى وما يشك أصبعك يذبحنى ولا تدري يا أنت التى صارت أنا كم هى هذه الأنا تلك التى حببت إلى الأنانية إذ هى امتلاكى واحتوائى التى صارت أنت  ..لدرجة أننى أحيانا اسأل نفسى هل أنا أظلم بعض من هم حولى بسبب هذا الحب الذى كلفنى ألا آبه لأحد سواك فى وجودك فكأنك شمس تشرق فى يومى فيبهر ضوؤها عينى فلا أرى حولها شيئا .
و لن أقول أحبك لأنها لم تعد تفى بحقك فى قلبى وقد صرت الأنا المقدمة والتى دونها نفسى السابقة والتى ذابت فيك ، فى أنفاسك ونظراتك وهمساتك وأناتك وآهاتك وابتساماتك وسكتاتك وصرخاتك ويقظتك ومنامك حتى لقد كنت كثيرا ما أتأمل فيك راقدة وأحدثك همسا مخافة أن أوقظك يا تلك التى هى أنا ...أنا المقدمة والتى تفديها تلك التى بدأتُ بها حياتى حتى اهتبلتيها بالهناء والشفاء وصرت أنت أنت أنا . و لن أقول أحبك لأنها ستشوه وصف ما فى قلبى لك وهل يمكن أن يحب امرؤ نفسا أكثر من نفسه وقد صرتيها بعدما راحت تلك الأولى تسفيها الريح إلى واد سحيق فأنا أحيا الآن بنفس واحدة هى نفسى التى هى أنت بينما صارت تلكم المتلظية نار الهجر منى هناك لا تملك إلا أن ترنو إليك اشفاقا على حالها وخوفا من أن أستعيدها فتحل محلك ... حتى هى تساعدنى على نسيانها ما دامت حياتى تتنفس أنفاسك .)
نعم الحب عاطفة قوية ترقق القلوب وتظمئ النفوس وتسمو بها الأرواح فيحلق المحبون بها إلى سماء غير تلك السماء التى تظلل أرضنا وإنما هى سماء غامضة ناعمة تجمع المتناقضات جميعا ففيها السعادة والجوى وفيها التنعم والتلظى وفيها الأنس والشوق وفيها الأمل والألم وفيها كل ما تتحرك له قلوب العاشقين مع القرب والبعد .
وهو عاطفة تغلب أصحابها فتسمو أنفسهم إلى حد التضحية بالنفس من أجله وتغتال العقول حتى ما يرى  المحب بعين قلبه سوى المحبوب حتى وإن أودى به ذلك إلى المهالك وللحب فى ديننا ( واقصد بالحب ذلك العشق الذى يجمع بين قلوب العاشقين ) أصل ووجود ولكنه ممدوح ومذموم حسب تأثيره على المبتلى به .....
ففى بيت النبوة حدثان يظهران قيمة الحب بين الرجل والمرأة (عن عمرو بن العاص ، أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : من أحب الناس إليك ؟ قال : عائشة . قال : من الرجال ؟ قال : أبوها .)
ذهب أبو العاص إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، وقال له: أريد أن أتزوج زينب ابنتك الكبرى.فقال له النبي: لا أفعل حتى أستأذنها.ويدخل النبي صلى الله عليه وسلم على زينب ويقول لها: ابن خالتك جاءني وقد ذكر اسمك فهل ترضينه زوجاً لك ؟فاحمرّ وجهها وابتسمت .
فخرج النبي.وتزوجت زينب أبا العاص بن الربيع، لكي تبدأ قصة حب قوية.وأنجبت منه 'عليا' و ' أمامة '. ثم بدأت مشكلة كبيرة حيث بعث النبي .وأصبح نبياً بينما كان أبو العاص مسافراً وحين عاد وجد زوجته أسلمت.
فدخل عليها من سفره،فقالت له: عندي لك خبر عظيم.فقام وتركها.فاندهشت زينب وتبعته وهي تقول: لقد بعث أبي نبياً وأنا أسلمت.فقال: هلا أخبرتني أولاً؟
قالت له: ما كنت لأُكذِّب أبي. وما كان أبي كذاباً. إنّه الصادق الأمين. ولست وحدي. لقد أسلمت أمي وأسلم إخوتي، وأسلم ابن عمي (علي بن أبي طالب)، وأسلم ابن عمتك (عثمان بن عفان). وأسلم صديقك أبو بكر الصديق فقال: أما أنا لا أحب الناس أن يقولوا خذّل قومه.وكفر بآبائه إرضاءً لزوجته. وما أباك بمتهم.ثم قال لها: فهلا عذرت وقدّرت؟
فقالت: ومن يعذر إنْ لم أعذر أنا؟ ولكن أنا زوجتك أعينك على الحق حتى تقدر عليه. 
ظل أبو العاص على كفره.ثم جاءت الهجرة، فذهبت زينب إلى النبي وقالت: يا رسول الله..أتأذن لي أنْ أبقى مع زوجي.فقال النبي: أبقى مع زوجك وأولادك. وظلت بمكة إلى أنْ حدثت غزوة بدر، وقرّر أبو العاص أن يخرج للحرب في صفوف جيش قريش.زوجها يحارب أباها، وكانت زينب تخاف هذه اللحظة فتبكي وتقول: اللهم إنّي أخشى من يوم تشرق شمسه فييتم ولدي أو أفقد أبي . ويخرج أبو العاص بن الربيع ويشارك في غزوة بدر،
وتنتهي المعركة فيُؤْسَر أبو العاص بن الربيع، وتذهب أخباره لمكة،
فتسأل زينب: وماذا فعل أبي؟  فقيل لها: انتصر المسلمو ، فتسجد شكراً لله.
ثم سألت: وماذا فعل زوجي؟فقالوا: أسره حموه.فقالت: أرسل في فداء زوجي ، ولم يكن لديها شيئ ثمين تفتدي به زوجها، فخلعت عقد أمها الذي كانت تُزيِّن به صدرها،وأرسلت العقد مع شقيق أبي العاص بن الربيع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.وكان النبي جالساً يتلقى الفدية ويطلق الأسرى، وحين رأى عقد السيدة خديجة سأل: هذا فداء من ؟ قالوا: هذا فداء أبو العاص بن الربيع ، فبكى النبي وقال: هذا عقد خديجة ، ثم نهض وقال: أيها الناس..إنّ هذا الرجل ما ذممناه صهراً فهلا فككتم أسره ؟ وهلا قبلتم أنْ تردوا إليها عقدها ؟ فقالوا: نعم يا رسول الله ، فأعطاه النبي العقد، ثم قال له: قل لزينب لا تفرطي في عقد خديجة ، ثم قال له: يا أبا العاص هل لك أن أساررك ؟ ثم تنحى به جانباً وقال له: يا أبا العاص إنّ الله أمرني أنْ أُفرِّقَ بين مسلمة وكافر، فهلا رددت إلى ابنتي ؟ فقال: نعم.وخرجت زينب تستقبل أبا العاص على أبواب مكة ، فقال لها حين رآها: إنّي راحل. فقالت: إلى أين ؟ قال: لست أنا الذي سيرتحل، ولكن أنت سترحلين إلى أبيك ، فقالت:لم ؟ قال: للتفريق بيني وبينك ، فارجعي إلى أبيك ، فقالت: فهل لك أن ترافقني وتُسْلِم ؟فقال : لا. فأخذت ولدها وابنتها وذهبت إلى المدينة . وبدأ الخطاب يتقدمون لخطبتها على مدى 6 سنوات ، وكانت ترفض على أمل أنْ يعود إليها زوجها . وبعد 6 سنوات كان أبو العاص قد خرج بقافلة من مكة إلى الشام ، وأثناء سيره يلتقي مجموعة من الصحابة . فسأل على بيت زينب وطرق بابها قبيل أذان الفجر،فسألته حين رأته: أجئت مسلماً ؟ قال: بل جئت هارباً. فقالت: فهل لك إلى أنْ تُسلم؟ فقال: لا . قالت: فلا تخف. مرحباً بابن الخالة . مرحباً بأبي علي وأمامة.  وبعد أن أمّ النبي المسلمين في صلاة الفجر، إذا بصوت يأتي من آخر المسجد : قد أجرت أبا العاص بن الربيع . فقال النبي: هل سمعتم ما سمعت ؟ قالوا: نعم يا رسول الله قالت زينب: يا رسول الله إنّ أبا العاص إن بعُد فابن الخالة وإنْ قرب فأبو الولد وقد أجرته يا رسول الله  . فوقف النبي صلى الله عليه وسلم.وقال: يا أيها الناس إنّ هذا الرجل ما ذممته صهراً . وإنّ هذا الرجل حدثني فصدقني ووعدني فوفّى لي . فإن قبلتم أن تردوا إليه ماله وأن تتركوه يعود إلى بلده ، فهذا أحب إلي . وإنُ أبيتم فالأمر إليكم والحق لكم ولا ألومكم عليه . فقال الناس: بل نعطه ماله يا رسول الله.فقال النبي: قد أجرنا من أجرت يا زينب  . ثم ذهب إليها عند بيتها وقال لها: يا زينب أكرمي مثواه فإنّه ابن خالتك وإنّه أبو العيال، ولكن لا يقربنك، فإنّه لا يحل لك . فقالت : نعم يا رسول الله . فدخلت وقالت لأبي العاص بن الربيع: يا أبا العاص أهان عليك فراقنا . هل لك إلى أنْ تُسْلم وتبقى معنا . قال: لا. وأخذ ماله وعاد إلى مكة. وعند وصوله إلى مكة وقف وقال: أيها الناس هذه أموالكم هل بقى لكم شيء ؟ فقالوا: جزاك الله خيراً وفيت أحسن الوفاء . قال: فإنّي أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله . ثم دخل المدينة فجراً وتوجه إلى النبي وقال: يا رسول الله أجرتني بالأمس واليوم جئت أقول أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله . وقال أبو العاص بن الربيع: يا رسول الله هل تأذن لي أنْ أراجع زينب ؟ فأخذه النبي وقال: تعال معي . ووقف على بيت زينب وطرق الباب وقال:يا زينب إنّ ابن خالتك جاء لي اليوم يستأذنني أنْ يراجعك فهل تقبلين ؟ فأحمرّ وجهها وابتسمت . والغريب أنّ بعد سنه من هذه الواقعة ماتت زينب فبكاها بكاء شديداً حتى رأى الناس رسول الله يمسح عليه ويهون عليه ، فيقول له : والله يا رسول الله ما عدت أطيق الدنيا بغير زينب. ومات بعد سنه من موت زينب.
وعن ابن عباس قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن عندنا يتيمة وقد خطبها رجل معدم ورجل موسر وهي تهوى المعدم ونحن نهوى الموسر فقال صلى الله عليه وسلم: لم ير للمتحابين مثل النكاح
وأما القصة الرابعة  فهى بين اثنين من صحابة النبى المرأة منهما كارهة والرجل عاشق لا يخجل من البكاء خلفها والنبى صلى الله عليه وسلم لا ينهره لأنه يعلم مدى تدلهه بحبها والذى ألهاه عن نفسه فيتعجب النبى صلى الله عليه وسلم من هذا الحب .
عن ابن عباس أن زوج بريرة كان عبدا يقال له مغيث كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعباس يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة ومن بغض بريرة مغيثا فقال النبي صلى الله عليه وسلم لو راجعته قالت يا رسول الله تأمرني قال إنما أنا أشفع قالت لا حاجة لي فيه ) والحديث فى البخارى
والحدث كان بعدما كاتبت بريرة عن نفسها فتم التفريق بينهما على أساس أنه عبد وهى أصبحت حرة .
أربع  قصص حب منها ثنتان فى بيت النبوة فهل ترون حبا مثل ذلك ؟ النبى صلى الله عليه وسلم لم يمنعه وقار النبوة وعظمة المقام من أن يصرح بحبه لعائشة رضى الله عنها بل وحين يسأل عمن يحبه من الرجال لا يقول أبو بكر ولكن ينسب من يحب إليها فيقول صلى الله عليه وسلم أبوها وابنة النبى صلى الله عليه وسلم تصبر سنوات على زوجها وتفتديه مرة وتجيره على المسلمين مرة ( رغم التفريق بينهما بحكم الدين ورغم كثرة الخطاب بعدما تم الفراق ) حبا فيه وأملا أن يدخل الجنة معها لا لشئ إلا لأنها تحبه لأنه زوجها الذى لم تر منه إلا الخير ولأنه أبو طفليها .
ورجل لا يستحى أن يمشى ودموعه تنزل على لحيته خلف زوجته السابقة التى يحبها والتى فارقته بحكم عدم الكفاءة ( هى أصبحت حرة وهو مازال عبدا ) ولكنها تأبى رغم شفاعة النبى صلى الله عليه وسلم .  
كما أن هناك حديث النبى صلى الله عليه وسلم الذى صححه الألبانى يصرح فيه النبى صلى الله عليه وسلم بأن هناك حب وهناك متحابين ولكنه يحسم مسألة الحب بأنه لا يصلحه إلا الزواج ولكن إقامة علاقة حب بين اثنين بدون زواج فهذا هو الحرام بعينه .
والآن وبعدما رأينا أن الحب قائم وأن المحبين أناس تغلبهم عواطفهم فيأخذون قرارات بناء عليها فهل يمكن أن يكون الحب سببا فى الختيار يتم به تغليب الحب على ما عداه من مقومات الاختيار ؟
 المسألة تحتاج إلى بعض تفكير فالحب وارد ووارد أيضا أن يصيب أى انسان رجلا كان أو امرأة ولكن الإيمان يعصم أهله من الوقوع فى المعصية بسبب الحب ، فالمؤمن أو المؤمنة إذا وقع أحدهما فى الحب فإنه ينظر إلى المسألة بعين البصيرة وأنه إذا كان مستطيعا للباءة فعليه علاج حالة الحب هذه بالتقدم لخطبة من وقع فى هواها وهذا فيما يخص الرجل فإن لم يوفق إلى نيل مراده فعليه الإعتصام بدينه وبصبره محتسبا ذلك عند الله عز وجل فإن تزوجت من يهواها فعليه أن يعصم نفسه من التفكير فيها بتقوى الله والزواج إلى أقرب من تقبلها روحه صيانة لدينه وعرضه وعرض من يهواها .
 وأما المرأة الثيب فهى مثل الرجل فى هذا الأمر ( تملك قرارها ) وعليه فيمكنها أن ترسل من تثق فيه من أهلها إلى ذلك الرجل ( كما صنعت خديجة رضى الله عنها عندما أرسلت ميسرة إلى النبى صلى الله عليه وسلم ) ليزكيها عنده ويحسنها إليه لعله أن يخطبها وأنا أعرف كثيرا من الرجال من خطب لابنته من رضى خلقه ودينه .
فماذا تصنع الفتاة البكر ؟ هنا تكمن المشكلة فإن المجتمع الذى نحيا فى كنفه لا يرى فيمن تصرح بذلك لأهلها إلا خيبة الأمل وسوء الأخلاق ولذلك فلا أملك لها إلا أن تصبر وتدعو الله كثيرا أن ينيلها ما تتمنى وإن كان الأمر لا يخلو من بعض حسن تصرف شرط أن تتحسس فى تصرفاتها حتى لا تتهم فى عرضها أو يظن بها الشاب الذى وقعت فى حبه سوءا والحقيقة أننى لا أجد لها حلا سوى البوح لأمها أو أختها الكبيرة التى تحسن التصرف أو لأخيها إن كانت صلتهما قوية يقبل معها مثل هذا البوح على ألا تبوح لغير هؤلاء لأنهم الوحيدون الذين يسترونها ( لا أثق بالصديقات فى هذا الشأن مهما كانت درجة الصداقة ) وعلى أهلها هؤلاء أن يساعدوها فى مبتغاها بما لا يضيع كرامتها بمعنى أن يتعلم مجتمعنا ثقافة خطبة أهل المرأة للرجل بشرط وحيد ، نعم بشرط وحيد ولا بد من هذا الشرط مهما كان ما سيحدث لو لم يوجد هذا الشرط  وهو أن يكونوا يعلمون تمام العلم أن الشاب الذى سيخطبونه لابنتهم من أهل المروءة الذين لا يرون نقصا فى فتاة خطبه أهلها لها ولا بد أن يتعلم المجتمع هذه الثقافة .
غير أن ذلك كله لا بد أن يكون فى إطار الشروط السابقة جميعا وهى الاختيار على أساس الدين للمرأة والدين والخلق للرجل بمعنى أنه إذا ضرب الحب قلبا فلا بد قبل أن يتخذ أى إجراء نحو القرب من المحبوب ( زواجا) أن يُخْضِع المحبوب إلى تلكم الشروط وإلا فهو حب فاسد وهوى مذموم .
فإن لم ينل أحدهم مراده ولم يوفق إلى الزواج بمن يهوى فما عليه إلا الصبر وعلاج قلبه بالتقرب من الله سبحانه على رجاء أن ينسى .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مسرحية شعرية

  عن حادثة اتهام هند بنت عتبة بالزنا نظم : حمدى عبدالظاهر  المشهد الأول (على المسرح يبدو رجلان يتحدثان مع خلفية كأنها رمل ممتد بخلفي...