عاطفة
لم يعد خليل يحتاج إذنا بعد ذلك لإمساك يد انتصار بل لقد استسلمت له
وهو يسمعها مع ما يسمعها من أحلامه ومكنون قلبه وكانت تحاول كثيرا ألا تنغص عليه
ما دام هو يعبر عما عنده وهى تستمع فلن يضيرها ذلك وإن كانت دائما في حاجة لأن
توقف ذلك الهاجس المستمر الذى ينغص عليها كل حركة وهمسة، والذى راح ينقص من مشاعر
اللذة ويدها بملك كف خليل مع كل خروج والذى يبدو أنه اعتبر أن ذلك استيلاء على أرض
في معركة لا يجوز التنازل عنه في سهولة بل
قد اعتبره فتحا يوجب التوغل في أرض الغير حتى ولو كان هذا الغير انتصار .
كانت فلسفة خليل تقوم على أمرين الأول منهما أن انتصار أصبحت بالفعل
خطيبته أمام الله وأمام الناس وإمساك اليد وإن كان الشرع يعتبره تعدٍ على أملاك
ليست له إلا أنه من الممكن اعتبارها من اللمم الذى يتجاوز عنه خاصة وأنه لم يخْلُ
بها في مكان بعيد عن عيون الناس، وأما
الأمر الثانى فهو أنه لم يبق على وجودها معه تحت سقف واحد وامتلاكه لها كلية غير
أيام ستطوى سريعا برغم إحساسه بالبطء الشديد في سيرها فمهما كان تجاوزه معها في
الحديث أو في احتواء كفها فلن يتجاوز أبدا الخطوط الحمراء الحقيقية في التعامل
معها خاصة وأن ما هو فيه الآن برغم أنه يؤدى له رسالة سواء إلى قلبها فيغمره بالحب
أو إلى قلبه فيسكّنه بالإطمئنان بل ولعله لم يصل إلى عشر ما يفعله الأحبة
المتناثرين هنا وهناك بعيدا عن الإطار الرسمي الذى هما فيه .
أما انتصار فمازال الأمر يؤرقها وما زال رأسها يخبط فيه أصحيح هو أم
أنها تخالف ما يجب؟ لم تستطع أن تحسم موقفها الموزع ما بين خوفها من مغبة ما يفعله
خليل وبين خوفها من إغضابه وهما في أول الطريق خاصة وقد استولى على قلبها وما كان
يريحها إلا أن تعرف الحقيقة أين هي وهل ما تفعله صواب أم أنها يجب أن تراجع نفسها
حتى ولو أغضبت خطيبها!
لم يكن أمامها إلا أن تلجأ إلى دهب فهى التي تستطيع أن تفتيها في هذا
دون أن ينتشر الخبر والحقيقة أن دهب لم تر بأسا فيما يحدث فمن الطبيعى أن يبحث أي
شاب مع أي فتاة عن يدها فالجميع يعلم أن اليد هي أهم رسول من رسائل الحب وإشعال
العاطفة وأن لها لغة خاصة يعرفها المحبون ذوقا واستطعاما لا كلاما وتنظيرا، ففي
دفئها كلام وفى طريقة تناولها ليد المحبوب كلام وتلاقى الأصابع غير تناول ظاهر
اليد بينما للراحة وضغطاتها لغة أخرى بل ولعل الغضب والرضا والتوتر والأسى وكل
مشاعر العاطفة يمكن أن تؤديها اليد سواء الواحدة أو الثنتين مجتمعتين، واليد المرتعشة
غير اليد الراسخة والمعروقة غير الباردة بل إن لبرودة اليد أنواع فمنها برودة
الخوف، وبرودة الغضب، وبرودة الألم ومنها تلك البرودة التي تحيى في المرء حمية
تناول هذه اليد لتدفئتها مهما كان السبب والغالب على هذا النوع من التناول الحب
والعاطفة.
تعلم دهب كل ذلك وتعلم أن الجسد كله بلا استثناء له لغات يعرف الناس
بعضها ولكن لا يصل إلى معرفة كل إشاراته بكل أجزائه إلا واحد من اثنين، إنسان عاش
في إنسانٍ حياته بكل ما فيها واستغرقه حبه حتى لم يعد يخفى عليه رمز من رموز
حركاته وسكناته، أو شخص آخر خبير بمثل هذه العلوم ولكن بجفافها وتنظيرها ويختلف
كلاهما عن الآخر في حدود هذا الفهم فالأول لا يخفى عليه شيء مطلقا من محبوبه أما
الثانى فيحتاج إلى أن يعيد كل حركة أو سكنة إلى قاعدتها ليستطيع أن يحكم وقد يخطئ
كثيرا في فهم ما يجول في ذهن من أمامه تماما مثل اللغة فقد يستخدم ألفاظها بعض
الناس فيفهم منها ما لم يقصد القائل لأن اللفظ يحتمل أكثر من معنى وهذا ما يجعل
كثيرا من الناس يقع في خطأ فهم من يتحدثون إليهم .
اختصرت دهب كل ذلك لصاحبتها في بعض كلمات حملت كل ما يمكن أن يؤدى في
هذا الموقف ......
- دعيه يمسك يدك بل ودعيه ينظر في عينيك
فهو إنما يريد أن يبثك ما عنده دون أن يحتاج إلى كلام فكثير من الناس خاصة الجاد
منهم لا يستطيع التعبير بالكلام أكثر مما يستطيع بجوارحه وربما ظن بعضهم لكثرة ما
يحدث هذه الأيام من ضحك على البنات بمعسول الكلام أن الكلام إذا خرج من فيه فلن
يفى بما عنده من كم العاطفة التي يحملها قلبه لمن يحب .
برغم أن صدرها كان به بعض شعور بذنب إلا أنها لم تكن عصية التلقى فقد
وافق ذلك ما كانت تزن به الأمر من الخوف على مشاعر خليل وما دام الزمن أصبح في
صالحها مع اقتراب الاقتران فما لها لا تترك له فسحة في ذلك وها هو رأى دهب يعضد
ذلك فكأنها كانت تنتظره لتجعل منه لنفسها رخصة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق