الثلاثاء، 10 مايو 2016

الزيارة



                    يوم هو ككل الأيام من حيث إشراق شمسه و ضياء نوره و صحو يومه وتلك الوجوه المتكررة التى لا يفتأ المرء يراها كلما استيقظ فى ذلك المكان الضيق الكئيب حيث تفرض الظروف القهرية اجتماع أصحابها فى هذا المكان ،
              نظر بحذر من فرجة الباب إلى حيث الفضاء الضيق أمام الكهف الذى تجثم حوائطه عليهم ولم يكن ثم إلا الحراس وبعض المساجين وقد اختلطت أصواتهم و صرخاتهم و ضحكاتهم بينما ظهر صوت الحارس الأجش ينادى الجميع .
              خرج قليلا من الباب يطل إلى ما حوله متطلعا يسوقه الفضول خلف أسراب الموتى الخارجة من الزنازين بثياب السجن البيضاء و قد بدت كأكفان كالحة أكلتها الأرض فآلت إلى لون التراب و لولا وجود بعض من لهم اهتمام خاص بثيابهم لما كان يمكن أن يصدق المرء أن هذه الثياب كانت يوما بيضاء .
              وبرغم ما كان يعانيه من ضيق الغرفة وازدحامها بالسكان إلا أن مجرد انفراجة الباب صباحا كانت تشعره بالعودة إلى الحياة و سرعان ما يذوب ألم الليل أمام دعابات السجان وقد جلس على كرسى خشبى ( لا تدرى كيف لفق النجار أخشابه  فضمها إلى بعضها البعض ليصنع منها هذا الهيكل العجيب ) ممسكا بعصا صغيرة قد ألبس طرفها خرطوما طويلا جعله كالكرباج وقد ثنى الخرطوم فى يده فهو يضرب القريب بالعصا فإذا ما ابتعد ترك الخرطوم من يده فيمتد ليلحق به ظهر السجين وهو يفر من أمامه.
              وبرغم وطأة ما يفعل على المساجين إلا أن الجميع كانوا يقبلون منه ذلك بل ويقبلون عليه فلم يكن من هؤلاء الثقلاء الذين يبغضهم الإنسان .
                    استكمل خروجه من الزنزانة ليلقى ذلك السجان بالدهشة و هو يخبره أن له زيارة فلم يكن ينتظر زائرين و لذلك فقد راح يسأل فعرف أنه المحامى وبصحبته زيارة أخرى ... هى زوجة أحد رفقاء الزنزانة .
                     مكان الزيارة قاعة كبيرة ذات بابين أحدهما  لدخول الزوار و آخر لدخول المساجين وهو مكان موحش تنقبض نفسه كلما دخل إليه لا يدرى ما سبب انقباضه ولكن لعله بسبب وجود هذا الكم المتداخل من السجانين و السجانات و الضباط و المسجونين و الزحام الخانق و دخان السجائر و رائحة العرق و الرطوبة الشديدة و دموع الزوار .
              استقبل المحامى بابتسامة مغتصبة – ليس منشأها مشاعر سلبية بليدة نحوه  إنما هذا الشعور الغريب بالإنقباض ، جلس إليه  جلسة القلق ... عيناه تبحثان عن رفيقه الذى لم يدخل بعد بينما زوجته حيرى بين الزوار جالسة تتململ فى جلستها  لا تدرى ما سبب التأخير ؟
ثم لم  تلبث أن قامت متحفزة إلى حيث الضابط مراقب العنبر .. أخذت تحدثه .. لم يدر ما تقول .. رجعت إلى الوراء قليلا .. شعر أنها فى أزمة .. راح يستفسر ... صدمته بأن زيارتها من السلك .. ذهب إلى الضابط يشرح .. لا بد أنه أخطأ  .. إنهم سياسيون ... و قضية لا تمت لأهل هذا المكان بصلة ... ولهم ظروف مخصوصة .. زيارتهم ليست من السلك حسب التعليمات ، لم ير الضابط ما يدعوه لتصديق هذا الكلام فقد تعود الكذب من كل من ارتاد هذا السجن فما الفرق بينه وبين غيره من المساجين ؟ ! رجع إليها كاسفا خجلا لعدم التوفيق يفسر لها رؤية الضابط ، رفضت .. رجع إلى الضابط ليصر على ما يريد .. طلب إليه الضابط أن يوافيه بموافقة المأمور .. اندفعت وقد نفذ صبرها  إلى حيث تجد أحدا من مسئولى السجن ممن يؤول إليهم هذا الأمر ، عادت ومعها الآمر ..انتهت الأزمة .
              عندما رجع إلى زائره كان مكانه قد راح ولم يعد إلا مكان المحامى وبضع سنتيمترات تكفى لإستقباله بنصف جلسة .
              رائحة العرق تزداد و الزحام يطبق الأنفاس والمعاناة من اشتداد  رطوبة المكان تخنقه  مما ألجأه لإنهاء الحديث مبكرا مع المحامى ومن ثم استأذنه فى الإنصراف غير أن المحامى نظر إليه فى إشفاق وهو ينبهه أن عليه الإنتظار لأن انصرافه قد يتسبب فى انهاء الزيارة لجميع الموجودين خاصة صاحبه فاضطر للمكث على مضض وهنا شعر حقيقة بوطأة ما هو فيه فقد اكتشف فجأة أن المكان أكثر زحاما مما كان يتصور .
              ركبة المرأة الجالسة قبالته فى الزيارة - ولأن المقاعد متقابلة متقاربة - تضغط بشدة على ركبته وبجانبها وقفت أخرى تسوى بعض الأشياء فتنثنى وتستقيم لترفع وتحط وهى فى حركتها هذه الرتيبة المتوالية  على غير إرادة منها تحك ساقها بساقه و هو يكلف نفسه مشقة البحث عن موضع آخر فيما بقى من الفراغ القليل الموجود أسفل المقعد دون جدوى .
              أرسل عينيه إلى حيث يتجول بهما مللا فيما حوله من البشر والفراغ - الذى لم يزدحم بعد فى سقف القاعة - وبين تردد عينيه من هنا إلى هناك استكشافا للناس و المكان بدا له المكان وكأنه إحدى محطات القطار الكبرى فالجميع منهمك فى شأنه ما بين متحدث تتدفق الكلمات من فيه تدفق السيل الذى لا ينقطع مخافة انتهاء الزمن الممنوح له اختلاسا من وقت الشرطة الثمين دون أن يؤدى ما يريد و عاشق يريد أن يفرغ كل ما عنده من مشاعر قبل أن تأتيه صفارة النهاية فيختلس ما يظنه بعيدا عن أعين الرقباء .
              لم يكن يتخيل أن يرى ما يراه فى هذا المكان .. ولم يكن يتصور أن ينتقل بعض ما يجب أن يستر مما يحدث بين المرء وزوجه إلى العلن فى هذا الزحام ، قد يرى راءٍ أن الكل مشغول عنه ولكنه لا يرى أن المسألة إلى هذا الحد .
              جاءت صفارة الشاويش لإعلان نهاية الزيارة لتنهى استغراقه الشديد فى أفكاره هذه ولترفع قوة الأداء لدى الجمع ليتسارع ما كان بطيئا ويزداد اللهاث لإدراك ما فات ويزداد الهرج و الصياح فى لحظات الوداع دون أن يتحرك أحد .
              انتصب الضابط واقفا وبدأ الحراس يتحركون فى المكان فتأكد الجميع أنه لا بد من الرحيل فانصرف الناس أمواجا تتحرك نحو الباب بينما وقف كل مسجون إلى جانب ما جاءه  فى الزيارة انتظارا للتفتيش وهو جالس فى مكانه و صاحبه يسوقه الخوف على وقت رفيق الزنزانة .
              أشار إليه الضابط يستدعيه وهو يستغرب مكثه وهو خالٍ من الأهل مع انصراف غيره من ذوى الزوار الكثر  فأخبره أنهم بانتظار انصراف السيدة ليصحبها المحامى ، نوع من التعليل المنطقى الذى يصدقه الضباط أحيانا حفظا لماء وجه أمثاله و لترك الفسحة له لعله يحتاجها أو هكذا قيل له فيما بعد .

              انتهت الزيارة ..رأى آثار دموع فى عينى صاحبه لفراق الإلف ...كان فى وقت سابق يفكر فى أن يرضخ لمطلب أصحابه فى السماح لأهله بزيارته فى السجن .. قرر فى نفسه أمرا ثم انصرف .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مسرحية شعرية

  عن حادثة اتهام هند بنت عتبة بالزنا نظم : حمدى عبدالظاهر  المشهد الأول (على المسرح يبدو رجلان يتحدثان مع خلفية كأنها رمل ممتد بخلفي...