المقال الثالث عشر
آثارالطلاق على الأطفال
وإذا كان الزوجان يعانيان كثيرا من الطلاق فإن الأبناء لا يعانون فقط
وإنما معاناتهم لا يمكن أن تقارن أبدا بمعاناة الأبوين لأنه بالتأكيد تكون
...صارخة .. صادمة ... قاهرة ... مدمرة ... وسأحاول أن ألقى نظرة على هذه المعاناة ...
·
إلى من يكون انحيازهم ....
هذا السؤال دائما ما يكون أول ما يُطرح عند الطلاق خاصة لو لم يتفق
الأبوان على الإجراء الذى سوف يتعاملان به فى مسألة الحضانة ولعل معاناة الأبناء
تشتد عندما يجدون أنفسهم يترحلون كل فترة إلى أحد الأبوين بينما يحرمون من الثانى
فهم فى فقد مستمر للتواصل مع أحد الأبوين وإذا كان من المهم للطفل لكى يكون سويا
أن يتربى بين أبويه فإن هذا الإنفصال وتلك التنقلات المستمرة تؤثر بالسلب فيهم بل
وربما بلغ الحنق بأحد الأبوين أن يحاول تشويه الآخر لدى الأطفال مما يؤدى إما إلى
حالة من الكره لهذا الطرف أو إلى حالة من الفصام الناتجة عن هذا الضغط فيما لا
يجدون ما يحاول الطرف المشوِّه أن يلصقه بالطرف المشوَّه .
·
فقد الثقة فى الأسرة والأبوين وفى الزواج بصورة عامة
فالطفل ينظر دائما إلى أبويه على أنهما الأفضل فى العالم فهو لا يشعر
بالراحة والأمان إلا بينهما ، لذلك فإنهم يصدمون تماما بالطبع بسبب الخلافات
المستمرة والمشاجرات التى تحدث بين الأبوين قبل الطلاق ومن ثم تنسحب هذه الصدمات
المتوالية إلى ما بعد الطلاق بصورة تجعلهم يفقدون الثقة تماما فى حسن تصرف أبوين
لم يستطيعا الحفاظ على حياتهما المشتركة ولم يستطيعا المحافظة على هذا الكيان الذى
سبب لهم هذا التمزق وتلك المعاناة بل وإذا تصاعدت الخلافات فيما بعد الطلاق بحيث
ألجأت الطرفين إلى المحاكم بسبب الحضانة وبالتالى سحب الأبناء إلى المحكمة فإن
الأطفال ربما يفقدون الثقة ليس فى الأبوين فقط ولكن فى الأسرة بل وفى النظام
الإجتماعى بأكمله .
·
ارتباك حياة الأبناء
وفى حالة ما انفصل الأبوان بهدوء واتفقا على أسلوب الحضانة وكان يقضى
بوجود الأطفال مع كل واحد منهما لمدة معينة فإن هذا بالتأكيد سوف يجد الأطفال
أنفسهم فى حالة مربكة من عدم الإستقرار التى قد تؤثر عليهم فى تنظيم أمور حياتهم
بخلاف الطفل المستقر فى مكان واحد مستقل مستطيع أن يرتب شئونه بصفة مستمرة على وضع
خال من الإرباك و عدم الترتيب خاصة لو كان ما سينتقل إليه مكان فيه امرأة غير أمه
أو رجل غير أبيه .
·
لا يتمتع بطفولته
ينمو أسرع من أقرانه حيث أنه يواجه المشاكل فى مرحلة مبكرة من العمر
خاصة إذا كان الأبوان ممن لا يستطيعون التحكم فى انفعالاتهم فى حالات الغضب
والشجار وأيضا لأنهم فى حالة وجودهم مع أحد الأبوين فى سكن مستقل فإن ظروف خروجه
للعمل وترك الأبناء فى المنزل تجعلهم يعتمدون على أنفسهم فى كثير من الأشياء التى
تحتاج إلى الكبار ليؤدوها عنهم بل وخارج المنزل نظرا لعدم تفرغ صاحب الحضانة خصوصا
فى المدرسة أو الحضانة .
·
ظهور مشاكل سلوكية لدى الأطفال
مثل
الحزن الذى يسبب الإنطواء والإنغلاق على النفس والغضب الذى يتجذر فى نفسية الطفل
وينعكس على سلوكه نتيجة حالات الإحباط المستمرة التى سببها الفشل الأسرى بآثاره
الكثيرة والتى لا يتحملها خاصة لو كان
يحتك كثيرا بعائلة الطرف الحاضن الذى ربما يتحدث أمامه بما يسئ إلى الطرف الآخر (
الأب أو الأم ) وقد يؤدى به ذلك دون أن
يدرى إلى العدوانية والعنف أو حتى التبول اللاإرادى فى محاولة لإظهار رفضه لهذا
السلوك الإجتماعى من الأبوين .
·
التأخر العقلى وتأخر التحصيل العلمى
وهما النتاج الطبيعى لطفل يعانى من غياب العاطفة الوالدية المشتركة
والمحضن الدافئ والرعاية النفسية المستمرة حيث أن لكل هذه الأشياء تأثير قوى على
البناء الذهنى للطفل والذى بفقدها يفقد أهم أسس الدعم النفسى والتربية العقلية
والنمو الإدراكى .
وأخيرا فإن الطفل اليتيم قد يكون أحسن حظا من طفل الفشل الأسرى لأن
اليتيم يجد من العطف المجتمعى ما يمكن أن يمحو عنده نزعة النقمة على المجتمع بينما قد لا يجد الطفل الذى تسبب فشل الأبوين
فى الحفاظ على الأسرة نفس النوع من التعاطف المجتمعى بل إن بعض العائلات ( التى
تشارك الطرف الحاضن فى الرعاية ) تنظر إلى هذا الطفل على أنه جريمة ارتكبها
الأبوان فيعاملونه على هذا الأساس .
آثار الطلاق على عائلتى الرجل والمرأة
أقصد هنا الأبوين
لكل طرف برغم أنهما ربما لم يكن لهما دور
فى اختيار ابنهما أو ابنتهما لشريك الحياة أما لو كان لهما دور فالمصيبة تكون
حينها أعظم فما هو يا ترى مردود الطلاق عليهما ؟
إن أشد شئ على نفس
الأبوين هو عودة فلذة الكبد (رجل أو امرأة ) بخيبة أمل من زواج فاشل لأنه يشعرهما
أولا بفشلهما فى التربية وثانيا بالحسرة على ضياع فرصة استقراره الذى كانا ينشدانه
عند التزويج ، وتكون المصيبة أشد وأنكى عندما يكون من نواتج هذا الزواج أطفال سواء
كان طفلا واحدا أو أكثر فيصبح الأمر لديهما كيف يعالجان الأمر ؟ ذلك الشاب الرجل
العائد بعد معاناة فى (ربما ) إصلاح زواج لم يوفق فيه أو تلك الفتاة المرأة التى
عادت وقد فقدت حياتها الزوجية التى (ربما ) أنفقت كثيرا من كرامتها أو صبرها من
أجل إصلاح هذه الحياة الزوجية بل وكيف يعالجان نتاج هذا الزواج الفاشل من أطفال إن
وجدوا بل كيف يتعاملون مع اجراءات إنهاء
هذا الزواج الفاشل سواء فى الجلسات العرفية أو فى المحاكم ناهيك عن مصيبة وصم
أحدهما بأنه كان السبب إذا كان هذا ما حدث ............
السبب فى اختيار
فاشل للزوج أو الزوجة مع استمرار اللوم لهما على ذلك
السبب فى خراب البيت
وتحطم الأسرة لأن الإبن أو الإبنة أدارا حياتهما اعتمادا على توجيهه
إنها معاناة حقيقية تلازم
الأبوين حتى تنتهى تلك المرحلة من حياة المطلقين بزواج جديد ناجح وإلا فحتى لو لم
يكن هناك لوم مباشر كلامى فنظرات العيون تجرح وتؤذى أحيانا أكثر من الكلمات .
وهى معاناة حقيقية بسبب ما يتكبده الأبناء من ألم بسبب هذا الفشل خاصة
من الأمهات اللاتى تستشعر ألم هذا الوضع الجديد فتبدأ من جديد فى محاولة لحل هذا
العسر وربما بعسر جديد وكثير من الأمهات من يفعلن ذلك .
بل ولا يكفى أن يتلقى الطرفان ألم (البحث عن الأسباب ) ممن حولهم من
البشر سواء الباحثين منهم عن زوج أو زوجة ليتأكدوا أن العيب ليس عند الطرف الذى
يريدون الاقتران به أو أولئك الأهل ( الحشريين ) الذين لا ينفك أحدهم يبحث وينقب
عن الفولة ومن زرعها والذى يضطر معه البعض إلى العيب فى الطرف الآخر لمجرد إظهار
براءة المنتسب إليه .
ثم تأتى المعاناة الأشد حين يتواصل إقبال الخطاب على المرأة فى محاولة
للحصول على زوجة ( بثمن بخس ) لأنها مطلقة بمعنى أن ينظر إليها على أنها كما
يطلقون عليها بالمصطلح الإنجليزى ( second
hand
) وغالبا ما يكون هؤلاء الخطاب ممن يريدون زوجة بزواج سرى أو زواج عرفى لأن لديهم
زوجات لا يريدون أن يعرفوا بزواجهم هذا .
ونفس المعاناة يقابلها الرجل الذى يرى فيه
أهل من يتقدم للزواج منها بنفس المنطق ( second hand ) لذلك يصعبون عليها المهر
والضمانات التى يريدون أن يحموا بها ابنتهم من نزق هذا الرجل لئلا يفعل بها مثل ما
فعل بالأولى .
وكل ذلك يواجهه الأبوان مثلما يواجهه المطلقان فيعانيان مثل ما يعانيان
ويكفران بأعراف هذا المجتمع البائس الذى لا يرى فى المطلقين إلا مجرمين يجب أن
يعاقبا على هذا الفشل فى الزواج ولكنهما فى النهاية جزء من هذا المجتمع ولو كانا
فى وضع المجتمع الخارجى بالنسبة لمطلقين آخرين لفعلوا مثلما فعل بهم فينكفئون
جميعا على أنفسهم يجترون أحزانهم وآلامهم فى صمت وترقب وانتظار .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق