الفصحى
بين المفردات
العامية والأجنبية والجديدةهل من منقذ؟
بقلم : حمدى عبدالظاهر
لا يمكن أن تخطئ
أذن المدقق الفاحص تغيرا عجيبا فى الألفاظ السائرة على ألسن الناس فى بلادنا
العربية جميعها و إن كان القياس اليوم فى الغالب لن يتخطى مصر لأنها البلد الأم و لأن الملاحظة لا يمكن إلا أن تعلن أنها أكثر
البلاد العربية تأثرا بهذا النمط اللفظى الغريب الدخيل الذى لا بد أن يكون له أسباب واضحة لا لبس فيها .
فعلى مستوى
العلاقات العامة ومما يحسبه الناس تحضرا و تقدما تجد أن ألفاظا تنتشر بين علية
القوم من مثل (مدام و مدموازيل ومس ) ونعنى باللفظ الأول المرأة المتزوجة و باللفظين الأخيرين اللاتى لم يتزوجن بعد مع العلم أن اللفظ العربى المقابل زوجة
وامرأة وآنسة ، فإذا ذهبت إلى أبعد من ذلك
تجد البك و الباشا و البوس بتفخيم الباء جدا وتشديد السين ، وهناك الجنتل و
انتليجانت والإكسلنس والإكسلنت و القاموس
يحوى العشرات من الألفاظ الغربية المأخوذة هكذا دون مبرر يذكر وما فات على سبيل
المثال لا الحصر .
يروى الدكتور
جابر قميحة فى مقاله اللغة العربية و الإستعباد اللغوى " ومن مشاهداتي القليلة للتلفاز المصري - وكان
الموضوع "المكتبات الجامعية"- انقل العبارات الآتية التي جاءت على لسان
ضيف الحلقة وهو دكتور أستاذ كبير جدًّا: ".. والمكتبات الجامعية عندنا دلوقتي
حاجة تكسف. فرى بور Very
Poor، تسألني عن
الحل أقولك الحل فري إيزي Very
Easy". وفي
برنامج عن السياحة في التلفازالمصري كان ضيفه شخصية فنية كبيرة التقطت منه
العبارات الآتية: "... والعريش بيتش Beach
بالذات كل شيء فيه Blue.. سما .. وميه". موقع
المنار الجديد
وعلى مستوى
الشارع حدث و لا حرج .... عرضها وما تكشكشهاش ، مبروم على مبروم مايلفش ، إديله
الطرشة ،اديله قفا ، طنش وما إلى هذه الألفاظ ، سيل جارف من المركبات اللفظية و
الإختصارات لدرجة جعلتنى أتعجب و قد رايت على أحد كمبيوترات الشباب قاموسا يسمى
قاموس الألفاظ الشبابية .
الظاهرة أخطر من
أن يسكت عنها فالمتأثر هنا هو لغة القرآن وارتباط الناس بها و النتيجة على المدى
البعيد كارثة ستفصل الأجيال القادمة عن القرآن الكريم وعن منابع دينهم الأصيلة من
حديث و لغة وكتب تراث ويكفى أننا الآن نعانى تماما من هذا الأمر و المتتبع لإدراك
الناس فى المجتمع لمرامى اللغة و مقاصد الفتوى يجد غثائية شديدة طالت حتى كثيرا من
كتاب الصحف و المجلات الجدد و كذلك معظم من يتصدى للإذاعة و التليفزيون وهما أخطر
الأجهزة تأثيرا فى النشء تربية وتعليما فاللغة الموجودة لغة تختلف كثيرا عن لغتنا
الجميلة التى يجب أن تملأ العقول و القلوب ( نطقا وكتابة ) ولعل ما يزيد الطين بلة
أولئك الدعاة الذين حادت ألسنتهم عن اللغة بل وآيات القرآن الكريم فترى اللحن
عندهم جليا و خفيا ومن كل نوع مما ينعكس بالسلب على ما يقولون .
يقول الأستاذ محمد
السمورى " مما لا شك فيه أن اللغة
العربيّة الفصحى أمست اليوم حبيسة دفات الكتب والمطبوعات وباتت لا ينطق بها إلا في
وسائل الإعلام ومنابر الخطابة وقاعات الدرس بمعنى أنها أصبحت لغة الرسميّات
فحوّلتها هذه الظاهرة إلى لغة تستخدم على حرج في الحياة العادية اليومية، فغالبا
ما ندهش لمتحدث بالفصحى في سهرة أو مقهى، وأعظم من هذا أننا نلمزه بخبث أو نعيب
عليه ذلك، وكثيرا ما نتغاضى عن أغلاط المتحدثين – حتى الرسمييّن –ونسوّغ لهم لأننا
بذلك نسوّغ لأنفسنا هذه الأغلاط أو نخضع لها – على الأقل – بحكم العادة والعرف ا
لسائد " موقع ديوان العرب
بل وأنا أقول أنه
حتى الإعلام نفسه بدأ يتخلى عن استخدامها الآن ، وهو فى حديثه هذا يتحدث عن
المجتمع السورى فإذا ما انطلقت إلى المجتمع الخليجى و المغربى و المصرى و اليمنى
وأى مجتمع من المجتمعات العربية فستجد هذه النكبة مما صعب على العرب حتى فهم بعضهم
البعض رغم انتشار الفضائيات و الإذاعات .
أذكر و أنا حديث
عهد باليمن أننى كنت سائرا فى بعض الطريق
متجها إلى الإدارة التى كنت أعمل فيها فمِلتُ على صبى أسأله عما أريد فنظر إلى طفل
أصغر منه أمرا إياه " يا وِرْع .. ياوِرْع .. جر الأستاذ رويه الإدارة حقه حَيْث
إنه غشيم" فانشققت غيظا وكمدا و أنا أندب حظى أن ألقت بى الأقدار إلى بلدٍ
المروءة فيه بالسباب ثم لما استقر بى الأمر هناك عرفت أن الورع بكسر الواو و تسكين
الراء هو الطفل الصغير و يقولون له جاهلا أيضا و عرفت أن جُر معناها خذ بيده و
غشيم معناها لا يعرف و حمدت الله أن الولد لم يستخدم اللفظ الآخر يومها وإلا لكنت
سمعته يقول حيث إنه غبى و هى عامية عند اليمنى لم أفهمها إلا بعدما مكثت هناك عدة
أعوام .
أنا لا أقول أننى
مع من يقول بأن العرب يجب أن يستغنوا فى حياتهم عن العامية لأن ذلك أصبح من الواقع
الذى لا يمكن التخلص منه وإن كان ذلك ليس مستحيلا ولكن أن يعتمد العرب فى حياتهم
جميعها العامية و ليس العامية وفقط ولكن تلك اللغة الحديثة التى تنبض جهلا و
استهتارا باللغة الأم من مثل ما أوردت من ألفاظ فهذا ما يجب عدم الوقوف أمامه ببلادة وبلاهة
خاصة و أن هذا يمثل منهجا استعماريا قديما يمشى بخطى حثيثة " وما يؤكد هذا هو دعوة
الانكليزي وليام ولكوكس 1926 إلى الاستغناء عن العربيّة الفصحى وقام بترجمة
الإنجيل إلى العاميّة المصرية وكذلك اقتراح عبد العزيز فهمي باشا عام 1944 بكتابة
اللغة العربيّة بحروف لاتينية تيمناً بما فعله الأتراك متناسياً أنهم قطعوا صلتهم
بماضيهم المتواضع،فهل يمكن للعرب قطع صلاتهم بتراثهم العظيم وماضيهم المديد" موقع ديوان
العرب
ولعلنا نجد من
يسوغ لهم ذلك مثل " أمين واصف بك بقوله : لغة اليوم لغة وسط بين العربيّة
الوحشية( الأولى ) وبين العاميّة( الثالثة ) أعني أن العرب نزلوا بالفصحى قليلا
ورفعوا العاميّة كثيرا فكانت لغة الجرائد، فهي لغة اليوم ولغة المستقبل ." موقع ديوان
العرب
و الحقيقة أننى لا
ألوم مثل هؤلاء كثيرا و لا أعول على أمثالهم لأنهم بين مهزوم مقهور فهو يتحدث بلغة
المستعمر أو مستعمر أصيل يفرض اختياراته ويقتل لغتنا لأنه يعلم أن فيها حياتنا
لأنها ستردنا دائما إلى الجذور و الأصول و التى يعرف الدانى و القاصى أن رجوعنا
إليها وانكفاءنا عليها درسا و غرسا و حصادا هو ما يقوى ظهورنا و يعيد إلينا ما
انقضى من عزة ويومها لن يجد إلا المقاوم العنيد و الجبل الوطيد .
وإذا كان من مثل
لنا فى اليهود نقتدى به فلن نجد أصلح من هذا المثل .. قوم أحيوا لغة من اندثارها
لتصبح إحدى اللغات الحية القوية ويفرضونها على العالم فلا يستخدمون غيرها فى لغة
الإعلام و الأحاديث الرسمية و الكتابة و العبادة و لتصبح اللغة الرسمية للكيان
الصهيونى ... شــراذم بلا أرض يصنعون وطنا ويحيون لغة بينما نضيِّعُ وطنا وشعوبا
ولغة ، ولعل هذا هو أحد الجحور المفيدة التى
لم ندخلها وراءهم فهل يمكن أن نفعل ذلك ..
هذا الجحر وفقط ؟؟
المسألة أكبر من أن
يجتمع لها فصيل من الناس أو دولة من الدول
و إنما يحتاج إلى تكاتف الجميع دولا و شعوبا ومنظمات ، و رسميين و شعبيين ، وثقافة
وإعلام و كل من يمكن أن يحمل جزءا من هذا الواجب .
والحقيقة أننى لما
حاولت التفكير فى طرق الإصلاح و جدت أن ما نحن فيه لجة عظيمة فيها كثير من الأمواج
و العقبات تبدأ من هناك من أول السلم ، من هدهدة
الطفل وأراجيز النساء بلسان عربى لا عوج فيه إلى مناهج تعليمية يهتم فيها
القائمون على العملية التعليمية بمعلم اللغة العربية بالذات فيأخذوا بيده من وهدة
الضعف اللغوى الشديد الواضح لكل ذى أذن تسمع ولا أكون مغاليا إذا تصورت أن الطريقة
القديمة فى تعليم اللغة العربية ( وزن ، زرع ، أكل ، حصد ) تلك الطريقة التلقينية
للمعلم القديم والتى تعلمنا بها جميعا تعد من أنجع الطرق فى تعليم اللغة إذا
جاورها الكُتّاب بما كان فى الكُتّاب من اهتمام سيدنا و عريفه بالقرآن تحفيظا
وتعليما ، ثم إن التعليم الإبتدائى و الإعدادى يحتاج كل منهما حراث أكفاء يعرفون
كيف ينتقون البذور و يجهزون الأرض و يرعون النبتة و يتعهدونها بالسقى و العلاج كما
كان يفعل أساتذتنا الأوائل بعيدا عن الدروس الخصوصية و اختصارات المواد
للإمتحان و تجهيز الأسئلة الإنتقائية حتى
لا يكلف الطالب مذاكرة و لا جهدا وأما
المناهج فيجب أن تعود إلى ما كانت عليه فى الإملاء و الخط و النحو والصرف و
البلاغة بصورة توفر مناخا يجعل الطالب يحرص على التعلم و ينجذب إلى اللغة ، و
أصحاب اللغة يمكن أن يضعوا فى المناهج من المشوقات ما يحدث هذا الأثر .
وأما على غير جانب
التعليم فالمسألة لها أكثر من جانب فهناك اعتماد الغث الذى يطرح فى وسائل الإعلام
المقروءة و المسموعة والذى يمثل أحد أسباب ضعف التناول للغة ، لذلك يجب أن يكون
التركيز فى الإعلام على اعتماد اللغة العربية دون العامية ، مثل السينما و المسرح
و التليفزيون و هذا ليس صعبا وأما عن الإنترنت فحدث ولا حرج ، يمكننا أن نقيم
مشروعا شعبيا فائق التأثير عبر مواقع يتم انشاؤها على الشبكة ويكون من أهم مهامها
إحياء اللغة العربية تحدثا وكتابة ، املاء ًورسما على أن يكون هناك رابط منهجى بين
هذه المواقع يتم عن طريقه تلافى العشوائية فى التناول بحيث يتم تصنيف المواقع المرتبطة
باللغة العربية بأسلوب يخدم فروع اللغة جميعا دون إهمال مع اعتماد كل ما يدعم
الفصحى من برامج فنية أو تقنية بل ويمكننا إحياء الفنون السينمائية و التمثيلية و
المسرحية وبخاصة المسرح الشعرى الذى اندثر أو كاد والغنائية عن طريق شبكة الإنترنت
على أن يكون هناك متطوعون كثر و ستجد اللغة العربية من يتطوع لها بالمال و الجهد
ما اعتبرنا إحياءها يهذه الصورة عبادة .
لا أزعم أن هذا هو
الحل ولكنها أنات ألم وصرخة محزون لعلها تجد من ينصرها من المسلمين عربا و عجما
لأن لغة القرآن تهم الجميع .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق