المقال الأول
الطلاق شئ جميل
ولا يمكن أن تشعر بمدى روعة الطلاق إلا إذا كنت ممن يحتاجون إليه ولا تستطيع
تحصيله ، هو جميل فعلا إذا سُدت الطرق إلى الإصلاح ، وأغلقت السبل إلى التوفيق ،
وصار الهلاك أقرب إلى صاحبه من حياة هو يحياها بالفعل لا يرى فيها إلا السواد
المحض والمشقة البالغة .
نعم الطلاق شئ
جميل لأنه يحل كل هذا ويحرر المرء رجلا كان أو امرأة من محاذير كثيرة تحدث بسبب
رفضه من طرف من الطرفين سواء بالضغط أو التهديد أو وجود ملكة إجرائه بيد الطرف المكروه
أو بسبب وضع اجتماعى يمنع الزوجين منه والأسباب كثيرة والإبتلاء بعدم الوصول إليه
أعظم وأشق على النفس أحيانا من الوصول إليه بل إن بعض الناس من شدة فرحهم بالطلاق
صاروا يحتفلون به كما يحتفلون بأى مناسبة سعيدة .
ولكن
..............
صحيح يجب أن يكون
هناك (لكن) لأنها تصحح الفهم وتبين خطر ما يقدم عليه الإنسان بهذا الفعل ومغبة
الوصول إليه لأنه يفتت ويقطع ويهدم ويدمر ويُشقى ويؤلم ويسحب من النتائج السيئة ما
لا حصر له خاصة فى وجود أبناء لا ذنب لهم إلا سوء اختيار زوجين لبعضهما البعض أو
لتحول فى عواطفهما .
وهو مع ذلك ضرورى
لمن استحالت الحياة بينهما وإليك الدليل وسأبدأ فى سوق الدليل بأعظم وأطهر جيل مر
على أرضنا هذه وهو جيل الإسلام الآول ولعل أظهر حالتى طلاق نعرفهما حادثة طلاق
زينب بنت جحش القرشية بنت عمة النبى صلى الله عليه وسلم وكانت زوجة لزيد بن حارثة
رضى الله عنه وكان الناس يرونه ابن النبى صلى الله عليه وسلم بالتبنى ثم صار مولى
له بعدما عرف نسبه ، و كانت ترى نفسها قرشية بينما هو مولى فكانت
تراه غير كفء لها وكانت تشعر بالغبن من هذا الزواج وكان زوجها يتألم ويذهب إلى النبى صلى الله عليه
وسلم يشكو ويستأذن فى الطلاق والنبى يأمره بعدم الطلاق ولكنهما فى النهاية
انفصلا .
والفراق هنا لم
يحدث بسبب أذى الزوج للزوجة مطلقا فقد كان رضى الله عنه نعم الزوج لأنه يتأسى
برسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما كان لسبب عجيب ....إنه الكفاءة ، الكفاءة شئ
عجيب تدور عليه أحوال الناس كثيرا فى الزواج والطلاق ولا ينجو منه انسان ولأن
المرأة كانسان تشعر دوما بحاجتها لحماية الرجل وقدرته فإن نقص شئ منهما ينقص شعورها بالإشباع فى الحماية وفى القدرة
وبالتالى يسقطه فى نظرها أيا كان هذا
الرجل وأيا كان هذا السقوط وعموم الناس يعتبرونها
فى النسب (القبيلة أو العائلة ) أو فى المال أو العلم أوالصفات الجسدية
بينما أضاف الإسلام إليها الكفاءة فى الدين فاعتبر الدين هو أعلى الكفاءات
المعتبرة ولكن وبرغم ذلك لم تستطع زينب رضى الله عنها أن تنسى أن زيدا رضى الله
عنه مولى وأنها بنت عمة النبى صلى الله عليه وسلم ونسبها أعلى من نسبه وبالتالى
فهو ليس كفءا لها وكانت تعامله على هذا الأساس رغم تقواها وصلاحها ورضى الله عز
وجل عنها بدليل أنه سبحانه زوجها للنبى صلى الله عليه وسلم لدرجة أن النبى صلى
الله عليه وسلم دخل بها دون أن يصنع ما يصنع الناس فى الزواج من إشهاد وإيجاب
وقبول .
والثانية قصة
بريرة ومغيث فقد كانا عبدين تزوجا وهما على العبودية ثم كاتبت بريرة عن نفسها
فأُعتقت وبالتالى كان من حقها التفريق بينها وبين زوجها لعدم الكفاءة بينهما (
بسبب كونها حرة وهو عبد ) وبالفعل فارقته فكان يمشى خلفها فى طرقات المدينة يبكى
ورآهما الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا الحال فقال إنى لأعجب من حب مغيث بريرة
وبغض بريرة مغيثا .
هاتان حالتان من
الطلاق وكلاهما لعدم الكفاءة الأولى بسبب النسب
والثانية بسبب العتق ولكنهما فى النهاية تم بهما حل مشكلة بغض الزوجة لوضعها مع
زوجها والله عز وجل أباح لهما الطلاق وإن كانت الأسباب كثيرة لدرجة أنه لو أطلق
الناس العنان لمشاعرهم لانطلق كثر إليه وفارقوا ولولا اعتبارات كثيرة تمنع الناس
لما مكث فى هذا العش إلا قليل .
ولعلى فى هذه
الورقة أحاول استكناه الطلاق بحيثياته وحولياته فربما استطيع أن أعالج بعض ما يؤدى
إليه بعدما استشرى فى المجتمع بصورة لم يسبق لها مثيل ولأسباب لم يكن الأولون يطلقون
لها ولكن اجترأ الناس كثيرا فى زمننا هذا عليه ولست أدرى هل بسبب تأثرهم بما
يعايشونه من قيم المجتمعات الغربية التى لا تهتم ببناء الأسرة أم لظروف بيئية أم
لأسباب حقيقية تستعصى على الحل .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق