ابنى والحمار
جلوسا كنا نراجع بعض الأوراق
الخاصة بالعمل عندما دخل الضيف سائلا عن بعض ما يتعلق به من أعمال ، لم يمكث كثيرا
وإنما كالنسمة دخل مبتسما وخرج على نفس الحال وزميلى يتعجب لشعوره بالسرور فى وقت
لا يحتمل أحدنا بعضه مما نحن فيه من غلاء خانق و حرية مفقودة وبرد قارس وغيم قاتم
اجتمعوا جميعا فكأن البلدة كلها لا الحجرة زنزانة رطبة مقرورة كئيبة .
انتظرت حتى خرج لأسأل صاحبى
عما حدا به ليتعجب من الرجل وابتسامته فأشار برأسه بعدم اهتمام وكأنه لا شئ لديه
فبادرته استدراجا ..
-
الرجل مسرور .. أيغضبك هذا ؟
و الحقيقة أن صاحبى فلاح جاد
و عفوى لذلك كان عجبى لما بدر منه فقد ظننت أن لديه ملاحظات على الرجل و لكنه لم
يبد جوابا رغم استفزازى له وانصرف إلى حديث آخر وقد انتهى الموقف لديه إلا أننى لا
أدرى لم تماديت فى استفزاز الرجل خصوصا وأنه قريب إلى قلبى يتحمل كثيرا منى وفضولى
كان كبيرا لأعرف ما ذاك الإنطباع الذى خلفه لديه ابتسام الرجل لنا دخولا و خروجا
رغم أنه ربما صدق معى وهو ينفى
علاقة ذلك بتعجبه .
- لا بد أن لؤم الفلاحين هو الذى معك الآن
وإلا لأخبرتنى بما لديك يا رجل .
- يا أخى لا لؤم و لا يحزنون وانت عجيب مالك
ولى اليوم .. قم .. قم . . دعنى أعود إلى عملى ، تريد أن توقعنى فى شر أعمالى
فأخطئ فى الرجل فتنقل له ؟
- أبدا ولكن....
آثرت عندها الصمت ليس غضبا
منه فهذه سجيته ولكننى لم أجد صدى عنده لما كنت توقعته منه ، واخذنا ننتقل من
حكاية إلى حكاية نسلى بها صباحنا البارد هذا لعل فى الكلام ما يدفئ ما حولنا من
برد شهر طوبة الذى أناخ علينا بكلكل صعب ومن ثم عرج بنا الحديث مرة أخرى إلى
صاحبنا الأول ..
-
لعلك لا تعرف أنه أنجب أخيرا ولدا ؟
-
أولم يكن عنده أبناء ؟
-
بل ولد ذكر ما عنيت على أربع بنات .
-
ياه ..بعد هذا العمر؟
-
بل ولقد زوج بنتا أو بنتين .
وهنا هب
واقفا مندفعا ...
-
أواه .. يا رجل ؟ بعد هذا العمر .. هذا لو كان
حمارا ما أدرك أن يركبه .
ضحكت من
تعبيره ووجدت فيه تغيرا حادا عما كان قبل أن أزف إليه الخبر ولكنه فاجأنى باسترسال
..
-
هذا أهبل هذا ، يبحث عن الذكور كل هذا البحث ؟
والله قلة فهم ، صاحبنا لا يفهم .
-
كل الناس بلا استثناء تفضل الولد ، ما لك أنت
تتجنى ؟
-
أبدا ، بل الخير فى البنات ، والله بنت للرجل خير
من ملء الأرض رجالا .. يا رجل ، تعال سأحكى لك أنا
-
مهما كان ...
- تعال .. أنا
معى البنت ومعى الولد ، خرجت عينى و عيون أهلى كلهم منه ، كلما رميت به إلى مكان
عاد إلى بمصيبة وكأنه مركوب أبى القاسم أما البنت ، سلمها الله ..كلما قلت يا رأسى
جاءتنى ومعها الفاكهة و أبناءها وزوجها .
-
يا أخى البنت لن تحمل نعشك .
-
يا عم الحاج يحمل نعشى أهل القرية ، المسلمون
كثير ولن تعدم ابن عم وابن خال ولا ابن كلب يحملك
-
لهذه الدرجة أنت فى غيظ ؟
-
أنا فى غيظ ؟! لا لا أنا لست فى غيظ أنا الغيظ
نفسه ، أرجوك لا تحدثنى عن الولد .
بدا له أن
يستريح بعدما بدأ يلث من الإنفعال ، واستشعرت أنه سينتهى إلى الصمت مرة أخرى فقررت
ألا أمكنه من ذلك مخافة أن ينتهى بنا
الحديث إلى هذا فإنه يبدو أن لدى الرجل كثيرا ولكنى لم أحتج إلى أن استفزه مرة أخرى فقد بادرنى بنفس
الإنفعال وقد بدا يزبد ...
- اسمع يا فتى
... لقد اهتممت به كثيرا حتى تعلم و تخرج من الجامعة ولما بدا يظهر خيره إذا به
يحرِن كما يحرِن الحمار ، أوجدت له عقدا للتدريس بالحصة فذهب إلى المدرسة ليومين
ولكنه عاد يقول ، العمل مرهق بلا عائد سوف أسافر إلى ليبيا وسافر ..
-
......
- أتدرى ؟ ذلك
اليوم الذى مرضت فيه ووصفتَ لى فيه ذلك الدواء ، لقد زارنى زوج ابنتى ورأى الدواء
فذهب إليها فى الدار وأخبرها أن علاجى من النوع الثقيل الذى يحتاج إلى غذاء ..
بالله ماذا صنعت ؟ لقد ذبحت بطتين و ريشتهما ونظفتهما وطهتهما وجاءت بهما على
رأسها فجعلت تطعمنى وذاك لم يسأل عنى .
-
........
-
(ثم استرسل بانفعال ) يا أخى والله والله
وصدقنى ، كل ما يقال له ذَكرُ لا لزوم له .
-
يا رجل عيب هل أصابك خرف الشخوخة ؟
-
...رجع من ليبيا بعد عشرة أشهر تدرى ؟!! يد
وراء ويد قدام ، لم يأت بشئ ، ثم بعد ذلك أوجدت له عملا عن طريق مديرنا السابق فى
الغردقة وكان من مقتضياتها أن يتدرب فى القاهرة فذهب ثم وبعد أسبوع رجعت إلى
المنزل لأجده نائما على جنبه ومن ثم قام متثاقلا وهو يخبرنى أن هذا العمل شاق وأنه
سيذهب للعمل فى شرم الشيخ وهكذا اِحسب له .....
-
هذا ليس ذنب الشباب يا عم الباشا
- إذن فما رأيك
فى أننى قد خطبت له ابنة عمه وكنت قد جهزت له الشقة فى الدور العلوى وهيا يا ولدى
نلملم الموضوع وأنا عندى لك ست كنبات بفرشهن فقال لى العروسة تريد طقم أنتريه
واشتريت واحد بألف ونصف وهاهو أكله التراب فى الطابق العلوى ...
-
.....
-
يعنى الكنب( مقعد طويل من الخشب يسع لعدد كبير
للجلوس ) ينفع للجلوس لأى عدد وللنوم لو أن
ضيفا أراد المبيت
-
شباب هذه الأيام لا ترغمه على ما تريد
- والزواج ؟ هل
هناك من لا يريد الزواج وهو فلاح ابن فلاح وفرشه جاهز وسكنه جاهز ؟! وما لا تدريه
أن كل مصيبة من هؤلاء يعود منها بتكلفة أقلها ستمائة جنيه فى ايامه السوداء تلك
-
أنت الذى لا تفكر له جيدا ..
-
( وهو يشير باشارات منفعلة ) اسكت ..اسكت ،
إنت عارف أنا كان عندى حمار ذكر سقانى المر بالملعقة ، فضحنى ، لم أكن أنتفع به ،
أربطه خارج باب البيت نهارا ثم خلف الباب ليلا ، لم يكن يتحرك عن ذلك قيد أنملة ،
أتدرى لماذا ؟
-
هه ...
-
لم يكن ير أتانا إلا وانطلق خلفها حتى وأنا معه
فى حيرة و خجل
-
.....
- اسمع ذات مرة
ركبت رأسى وذهبت به إلى القرية المجاورة كان دكان التموين الذى أتبعه فيها لأحضر
التموين الشهرى يا أخى كان كثيرا أتدرى ؟ مائة وعشرون جنيها دفعتها فيه لم تنقص
ورجعت إلى البلدة فرحا مسرورا ..
-
.....
- الغريب أن
عابد كان له أتان ، الله أكبر كان إذا نزل من عليها عند الدكان لم يحتج إلى أن
يقيدها ولا حتى أن يمسك الرسن ، كانت تقف بجواره لا تتحرك
-
.....
- وظل معى وأنا
مبسوط .. حمار فاره حتى العمدة لا يملك مثله وأنا فوقه والتموين أمامى ولم يبق
بينى وبين الدار إلا أمتار قليلة وفجأة ظهر لى ما كنت أخشاه .. حمارة الجار ويا
ويلى ، أتدرى لقد قذف بى والتموين من على ظهره إلى الترعة وأسرع خلفها ونزلت ألملم
حالى و بضاعتى فما كان فى كيس جيد الغلق أنقذه الكيس وما انقطع غلافه ذهب مع الماء
وتقول لى ولد ....
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق