الزنا
أن يرى الرجل المرأة وترى المرأة
الرجل وأن تقع فى قلبه ويقع فى قلبها فذاك طبيعى لأنها غريزة مركبة فى الإنسان
لحفظ النسل ، وأن تعجب المرأة الرجل فيشتهيها فيخطبها ويتزوجها ليقضى شهوته فهذا
طبيعى لأنه السلوك الأخلاقى القويم بين البشر بل وأن يعجبها فتخطبه ليتزوجها فهو
على نفس الوتيرة من حسن السلوك .
أما أن يراها أو تراه فيسعيان لقضاء
وطرهما من بعضهما البعض فى علاقة بعيدا عن أعين الناس وفى خلوة خائنة فهذا ما لا
يقبله المجتمع المستقيم بل وتأباه حتى النفس المريضة والتى قد نرى أصحابها يرتكبون
الفعل فاذا ما أصيبوا به فى بيوتهم استنكروه وكأنه مباح لهم محرم على غيرهم .
وليس هذا السلوك فقط هو الذى تأباه النفس
المستقيمة وإنما ما هو أقل منه حتى ولو كان مجرد اللمس باليد أو القبلة والمباشرة بله
حتى النظرة فكلها أمور لا تقبل النفس السوية حدوثها لا من صاحبها ولا من غيره
وقديما قال شاعرهم
ناري
ونارُ الجار واحـــــــدة ... وإليه قَبــلي تُنزَل القِدْرُ
مـــــــا
ضرَّ جاراً لي أُجاورُه ... أن لا يكون لبابِه سِتْرُ
أعمى إذا ما جارتي ظهرَتْ ... حتَّى
يُغيِّبَ جارتي الخِدْرُ
ولقد كان الزنا قبلا ذا أبعاد دينية واخلاقية
واجتماعية ونفسية عرفه الناس بها ولكنه
الآن وقد عرف الناس الطب الحديث فقد أصبح فى الزنا ما هو أخطر من هذه جميعا ...
أصبح فيه تلك الأمراض الفضاحة والتى لا تصيب فى الغالب إلا من يتعاطى الزنا وهى وإن كشف الطب عن علاقتها به حديثا
إلا أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد نبهنا إليها من زمن بعيد ..... ففى الحديث
الصحيح الذي رواه ابن ماجة والحاكم عن ابن عمر مرفوعا (كنت عاشر عشرة رهط من
المهاجرين عند رسول الله (ص) فأقبل علينا رسول الله (ص) بوجهه فقال: يا معشر
المهاجرين! خمس خصال أعوذ بالله أن تدركوهن ، ما ظهرت الفاحشة في قوم قط حتى
أعلنوا بها الا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في اسلافهم الذين مضوا، ولا نقص قوم المكيال إلا ابتلوا بالسنين وشدة
المئونة وجور السلطان، وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا
البهائم لم يمطروا، ولا خفر قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا
بعض ما في أيديهم، وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه إلا جعل بأسهم بينهم
شديدا .)
ولذلك
ولسلامة المجتمعات أولا من غضب الله عز وجل وثانيا من هذه الأمراض المتعددة
الجوانب سنحاول أن نلقى نظرة تحليلية على الأمر برمته لعلنا نرضى الله سبحانه
فيطهرنا من درن الزنا ومن أعراضه وبلاياه ....
أولا : ما الزنا ؟
جاء فى ( كتاب التدابير الواقية من
الزنا – د . فضل الهى)" قال اللحيانى : الزنا ( مقصور ) لغة أهل الحجاز
والزناء (ممدود) لغة تميم .
والزنا فى عرف الشرع واللسان – وطء الرجل المرأة
فى القبل فى غير الملك وشبهة الملك . وهو : كل وطء وقع على غير نكاح صحيح ولا شبهة
نكاح ولا ملك يمين . وهذا متفق عليه بين علماء المسلمين . وهو فعل الفاحشة فى قبل
أو دبر ، وهو من الكبائر العظام . وهو : أن يأتى امرأة بغير أن تكون بينهما علاقة
الزوجية المشروعة .
ثانيا : تحريم الإسلام للزنا
والحقيقة أن الزنا
هو جريمة مستبشعة من الكافر والمسلم بدليل قول هند بنت عتبة وهى تبايع النبى صلى الله عليه وسلم " وهل تزنى
الحرة " وتحريمها من خلال الشرائع لم يقتصر على الإسلام فقط وإنما حرمته كل
الشرائع فهو محرم فى التوراة والإنجيل وعلى لسان
كل نبى فى دعوته .
ولقد حرمته كل
الشرائع السماوية وخاصة التوراة والإنجيل وهذه بعض النصوص : -
وَلَمَّا كَانَ نَحْوُ ثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ، أُخْبِرَ
يَهُوذَا
وَقِيلَ لَهُ: «قَدْ
زَنَتْ ثَامَارُ كَنَّتُكَ، وَهَا هِيَ حُبْلَى أَيْضًا مِنَ الزِّنَا». فَقَالَ
يَهُوذَا: «أَخْرِجُوهَا
فَتُحْرَقَ».سفر
التكوين 38: 24
يُخْرِجُونَ الْفَتَاةَ إِلَى بَابِ بَيْتِ
أَبِيهَا،
وَيَرْجُمُهَا رِجَالُ
مَدِينَتِهَا بِالْحِجَارَةِ حَتَّى تَمُوتَ، لأَنَّهَا عَمِلَتْ قَبَاحَةً فِي إِسْرَائِيلَ بِزِنَاهَا فِي بَيْتِ أَبِيهَا. فَتَنْزِعُ الشَّرَّ مِنْ وَسَطِكَ. سفر التثنية
22: 21
أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ
الظَّالِمِينَ لاَ يَرِثُونَ
مَلَكُوتَ اللهِ؟ لاَ
تَضِلُّوا: لاَ
زُنَاةٌ وَلاَ عَبَدَةُ أَوْثَانٍ وَلاَ فَاسِقُونَ وَلاَ مَأْبُونُونَ
وَلاَ مُضَاجِعُوا ذُكُورٍ،
موقف الإسلام من الزنا
يحسن هنا أن أنقل ما
أورده الدكتور فضل إلهى فى كتابه التدابير الواقية من الزنا حيث يقول " حرم
الإسلام بعض المنكرات بالتدريج فمثلا حرم الخمر على ثلاث مراحل أما الزنا فقد حرمه
من أول الأمر وهذا يدل على شناعة الزنا وكبر جريمته فى نظر الإسلام وإذا كان هناك
تدرج فهو قاصر على عقوبة الزنا لا على تحريم فعله كما أن التدرج فى العقوبة تعلق
بجسامتها لا بأصلها وذلك لأن عقوبة الزنا لازمت تحريم اتيانه من أول الأمر ."
والقرآن الكريم
والسنة النبوية بهما الكثير من النصوص التى تتحدث عن مساوئ وبالتالى تحريم الزنا وبيان أثره السئ
على الأفراد وعلى المجتمع ويكفى أن القرآن الكريم قد تحدث عنه مبينا سوءه وحرمته
وأثره السئ على المجتمع وعلى الأفراد فى مواضع كثيرة بلغت ما يقرب من ثلاثين موضعا
مستخدما لفظ الزنا ومشتقاته ولفظ الفاحشة ومشتقاته فى حين بين القرآن الكريم أهمية
العفة فى أكثر من موضع وجعلها من الإيمان .
وفى بيانه لتحريم
الزنا ذكر الدكتور فضل إلهى أن الله عز وجل حرم بعض المنكرات بالتدريج " أما
الزنا فقد حرمه من أول الأمر ، وهذا يدل على شناعة الزنا وكبر جريمته فى نظر
الإسلام ، وإذا كان هناك تدرج فهو قاصر على عقوبة الزنا لا على تحريم فعله ، كما
أن التدرج فى العقوبة تعلق بجسامتها لا بأصلها وذلك لأن عقوبة الزنا لازمت تحريم
اتيانه من أول الأمر "
يقول الشهيد سيد قطب فى الظلال { ولا
تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن } 151 الأنعام
" ولما وصاهم الله بالأسرة ، وصاهم
بالقاعدة التي تقوم عليها - كما يقوم عليها المجتمع كله - وهي قاعدة النظافة
والطهارة والعفة . فنهاهم عن الفواحش ظاهرها وخافيها . . فهو نهي مرتبط تماماً
بالوصية السابقة عليها . . وبالوصية الأولى التي تقوم عليها كافة الوصايا .
إنه لا يمكن قيام
أسرة ، ولا استقامة مجتمع ، في وحل الفواحش ما ظهر منها وما بطن . . إنه لا بد من
طهارة ونظافة وعفة لتقوم الأسرة وليقوم المجتمع . والذين يحبون أن تشيع الفاحشة هم
الذين يحبون أن تتزعزع قوائم الأسرة وأن ينهار المجتمع .
والفواحش : كل ما أفحش - أي تجاوز الحد -
وإن كانت أحياناً تخص بنوع منها هو فاحشة الزنا . ويغلب على الظن أن يكون هذا هو
المعنى المراد في هذا الموضع . لأن المجال مجال تعديد محرمات بذاتها ، فتكون هذه
واحدة منها بعينها . ولا فقتل النفس فاحشة ، وأكل مال اليتيم فاحشة ، والشرك بالله
فاحشة الفواحش . فتخصيص { الفواحش } هنا بفواحش الزنا أولى بطبيعة السياق . وصيغة
الجمع ، لأن هذه الجريمة ذات مقدمات وملابسات كلها فاحشة مثلها . فالتبرج ،
والتهتك ، والاختلاط المثير ، والكلمات والإشارات والحركات والضحكات الفاجرة ،
والإغراء والتزيين والاستثارة . . . كلها فواحش تحيط بالفاحشة الأخيرة . وكلها فواحش
منها الظاهر ومنها الباطن ، منها المستسر في الضمير ومنها البادي في الجوارح ،
منها المخبوء المستور ومنها المعلن المكشوف! وكلها مما يحطم قوام الأسرة ، وينخر
في جسم الجماعة ، فوق ما يلطخ ضمائر الأفراد ، ويحقر من اهتماماتهم ، ومن ثم جاءت
بعد الحديث عن الوالدين والأولاد .
ولأن هذه الفواحش
ذات إغراء وجاذبية ، كان التعبير : { ولا تقربوا } . . للنهي عن مجرد الاقتراب ،
سداً للذرائع ، واتقاء للجاذبية التي تضعف معها الإرادة . . لذلك حرمت النظرة
الثانية - بعد الأولى غير المتعمدة - ولذلك كان الاختلاط ضرورة تتاح بقدر الضرورة
. ولذلك كان التبرج - حتى بالتعطر في الطريق - حراماً ، وكانت الحركات المثيرة ،
والضحكات المثيرة ، والإشارات المثيرة ، ممنوعة في الحياة الإسلامية النظيفة . .
فهذا الدين لا يريد أن يعرض الناس للفتنة ثم يكلف أعصابهم عنتا في المقاومة! فهو
دين وقاية قبل أن يقيم الحدود ، ويوقع العقوبات . وهو دين حماية للضمائر والمشاعر
والحواس والجوارح . وربك أعلم بمن خلق ، وهو اللطيف الخبير . .
وكذلك نعلم ما الذي
يريده بهذا الدين ، وبحياة المجتمع كله وبحياة الأسرة ، من يزينون للناس الشهوات ،
ومن يطلقون الغرائز من عقالها بالكلمة والصورة والقصة والفيلم وبالمعسكر المختلط
وبسائر أدوات التوجيه والإعلام! "
{ الذين يجتنبون
كبائر الإثم والفواحش . إلا اللمم }النجم 32 . . وأما فيما يخص هذه الآية فقد قال
عليه رحمة الله :-
وكبائر الإثم هي
كبار المعاصي . والفواحش كل ما عظم من الذنب وفحش . واللمم تختلف الأقوال فيه .
فابن كثير يقول : وهذا استثناء منقطع لأن اللمم من صغار الذنوب ومحقرات الأعمال .
قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن
ابن عباس قال : ما رأيت شيئاً أشبه باللمم مما قال أبو هريرة ، عن النبي - صلى
الله عليه وسلم - قال : « إن الله تعالى إذا كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك
ذلك لا محالة . فزنا العين النظر ، وزنا اللسان النطق ، والنفس تمنى وتشتهي ،
والفرْج يصدق ذلك أو يكذبه » .
وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ،
أخبرنا ابن ثور ، حدثنا معمر ، عن الأعمش ، عن أبي الضحى أن ابن مسعود قال : زنا
العين النظر ، وزنا الشفتين التقبيل ، وزنا اليدين البطش ، وزنا الرجلين المشي .
ويصدق الفْرج ذلك أو يكذبه . فإن تقدم
بفرجه كان زانياً وإلا فهو اللمم . وكذا قال مسروق والشعبي .
وقال عبد الرحمن بن نافع الذي يقال له ابن
لبابة الطائفي ، قال : سألت أبا هريرة عن قول الله : { إلا اللمم } قال : القبلة
والنظرة والغمزة والمباشرة , فإذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل . وهو الزنا .
فهذه أقوال متقاربة
في تعريف اللمم .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق