الخميس، 22 يونيو 2017
المقال الثانى عشر والأخير من سلسلة مقالاتى ( عن رواد المنابر اتحدث )
وأخيرا لعل من الصالح لو أوردت بعض خطب من سبقونا ليستفيد من يريد الفائدة من رواد المنابر بما استخدم الأولون من أدوات اللغة فى توصيل ما يريدون توصيله للناس من معان ولقد اخترت أن أورد خطب من خطبوا بعد العصر النبوى دون العصر الجاهلى لما فى الأخيرة من صعوبة الألفاظ ووحشية العبارات .
- وأبدأ أول ما أبدأ بوصف الجاحظ لخطبة النبى صلى الله عليه وسلم :
• ( هو الكلام الذي قل عدد حروفه , وكثرت معانيه , وجل عن الصنعة , ونزه عن التكلف , واستعمل المبسوط في موضع البسط , والمقصور في موضع القصر , وهجر الغريب الوحشي , ورغب عن الهجين السوقي , فلم ينطق إلا عن ميراث حكمة , ولم يتكلم إلا بكلام قد حف بالعصمة , وشيد بالتأييد , ويسر بالتوفيق , وهو الكلام الذي ألقى الله عليه المحبة , وغشاه بالقبول , وجمع له بين المهابة والحلاوة , وبين حسن الإفهام , وقلة عدد الكلام ... لم تسقط له كلمة , ولازلّت به قدم , ولا بارت له حجة , ولم يقم له خصم , ولا أفحمه خطيب , بل يبذ الخطب الطوال بالكلم القصار , ولايحتج إلا بالصدق , ولا يطلب الفَلَج* إلا بالحق , ولا يستعين بالخلابة , ولم يسمع الناس بكلام قط أعم نفعا , ولا أقصد لفظا , ولا أعدل وزنا , ولا أجمل مذهبا , ولا أكرم مطلبا , ولا أحسن موقعا , ولا أسهل مخرجا , ولا أفصح معنى , ولا أبين فحوى , من كلامه صلى الله عليه وسلم )
• ومن ثم هذه من بدائع الخطب وهى خطبة عبد االله بن همام السلول فى التعزية والتهنئة
لما توفي معاوية واستخلف يزيد ابنه سنة ٦٠ اجتمع الناس على بابه ولم يقدروا على الجمع بين هتنئة وتعزية حتى أتى عبد االله بن همام السلولى فدخل عليه فقال يا أمير المؤمنين آجرك االله على الرزية وبارك لك فى العطية وأعانك على الرعية فلقد رزئت عظيما وأعطيت جسيما فاشكر االله على ما أعطيت واصبر له على ما رزيت فقد فقدت خليفة االله ومنحت خلافة االله ففارقت جليلا ووهبت جزيلا إذ قضي معاوية نحبه فغفر االله ذنبه ووليت الرياسة فأعطيت السياسة فأوردك االله موارد السرور ووفقك لصالح الأمور وأنشد
فاصبر يزيد فقد فارقت ذا ثقة ... واشكر حباء الذي بالملك أصفاكا
لا رزء أصبح في الأقوام نعلمه ... كما رزئت ولا عقبي كعقباكا
أصبحت والي أمر الناس كلهم ... فأنت ترعاهم واالله يرعاكا
وفي معاوية الباقي لنا خلف ... إذا نعيت ولا نسمع بمنعاكا
وعبد االله بن همام هو أول من فتح الباب في الجمع بين هتنئة وتعزية فولجه الناس كما روي من غير وجه .
• خطبة زياد بن ابيه البتراء حين ولى العراق
أما بعد, فإن الجهالة الجهلاء، والضلالة العمياء، والغي الموفي بأهله على النار ما فيه سفهاؤكم، ويشتمل عليه حلماؤكم من الأمور العظام ينبت فيها الصغير، ولا يتحاشى عنها الكبير كأنكم لم تقرؤوا كتاب الله ولم تسمعوا ما أعد الله من الثواب الكبير لأهل طاعته، والعذاب الأليم لأهل معصيته في الزمن السرمدي الذي لا يزول،
أتكونون كمن طرفت عينيه الدنيا، وسدت مسامعه الشهوات، واختار الفانية على الباقية، ولا تذكرون أنكم أحدثتم في الإسلام الحدث الذي لم تسبقوا إليه؛ من ترككم الضعيف يقهر ويؤخذ ماله، ما هذه المواخير المنصوبة والضعيفة المسلوبة في النهار المبصر والعدد غير قليل؟
ألم يكن منكم نهاة تمنع الغواة عن دلج الليل وغارة النهار؟! قربتم القرابة، وباعدتم الدين، تعتذرون بغير العذر، وتغضون على المختلس، كل امرئ منكم يذب عن سفيهه صنيع من لا يخاف عاقبة ولا يرجو معادا، ما أنتم بالحلماء ولقد اتبعتم السفهاء، فلم يزل بكم ما ترون من قيامكم دونه حتى انتهكوا حرم الإسلام، ثم أطرقوا وراءكم كنوسا في مكانس الريب، حرام علي الطعام والشراب حتى أسويها بالأرض هدما وإحراقا.
إني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله : لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف. وإني أقسم بالله لآخذن الولي بالمولى، والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والمطيع بالعاصي، والصحيح منكم في نفسه بالسقيم حتى يلقي الرجل منكم أخاه فيقول :انج سعد فقد هلك سعيد، أو تستقيم لي قناتكم.
إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة؛ فإذا تعلقتم علي بكذبة فقد حلت لكم معصيتي، فإذا سمعتموها مني فاغتمزوها في، واعلموا أن عندي أمثالها.
من نقب منكم عليه فأنا ضامن لما ذهب منه، فإياي ودلج الليل؛ فإني لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه، وقد أجلتكم في ذلك بمقدار ما يأتي الخبر الكوفة ويرجع إليكم، وإياي ودعوى الجاهلية؛ فإني لا أجد أحدا دعا بها إلا قطعت لسانه، وقد أحدثتم أحداثا لم تكن وقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة؛ فمن غرق قوما غرقناه، ومن أحرق قوما أحرقناه، ومن نقب بيتا نقبنا عن قلبه، ومن نبش قبرا دفناه حيا فيه، فكفوا عني أيديكم وألسنتكم أكفف عنكم يدي ولساني، ولا تظهر من أحد منكم ريبة بخلاف ما عليه عامتكم إلا ضربت عنقه، وقد كانت بيني وبين أقوام إحن فجعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي، فمن كان منكم محسنا فليزدد إحسانا، ومن كان منكم مسيئا فلينزع عن إساءته.
إني لو علمت أن أحدكم قد قتله السل من بغضي لم أكشف له قناعا، ولم أهتك له سترا حتى يبدي لي صفحته؛ فإذا فعل ذلك لم أناظره، فاستأنفوا أموركم، وأعينوا على أنفسكم، فرب مبتئس بقدومنا سيسر، ومسرور بقدومنا سيبتئس.
أيها الناس، إنا أصبحنا لكم ساسة، وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بفيء الله الذي خولنا، فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا، ولكم علينا العدل فيما ولينا، فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم لنا، واعلموا أني مهما قصرت عنه فلن أقصر عن ثلاث : لست محتجبا عن طالب حاجة منكم ولو أتاني طارقا بليل، ولا حابسا عطاء ولا رزقا عن إبانه، ولا مجمرا لكم بعثا، فادعوا الله بالصلاح لأئمتكم؛ فإنهم ساستكم المؤدبون لكم، وكهفكم الذي إليه تأوون، ومتى يصلحوا تصلحوا، ولا تشربوا قلوبكم بغضهم، فيشتد لذلك غيظكم، ويطول له حزنكم، ولا تدركوا له حاجتكم مع أنه لو استجيب لكم فيهم لكان شرا لكم.
أسأل الله أن يعين كلا على كل، وإذا رأيتموني أنفذ فيكم الأمر فأنفذوه على أذلاله، وايم الله إن لي فيكم لصرعى كثيرة فليحذر كل امرئ منكم أن يكون من صرعاي.
• وروى الجاحظ عن عمرو بن عبيد أنه قال: كتب عبد الملك بن مروان وصية زياد، وأمر الناس بحفظها وتدبر معانيها وهي:
إن الله عَزَّ وَجَلَّ جعل لعباده عقولًا عاقبهم بها على معصيته، وأثابهم بها على طاعته؛ فالناس بين محسن بنعمة الله عليه، ومسيء بخذلان الله إياه، ولله النعمة على المحسن، والحجة على المسيء، فما أولى من نمَّت عليه النعمة في نفسه ورأى العبرة في غيره بأن يضع الدنيا بحيث وضعها الله، فيعطي ما عليه منها، ولا يتكثر بما ليس له منها، فإن الدنيا دارُ فناء، ولا سبيل إلى بقائها، ولا بد من لقاء الله، فأحذركم الله الذي حذركم نفسه، وأوصيكم بتعجيل ما أخرته العَجَزَةُ، قبل أن تصيروا إلى الدار التي صاروا إليها، فلا تقدرون على توبة، وليس لكم منها أَوبة، وأنا أستخلف الله عليكم، وأستخلفه منكم".
قال الجاحظ: وقد روي هذا الكلام عن الحجاج، وزياد أحق به منه.
• مقتطف من مطلع خطبة علي بن ابي طالب]:
• خطبة على بن أبى طالب رضى الله عنه وتسمى القاصعة
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَبِسَ الْعِزَّ وَالْكِبْرِيَاءَ وَاخْتَارَهُمَا لِنَفْسِهِ دُونَ خَلْقِهِ وَجَعَلَهُمَا حِمًى وَحَرَماً عَلَى غَيْرِهِ وَاصْطَفَاهُمَا لِجَلَالِهِ . وَجَعَلَ اللَّعْنَةَ عَلَى مَنْ نَازَعَهُ فِيهِمَا مِنْ عِبَادِهِ ثُمَّ اخْتَبَرَ بِذَلِكَ مَلَائِكَتَهُ الْمُقَرَّبِينَ لِيَمِيزَ الْمُتَوَاضِعِينَ مِنْهُمْ مِنَ الْمُسْتَكْبِرِينَ فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَهُوَ الْعَالِمُ بِمُضْمَرَاتِ الْقُلُوبِ وَمَحْجُوبَاتِ الْغُيُوبِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ اعْتَرَضَتْهُ الْحَمِيَّةُ فَافْتَخَرَ عَلَى آدَمَ بِخَلْقِهِ وَتَعَصَّبَ عَلَيْهِ لِأَصْلِهِ فَعَدُوُّ اللَّهِ إِمَامُ الْمُتَعَصِّبِينَ وَسَلَفُ الْمُسْتَكْبِرِينَ الَّذِي وَضَعَ أَسَاسَ الْعَصَبِيَّةِ وَنَازَعَ اللَّهَ رِدَاءَ الْجَبْرِيَّةِ وَادَّرَعَ لِبَاسَ التَّعَزُّزِ وَخَلَعَ قِنَاعَ التَّذَلُّلِ أَ لَا تَرَوْنَ كَيْفَ صَغَّرَهُ اللَّهُ بِتَكَبُّرِهِ وَوَضَعَهُ بِتَرَفُّعِهِ فَجَعَلَهُ فِي الدُّنْيَا مَدْحُوراً وَأَعَدَّ لَهُ فِي الْآخِرَةِ سَعِيراً . وَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ مِنْ نُورٍ يَخْطَفُ الْأَبْصَارَ ضِيَاؤُهُ وَيَبْهَرُ الْعُقُولَ رُوَاؤُهُ وَطِيبٍ يَأْخُذُ الْأَنْفَاسَ عَرْفُهُ لَفَعَلَ وَلَوْ فَعَلَ لَظَلَّتْ لَهُ الْأَعْنَاقُ خَاضِعَةً وَلَخَفَّتِ الْبَلْوَى فِيهِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَبْتَلِي خَلْقَهُ بِبَعْضِ مَا يَجْهَلُونَ أَصْلَهُ تَمْيِيزاً بِالِاخْتِبَارِ لَهُمْ وَنَفْياً لِلِاسْتِكْبَارِ عَنْهُمْ وَإِبْعَاداً لِلْخُيَلَاءِ مِنْهُمْ . فَاعْتَبِرُوا بِمَا كَانَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ بِإِبْلِيسَ إِذْ أَحْبَطَ عَمَلَهُ الطَّوِيلَ وَجَهْدَهُ الْجَهِيدَ وَكَانَ قَدْ عَبَدَ اللَّهَ سِتَّةَ آلَافِ سَنَةٍ لَا يُدْرَى أَ مِنْ سِنِي الدُّنْيَا أَمْ مِنْ سِنِي الْآخِرَةِ عَنْ كِبْرِ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ فَمَنْ ذَا بَعْدَ إِبْلِيسَ يَسْلَمُ عَلَى اللَّهِ بِمِثْلِ مَعْصِيَتِهِ كَلَّا مَا كَانَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِيُدْخِلَ الْجَنَّةَ بَشَراً بِأَمْرٍ أَخْرَجَ بِهِ مِنْهَا مَلَكاً إِنَّ حُكْمَهُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ وَأَهْلِ الْأَرْضِ لَوَاحِدٌ وَمَا بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ هَوَادَةٌ فِي إِبَاحَةِ حِمًى حَرَّمَهُ عَلَى الْعَالَمِينَ ..
• خطبة على بن ابى طالب رضى الله عنه وتسمى الشقشقية
أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ تَقَمَّصَهَا فُلَانٌ وَإِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَى يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ وَلَا يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيْرُ فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْباً وَطَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً وَطَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدٍ جَذَّاءَ أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ وَيَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ وَيَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَى رَبَّه ُ. فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى فَصَبَرْتُ وَفِي الْعَيْنِ قَذًى وَفِي الْحَلْقِ شَجًا أَرَى تُرَاثِي نَهْباً حَتَّى مَضَى الْأَوَّلُ لِسَبِيلِهِ فَأَدْلَى بِهَا إِلَى فُلَانٍ بَعْدَهُ ـ ثُمَّ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ الْأَعْشَى ـ : شَتَّانَ مَا يَوْمِي عَلَى كُورِهَا * وَيَوْمُ حَيَّانَ أَخِي جَابِرِ
فَيَا عَجَباً بَيْنَا هُوَ يَسْتَقِيلُهَا فِي حَيَاتِهِ إِذْ عَقَدَهَا لِآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ لَشَدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَا فَصَيَّرَهَا فِي حَوْزَةٍ خَشْنَاءَ يَغْلُظُ كَلْمُهَا وَيَخْشُنُ مَسُّهَا وَيَكْثُرُالْعِثَارُ فِيهَا وَالِاعْتِذَارُ مِنْهَا فَصَاحِبُهَا كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ إِنْ أَشْنَقَ لَهَا خَرَمَ وَإِنْ أَسْلَسَ لَهَا تَقَحَّمَ فَمُنِيَ النَّاسُ لَعَمْرُ اللَّهِ بِخَبْطٍ وَشِمَاسٍ وَتَلَوُّنٍ وَاعْتِرَاضٍ فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ الْمُدَّةِ وَشِدَّةِ الْمِحْنَةِ حَتَّى إِذَا مَضَى لِسَبِيلِهِ جَعَلَهَا فِي جَمَاعَةٍ زَعَمَ أَنِّي أَحَدُهُمْ فَيَا لَلَّهِ وَلِلشُّورَى مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الْأَوَّلِ مِنْهُمْ حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلَى هَذِهِ النَّظَائِرِ لَكِنِّي أَسْفَفْتُ إِذْ أَسَفُّوا وَطِرْتُ إِذْ طَارُوا فَصَغَا رَجُلٌ مِنْهُمْ لِضِغْنِهِ وَمَالَ الْآخَرُ لِصِهْرِهِ مَعَ هَنٍ وَهَنٍ إِلَى أَنْ قَامَ ثَالِثُ الْقَوْمِ نَافِجاً حِضْنَيْهِ بَيْنَ نَثِيلِهِ وَمُعْتَلَفِهِ وَقَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضَمُونَ مَالَ اللَّهِ خِضْمَةَ الْإِبِلِ نِبْتَةَ الرَّبِيعِ إِلَى أَنِ انْتَكَثَ عَلَيْهِ فَتْلُهُ وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ وَكَبَتْ بِهِ بِطْنَتُهُ . فَمَا رَاعَنِي إِلَّا وَالنَّاسُ كَعُرْفِ الضَّبُعِ إِلَيَّ يَنْثَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ حَتَّى لَقَدْ وُطِئَ الْحَسَنَانِ وَشُقَّ عِطْفَأيَ مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي كَرَبِيضَةِ الْغَنَمِ فَلَمَّا نَهَضْتُ بِالْأَمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ وَمَرَقَتْ أُخْرَى وَقَسَطَ آخَرُونَ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ بَلَى وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا وَوَعَوْهَا وَلَكِنَّهُمْ حَلِيَتِ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِهِمْ وَرَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ لَوْ لَا حُضُورُ الْحَاضِرِ وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ وَمَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ أَلَّا يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ وَلَا سَغَبِ مَظْلُومٍ لَأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِهَا وَلَأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِعَنْزٍ .
قَالُوا وَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ عِنْدَ بُلُوغِهِ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ خُطْبَتِهِ فَنَأوَلَهُ كِتَاباً قِيلَ إِنَّ فِيهِ مَسَائِلَ كَانَ يُرِيدُ الْاِجَابَةَ عَنْهَا فَأَقْبَلَ يَنْظُرُ فِيهِ [فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ] قَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوِ اطَّرَدَتْ خُطْبَتُكَ مِنْ حَيْثُ أَفْضَيْتَ.
فَقَالَ : هَيْهَاتَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ تِلْكَ شِقْشِقَةٌ هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَوَاللَّهِ مَا أَسَفْتُ عَلَى كَلَامٍ قَطُّ كَأَسَفِي عَلَى هَذَا الْكَلَامِ أَلَّا يَكُونَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) بَلَغَ مِنْهُ حَيْثُ اَرَادَ
• ومن الخطب الرمزية خطبة النعمان بن بشير بالكوفة
«وقف النعمان على المنبر يوماً فقال للناس:أتدرون ما مثلي ومثلكم؟ قالوا: لا.قال: مثل الضبع والضب والثعلب، فإن الضبع والثعلب أتيا الضب في وجاره، فنادياه: يا أبا الحسل (كنية الضب). فقال: سميعاً دعوتما. قالا: أتيناك لتحكم بيننا. قال: في بيته يُوتى الحكم: قالت الضبع: إني حللت غيبتي.
قال: فعل الحرة فعلت. قالت: فلقطت تمرة. قال: طيباً لقطت.
قالت: فأكلها الثعلب. قال: لنفسه نظر. قالت: فلطمته.
قال: بجرمه. قالت: فلطمني. قال: حرّ انتصر.
قالت: فاقض بيننا. قال: قد فعلت.
• ولعل اكثر الناس شهرة فى الخطابة النارية كان الحجاج بن يوسف الثقفى والذى يعرفه الناس بمواقفه على المنبر يهدد ويرعد ويتوعد برغم أن له فى باب الموعظة خطبا تبذ الوعاظ أصحاب الخبرة منها فى البصرة مثلا :
حمد االله وأثني عليه ثم قال إن االله كفانا مئونة الدنيا وأمرنا بطلب الآخرة فليته كفانا مئونة الآخرة وأمرنا
بطلب الدنيا مالي أرى علماءكم يذهبون وجهالكم لا يتعلمون وشراركم لا يتوبون مالي أراكم تحرصون
على ما كفيتم وتضيعون ما به أمرتم إن العلم يوشك أن يرفع ورفعه ذهاب العلماء ألا وإني أعلم بشراركم
من البيطار بالفرس الذين لا يقرءون القرآن إلا هجرا ولا يأتون الصلاة إلا دبرا ألا وإن الدنيا عرض حاضر
يأكل منها البر والفاجر ألا وإن الآخرة أجل مستأخر يحكم فيها ملك قادر
ألا فاعملوا وأنتم من االله على حذر واعلموا أنكم ملاقوه ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين
أحسنوا بالحسنى ألا وإن الخير كله بحذافيره في الجنة ألا وإن الشر كله بحذافيره في النار ألا وإن من يعمل
مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره وأستغفر االله لي ولكم
• خطبته لما أصيب بولده محمد وأخيه محمد في يوم واحد
قال صاحب العقد فلما كان غداة الجمعة مات محمد بن الحجاج فلما كان بالعشى أتاه بريد من اليمن بوفاة
محمد أخيه ففرح أهل العراق وقالوا انقطع ظهر الحجاج وهيض جناحه فخرج فصعد المنبر ثم خطب الناس
فقال أيها الناس محمدان في يوم واحد أما واالله ما كنت أحب أهنما معي في الحياة الدنيا لما أرجو من ثواب
االله لهما في الآخرة وايم االله ليوشكن الباقي مني ومنكم أن يفنى والجديد أن يبلي والحي مني ومنكم أن يموت
وأن تدال الأرض منا كما أدلنا منها فتأكل من لحومنا وتشرب من دمائنا كما مشينا على ظهرها وأكلنا من
ثمارها وشربنا من مائها ثم نكون كما قال االله تعالى ( ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون
ثم تمثل هبذين البيتين
عزائي نبي االله من كل ميت ... وحسبي ثواب االله من كل هالك
إذا ما لقيت االله عني راضيا ... فإن سرور النفس فيما هنالك
• ومن خطب الإستعطاف ما كان بين ابراهيم بن المهدى وابن أخيه المأمون
لما ظفر المأمون بعمه إبراهيم بن المهدى أمر بإدخاله عليه فجىء بإبراهيم يحجل في قيوده فقال السلام عليك
يا أمير المؤمنين ورحمة االله وبركاته فقال له المأمون لا سلم االله عليك ولا حفظك ولا رعاك ولا كلأك يا
إبراهيم فقال له إبراهيم على رسلك يا أمير المؤمنين ولى الثأر محكم في القصاص والعفو أقرب للتقوى ومن
مد له الاغترار في الأمل هجمت به الأناة على التلف وقد أصبح ذنبى فوق كل ذنب كما أن عفوك فوق
كل عفو فإن تعاقب فبحقك وإن تعف فبفضلك ثم قال
ذنبي إليك عظيم ... وأنت أعظم منه
فخذ بحقك أو لا ... فاصفح بفضلك عنه
إن لم أكن في فعالى ... من الكرام فكنه
فأطرق المأمون مليا ثم رفع رأسه فقال أني شاورت أبا إسحق والعباس في قتلك فأشارا على به قال فما قلت لهما يا أمير المؤمنين قال قلت لهما بدأنا له بإحسان ونحن نستأمره فيه فإن غير فاالله يغير ما به قال أما أن يكونا قد نصحاك في عظم قدر الملك وما جرت عليه عادة السياسة فقد فعلا ولكن أبيت أن تستجلب النصر إلا من حيث عودك االله ثم استعبر باكيا فقال له المأمون ما يبكيك قال جذلا إذ كان ذنبى إلى من هذه صفته في الأنعام ثم قال يا أمير المؤمنين إنه وإن كان جرمى يبلغ سفك دمى فحلم أمير المؤمنين وتفضله يبلغاننى عفوه ولى بعدهما شفاعة الإقرار بالذنب وحرمة الأب بعد الأب قال المأمون القدرة تذهب الحفيظة والندم توبة وعفو االله بينهماوهو أكبر ما يحاول يا إبراهيم لقد حببت إلى العفو حتى خفت أن لا أوجر عليه أما لو علم الناس ما لنا في العفو من اللذة لتقربوا إلينا بالجنايات لا تثريب عليك يغفر االله لك ولو لم يكن في حق نسبك ما يبلغ الصفح عن زلتك لبلغك ما أملت حسن توصلك ولطيف تنصلك ثم أمر برد ماله وضياعه فقال
رددت مالي ولم تبخل على به ... وقبل ردك مالي قد حقنت دمى
فأبت منك وما كافأهتا بيد ... هما الحياتان من وفر ومن عدم
وقام علمك بى فاحتج عندك لى ... مقام شاهد عدل غير متهم
فلو بذلت دمي أبغي رضاك به ... والمال حتى أسل النعل من قدمي
ما كان ذاك سوى عارية رجعت ... إليك لو لم هتبها كنت لم تلم
وهناك من خطب العر ب التى يتلذذ بها هواة الذوق من جمال اللغة وحلاوة المنطق الكثير الذى لا يمكن حصره ولا حصر تنوعه وتنوع أغراضه ، ولكنى أكتفيت منها بما يوصل الغرض فى بعث النموذج وضرب المثل الذى يجب أن يحتذى من التخفيف من صعوبة الألفاظ على قدر ضعف اتصال الناس باللغة مع عاميتنا المقيتة وجهلنا المشين بروائع الفصحى وجزالة ألفاظها .
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
مسرحية شعرية
عن حادثة اتهام هند بنت عتبة بالزنا نظم : حمدى عبدالظاهر المشهد الأول (على المسرح يبدو رجلان يتحدثان مع خلفية كأنها رمل ممتد بخلفي...
-
- وأما الخطبة فحدث ولا حرج فقد روى مسلم في "صحيحه" عن واصل بن حيان قال: قال أبو وائل - وهو شقيق بن سلمة - خطبنا عمار رضي ا...
-
تعيين انتصبت فارعة فريدة فى موقعها إلا من مبنى آخر يلاصقها يبدو أنه تابع لإحدى المن...
-
سأصبح ذكرى إذا ما قفلت إلى بطنها ذات يـــوم قريب ويصبح أمسى عبئـــا على و أندم عند ح...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق