الأربعاء، 18 يوليو 2018

الطلاق المستشرى ...أسبابه وأحواله وعلاجه

المقال التاسع

أسباب أخرى للطلاق غالبا خارج نطاق الجميع .... 
سوء الإختيار  
 الأصل أن ينبنى الزواج على مقدمات صحيحة ( ما صحت بداياته صحت نهاياته ) وهذه المقدمات بالنسبة للزواج هى الاختيار ولعل كل ما يقوم على هذا الاختيار يؤسس لزواج صالح يستمر ويصمد للعواصف مهما كانت أو يؤسس لزواج هش لا يحتمل مرور النسيم هذا إن كان للنسيم صعوبة قط .
ومسألة الاختيار تخضع لعوامل شتى فى كل مجتمع على حدة ولعلها فى المجتمع المسلم عموما لا بد أن تخضع لعاملى الدين والخلق فهما الحاكمان فى هذا المجتمع ثم إن هناك عامل آخر مهم وهو الكفاءة المعتبرة شرعا بين الزوجين ولكى نقيم تلكم العوامل لا بد من أن نفكر جديا فى كيفية الوصول إلى هذا التقييم لأن الناس يغيب عنهم أحيانا التفكير فى مثل هذا الميزان المجتمعى للشاب أو الفتاة المقبلين على الزواج .
ولكى نفعل ذلك لا بد من أن نحول تلك العوامل الثلاثة إلى عناصر وتقسيمات يمكن أن يقاس بها المقبل على الزواج أيا كان جنسه ولنبدأ بعنصر الدين .....
إذا جاءكم من ترضون دينه ، فما الدين ؟
المقصود من حديث النبى صلى الله عليه وسلم بالدين هنا هو الحد المقبول من التدين الصحيح المتعارف عليه شرعا وهو سلامة العقيدة من كل شبهة يمكن أن تشوبها وصحة العبادة وهذا غالبا موجود عند جميع أهل السنة والجماعة يمكن أن يقاس بظاهر الأعمال والتى تتمثل فى عدم الخوض فى المتشابه والشبه العقائدية التى يقع فيها الناس وتؤدى بهم إلى انحراف وكذلك البعد عن صحبة أصحابها واعتياد المسجد فى الصلوات الخمس والحد الأدنى من الفقه العاصم من الزلل ولا يعرف ذلك بامتحان وقتى ولكن بالمعايشة المجتمعية  بمعنى تقارب الحياة المجتمعية بين الحى الذى يعيش فيه كلا من الخاطب والمخطوبة فإن لم يكن فإن وسائل التواصل الإجتمعى أصبحت تسهل الأمر بل وبسبب سهولة التواصل والسفر المستمر للمواطنين بين مختلف الدول جعلت محيط تعارف الشخص الواحد تقريبا يمتد إلى كل أنحاء القطر الذى يعيش فيه بما يسهل عليه السؤال عن أى انسان فى أى مكان من القطر ( لا أتحدث عن الزيجات الدولية لأننى أرفضها بسبب ما تسبب من مشاكل بين الناس أقلها تغير العلاقات السياسية بين الدول ولعل أزمة الخليج الحالية خير دليل .
وأما الأخلاق فمساحتها أوسع من أن يتم حصرها فى مقال ولكن الأخلاق الأساسية المطلوبة فى الطرفين يجب أن تكون خالية من الإنحراف الجنسى بدرجاته المختلفة ابداء بما يسمى الحب العفيف وعلاقات الصداقة (المحرمة ) وانتهاءا بتناول الجنس تحت دعوى الحرية فأصحاب التجارب فى هذا الشأن لا يصبحون ممن يقبلهم المقياس الخلقى للإسلام ، كما أن المكيفات خاصة المخدرات منها والتدخين تدخل فى التقييم كأهم عامل يجب اختباره فى المقدم على الزواج.
كما أن هناك أخلاق لا يمكن التنازل عنها أيضا منها الصدق والتعامل المادى المستقيم والأمانة وغيرها من الأخلاق التى ينبغى الاهتمام بوجودها فى الطرفين .
بقى أمر هام فى هذا الباب وهو أن البيئة المحيطة والتى تربى فيها أى طرف هى بيئة مؤثرة جدا على سلوك الشخص وعلى ذلك فالعائلة والمجتمع الذى يعيش فيه طرف من الأطراف يوجب الحذر فى البحث فى سيرته وخلفياته الأسرية لأن الزواج سيجعل  كلا الزوجين يعايشان البيئة المحيطة بالطرف الثانى .
أما عنصر الكفاءة فهو عنصر مهم اعتبره الإسلام وجعله مقياسا للزواج وجعله من حق الزوجة قبل أن يجعله من وإن كان مهما للطرفين فما عنصر الكفاءة ؟
روى عن النبى صلى الله عليه وسلم  ({ قريش بعضهم أكفاء لبعض , بطن ببطن , والعرب بعضهم أكفاء لبعض , قبيلة بقبيلة , والموالي بعضهم أكفاء لبعض , رجل برجل })  والمقصود هنا أن نسب قريش هو أعلى النسب وأن القرشى بانتسابه لقريش فهو ينتسب إلى أعلى القبائل تأصيلا وشرفا ، ربما كان شرفها يعود لخدمتها للحجيج وربما كان لأنهم أصول النبى صلى الله عليه وسلم وربما لأنهم ولد اسماعيل بن سيدنا ابراهيم عليهم جميعا السلام المهم فى الأمر أن المرأة القرشية لكى تتزوج أحدا من غير قريش فإنها تتنازل عن حقها فى الزواج بكفء لها والدليل على ذلك من السيرة النبوية تلك الحادثة التى خلدها القرآن الكريم وهى طلاق زيد بن حارثة رضى الله عنه لزينب بنت جحش والتى كانت تنظر إليه نظرة دونية وتتعامل معه بنفس النفسية التى ترى بها أنه ليس كفءا لها حتى اضجرته فكان يشكو للنبى صلى الله عليه وسلم والنبى صلى الله عليه وسلم يصبره إلى أن نزل القرآن بتطليقها وتزويجها للنبى صلى الله عليه وسلم .
والكفاءة تستخدم فى زمننا هذا غالبا بصورة سيئة وأحيانا لا تصح أبدا لدرجة أن بعض القبائل العربية تقصر زواج بناتها على أبناء عمومتها دون أى غريب من خارج القبيلة حتى ولو كان من ابناء أخوالها ومثالهم فى مصر الهوارة على سبيل المثال وفى اليمن ينقسم المجتمع إلى ثلاث تقسيمات ثلاث ..سادة ، وقبائل ، وخدم وأما التقسيم القبلى فإلى ثلاث قبائل رئيسية هى حاشد وبكيل ومذحج ولنا أن نتخيل أن السادة ويعتبرون أنفسهم أعلى نسب فى اليمن من حيث ادعاءهم الإنتساب إلى بيت النبوة وبالمناسبة فإنهم يعيشون فى الشمال (صعدة وعمران وخمر وما حولهم ) ويليهم فى الشرف قبيلة حاشد ثم بكيل بينما يعتبرون مذحج الأقل وبالتالى فإن السيد لا يزوج ابنته للقبيلى والحاشدى لا يزوج ابنته للبكيلى والبكيلى يمنع ابنته من المذحجى والقبيلى لا يزوج ابنته للدوشان ( مغنى الأفراح) ، والجزار ، والحلاق .
وفى مصر حدث ولا حرج فبرغم أنه لا يوجد فى مصر قبائل ولا سادة ولا عبيد إلا أن نظرة الآباء فى الزواج إلى المتقدمين إلى بناتهم تحمل نفس الفكرة ولكنها تتمحور حول الغنى والفقر وهى نظرة فيها جور شديد وإن كان فيها أحيانا نوع من الواقعية التى يقدمها بعض الآباء وإن كنت أرى أنها ليست صائبة فى جميع الأحوال والنص القرآنى يرفضها تماما (وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32) النور
ولكن وبرغم ذلك فإن من يرى الرفض بسبب الحالة المادية والذى يظن أن غنى المرأة وفقر الرجل سيجعلها تصبح على حالين ، إما أن تصبر على الإنتقال من حياة الرفاهية التى كانت تحياها فى بيت أبيها إلى حياة ربما يكون فيها بعض المعاناة مع زوجها دون أن تشعره بالدونية أو بالعجز وهذا هو الحال الأول أما الثانى فقد يؤدى بها ما تجده من معاناة إلى التنغيص على زوجها ومطالبته بالمزيد مما يجعله أمام خيارى الإنحراف لإرضائها أو الفراق لإراحة نفسه .
ولكن هناك بعض أمور فى الكفاءة تحتاج إلى نظر ( وإن كنت أرى أن كل حالة يجب أن يدرسها أصحابها على حدة ) وعلى سبيل المثال فإن الفوارق العلمية بين المرأة والرجل إذا كانت فى صالح المرأة فإنه من الكفاءة المعتبرة التى تتنازل فيها المرأة عن حقها فى تساوى مستوى التفكير والمعاملة رغم أنه فى أحيان كثيرة يكون الشخص غير المتعلم أكثر مروءة وحنان ولطف ، كما أن المال ( كما سبق ) ربما يكون عائقا والأمثلة على ذلك كثيرة .
وهناك أمر حساس لم أكن أحب أن أخوض فيه ولكنه يفرض نفسه وهو زواج مختلفى الموقع الجغرافى بمعنى زواج المصرى من الأجنبية أو المصرية من أجنبى أيا كان موطنها فإن اختلاف العادات والثقافات وطرق الطعام والعلاقات الإجتماعية ربما تختلف تماما بين البيئتين مما قد يرهق أحد الطرفين إما غيرة أو عدم قدرة على المجاراة أو النظر إلى تربية الأبناء أو عدم قبول العادات فى طهى الطعام وكذلك التعاملات الإقتصادية كل ذلك يحتاج المرء إلى البحث فيه جيدا قبل الإقدام عليه .
ومثله على سبيل المثال فى مصر الصعيدى وأهل الدلتا فكلاهما ينظر إلى الآخر نظرة مختلفة وكلاهما له طبيعة خاصة فى التعامل يحتاج المرء معها إلى الإجتهاد فى أن يعود نفسه على عادات الطرف الآخر وإن كان كثير جدا من أهل هذه المواقع الجغرافية فى زواج ناجح جدا .
وفى النهاية فإن كفاءة الدين أهم الكفاءات المعتبرة  فإن الإسلام يعتبر الدين الأعلى ولا يكافئه دين وبالتالى فإن المسلم الذى يتزوج من غير المسلمة فإنه يتنازل عن حقه فى تحصيل الكفاءة فى الزواج وبالتالى عليه أن يرضى أن تربى أبناءه أم غير مسلمة مع العلم أن الأم أقرب إلى الأبناء من الأب وأكثر تأثيرا ومع العلم أيضا أننى لا أقول أن هذا غير جائز ولكننى أبين مقدار الكفاءة فى هذا الزواج .
أما المسلمة فإن الإسلام حرم التنازل عن الكفاءة فى زواجها من غير المسلم برغم أن الأم أكثر تأثيرا على الأبناء ولكن فى النهاية فإن القدرة على التصرف والقهر بيد الرجل فإن  الزوج غير المسلم للزوجة المسلمة سوف يجبرها على أن يصبح أبناءها غير مسلمين بل ومن الممكن أن يمنعها من إقامة شعائرها وعباداتها هى نفسها .

وكلمة أخيرة أنا لا أقول أن الكفاءة مع اعتبار الشرع لها تمنع التنازل عنها من كلا الطرفين ولا تمنع زواجا إذا رضى أصحابه بالتنازل عنها وهو يكون ضمنيا بمجرد الرضا بالزواج ولكننى أبين بعض ما يمكن أن ينتج من الصعوبات بسبب ذلك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مسرحية شعرية

  عن حادثة اتهام هند بنت عتبة بالزنا نظم : حمدى عبدالظاهر  المشهد الأول (على المسرح يبدو رجلان يتحدثان مع خلفية كأنها رمل ممتد بخلفي...